تحدّث البارون وهو يرمقني بنظرةٍ عابرة من خلف الجسد الذي كان يحجبني،
“لا أجهل أن سبب وجودكَ هي حبيبتكَ التي كانت أنظار المسرح كلها معلقةٌ بها.”
ثم ابتسم دانيال غوين دون أن يجيبه.
“على أي حال، كل ما في قصرِكَ حقيقي.”
“يبدو أن الأمر كذلك.”
تبادل الاثنان ابتسامةً وهما يدركان المعنى الخفي لكلمة “حقيقي” التي لا يفهمها سواهما.
و لم يضِف البارون شيئًا آخر و ابتعد.
“لا يصح أن أفسد وقتكَ مع حبيبتكَ. في المرة القادمة لنذهب معًا للرماية، الحمَام بانتظاركَ!”
لوّح بيده بعشوائيةٍ وهو يبتعد، فحيّاه دانيال.
وبعد أن تلاشى البارون في البعيد، شرح لي دانيال أمره.
“هو أيضًا يحب جمع الأشياء.”
بعد لحظة صمت، وبما أن ما يثير فضولي ليس ذلك، سألته،
“هل تحب الرماية؟”
“كانت هوايةً شغفتُ بها يومًا.”
فصمتّ متخيلةً منظر الزناد يُسحب من بندقية الصيد، واليد المغطاة بالقفاز الجلدي تصوّب نحو حمامٍ يطير في سماء حقلٍ فسيح مفروشٍ بالعشب.
“لكن الآن، أكثر ما أستمتع به هو كوني معكِ يا إليانور.”
هو ليس نبيلًا، ومع ذلك يُشاد به لنبله وأناقة تصرّفه، و قد ابتسم هذا النبيل وهو يواجهني.
جامعٌ يضع في قصره الأشياء الجميلة، الحقيقية بلا زيف، ويعتني بها عنايةً ثمينة.
و راودني الظن أنه حتى حين يُحطّم شيئًا ما، سيفعل ذلك بأناقة. سواءً حمامةً محلّقة، أو قرصٌ خزفي. أيًّا كان.
“….إنه لشرف.”
ثم خرجتُ معه نسير خارج المسرح.
في المسرح الذي غادرته العربات، أخذ من رأوا دانيال غوين وحبيبته يتهامسون.
كان قصر الكونت غوين دافيرديل، أو ما يُعرف الآن بـ”الخزنة الخضراء” لدانيال غوين، دائمًا موضع فضول المترفين، لكن ما في داخله لم يكن يُرى إلا لقلةٍ نادرة.
غير أنهم رأوا المرأة التي كانت تمشي إلى جانبه.
كانت “إليانور” الواقفة بجانب الجامع تبدو يافعةً أكثر مما يشيع الثرثارون أنها أقامت في القصر منذ أيام إرنست غوين.
وعلى أي حال، فإن شائعة كونها عشيقة كونت غوين دافيرديل السابق بدت مبنيةً على مبالغةٍ أكثر من كونها حقيقة.
مهما يكن، كان الشاب الوسيم والمرأة الجميلة جميلين إلى حدٍ يفيض عن أنظار الناس.
لم تكن “إليانور” زهرةً من زهور الشوارع، ولا ممثلةً مشهورة من المسرح، ولا ابنةً خفية لأسرةٍ نبيلة، وكان جمالها أبعد من أن يكون بشريًا.
لذا همس الناس، متسائلين إن كانت ربما تمثالًا جمعه ذلك الجامع ثم دبت فيه الحياة، وهم يتداولون حكاياتٍ أشبه بالأساطير عن نحاتٍ وجنيةٍ من الجص.
“ما دام قد أخرجها معه، ألن يُدخلنا في المرة القادمة إلى الداخل؟”
***
في الليل، بعد عودتنا من الخارج، أنهت إيزابيل تبديل ملابسي وضفرت شعري ضفيرةً واحدة رخوة، ثم غادرت خلف الباب.
أطفأَت إيزابيل الضوء، لكنني أشعلتهُ من جديدٍ بخفوتٍ وجلستُ أمام طاولة الزينة، لأفتح الدرج.
و في داخله مفتاحٌ أعطاني إياه دانيال غوين، وشريط ساتانٍ أرجواني، ومذكرةٌ صغيرة كنتُ قد طلبتُ من أحد الخدم إحضارها منذ زمنٍ ولم أستخدمها.
داعبتُ غلافها الأخضر الداكن، ثم فتحتُ الصفحة التي وضعتُ عندها علامة. و حدّقتُ شاردةً في رأس القلم الذهبي بيدي، بينما استحضرتُ دانيال غوين.
“…….”
في النهاية استسلمتُ و كففتُ عن الكتابة، و قلبتُ الصفحات إلى الوراء، إلى يومياتٍ كُتبت على فتراتٍ متقطعة.
الكلمات التي تضم يومًا أو أربعةً في أقصاها كانت كلها مملوءةً برجلٍ واحد. فمنذ اعترافِه لي، كانت أيامي القليلة الماضية كلّها عنه.
و ربما لأنني كنتُ أجلس قريبةً من الضوء، شعرت بحرارةٍ تصعد إلى وجهي.
وبينما واصلتُ السهر أمام الضوء الصغير، غارقةً في أفكارٍ شتى، سمعتُ وقع خطواتٍ غير غريبٍ عليّ.
كان القصر هادئًا لِتأخر الوقت، والتقطت أذنايَ الحساستان صوت أقدامٍ تصعد السلم إلى الطابق الثاني، وقد صار وقعها أثقل.
تربك-
أسرعتُ فأدخلتُ المذكرة في الدرج.
وخلال ذلك، استمرت الخطوات بلا تردد، كأن صاحبها لا ينوي إخفاء حضوره، مقتربةً من باب غرفتي.
صدر صوتٌ يصعد السلم، ويسيرُ في الرواق، ثم توقف أمام بابي، كما في ليالٍ أخرى.
أبدى تردداً قصيراً، ثم في النهاية—
طَقّ طَقّ-
“إليانور، هل أنتِ هنا؟”
الرجل الذي لم يطرق بابي من قبل، طرقه الآن، فرحّبتُ به طوعًا في غرفتي.
“ما الذي جاء بكَ في هذا الوقت؟”
نهضتُ و فتحتُ الباب، فوجدتُ أمامي رجلًا يحمل صينيةً لا يُعرف ما عليها.
ثم همس، وكأنه مسرورٌ لأنني فتحتُ له، و سأل،
“جيدٌ أنكِ لم تنامي. هل يمكنني الدخول؟”
ترددتُ قليلًا ثم أومأتُ برأسي، فإلتف من جانبي و دخل الغرفة.
وبسبب تراجعي وفقداني لمقبض الباب، أُغلق الباب خلفه بهدوء.
“لم أكن أفعل شيئًا مهمًا.”
“حقًا؟”
كان الرجل الذي اعتاد أن يكون بكامل أناقته ليستقبل الضيوف حتى داخل القصر، يرتدي الآن ملابس مريحةٍ للبيت.
كان يرتدي قميصاً قطنياً فضفاضاً، و أزراره العليا محلولة، وسروالٌ قطنيٌ مريح، وشعرٌ غير مصفف، أشعث على طبيعته.
“لحسن الحظ لا يبدو أنني أيقظتكِ. هل كان يشغلكِ شيءٌ تفكرين فيه؟”
سأل وهو يشير بعينيه إلى طاولة الزينة المضيئة، فأومأتُ برأسي.
وقد وقف في وسط الغرفة، يتفحص المكان من حوله، وقد بدا عليه شيءٌ من الارتباك، وعندها فقط أدركتُ ماهية الصينية التي يحملها.
على الطبق فوقها، كانت هناك كعكاتٌ طازجة مصفوفة بعناية. تفوح منها رائحة الزبدة الدافئة. وكان الحليب الممزوج بالعسل قد سُخّن حتى صار دافئًا.
لكن لا توجد في غرفة نومي طاولةٌ تتسع لأكثر من شخص، فلا مكان مناسبٌ للأكل.
فتمتم هو، وقد بدا أنه فكّر في الأمر مثلي، بنبرةٍ محرجة.
“أحضرتها لنأكل معًا….لكن يبدو أنه لا يوجد مكانٌ مناسبٌ نضعها فيه.”
ومع ذلك، لم أرغب في فتح الباب مجددًا والخروج إلى غرفةٍ أخرى.
ويبدو أنه يشعر بالمثل، إذ رمقني بنظرةٍ مازحة و سأل،
“إليانور، هل يزعجكِ إن سقط فتات الكعك على السجادة؟”
هززتُ برأسي. فالتنظيف ليس من شأني على أي حال، والمكان الوحيد الذي يمكنني وهو الجلوس فيه براحة متقابلين هو السجادة الناعمة.
“هذا مطمئن. كنتُ أخشى أن تطرديني.”
ثم جلس براحة على السجادة و وضع الصينية، فجلستُ أنا في مواجهته وبيننا الصينية.
كان الرجل قد بدا وكأنه استقر في مكانه، لكنه ما لبث أن نهض وهو ينظر إليّ بهدوء، ثم جذب الغطاء من فوق السرير و لفّني به حتى لم يظهر مني سوى يديّ، و وضع في اليد المكشوفة كوب الحليب.
“أكل الكعك سرًا في منتصف الليل من امتيازات البالغين.”
وأمام ابتسامته العريضة الراضية، ابتسمتُ أنا أيضًا.
ردّ على عتابي المازح بلا اكتراث، ومع انشراح صدري سألته من جديد،
“هل جئتَ في هذا الوقت لتقول أنكَ ستتحمل المسؤولية؟”
وعندما رأيتُ نظراتنا المتقابلة تهتز قليلًا، أدركتُ متأخرةً أن لكلامي مجالًا لتأويلٍ غريب.
“….…”
بينما ارتبكتُ، غمس هو قطعة كعكٍ في كوب الحليب الذي بيدي، ثم أخرجها و وضعها في فمه ضاحكًا.
ولأنه وضع واحدةً في فمي أيضًا، لم أستطع متابعةَ الكلام لانشغالي بالمضغ والبلع.
بعد أن ابتلع الكعك، فتح فمه ضاحكًا بخفة.
بينما نظرتُ إلى يده التي تغطي فمه وهو يضحك، وقد احمرّت وارتجفت، ثم رفعتُ بصري، وكانن أرنبة أنفه مشدودةً قليلًا من الضحك، وشعره يتمايل كلما استنشق ثم أخرج الضحكة.
“إليانور، أنتِ جريئة.”
حدّقتُ في الشاب الذي يبدو كأنه خرج من لوحةٍ مرسومة، ثم أدرتُ رأسي على عجل.
“لا، الأمر ليس كذلك. أعني….أقصد―.”
“على الأقل، هكذا أراكِ.”
“لا تسخر مني هكذا. يا إلهي، أنتَ تعرف أنني لا أقصد ذلك!”
بينما ارتبكتُ في كلامي، ضيّق عينيه و عبس جبينه قليلًا، ثم تابع بنبرةٍ تشبه الزفرة،
“وفي الوقت نفسه، أنتِ متراخية.”
“لا أظن أن الأمر كذلك تمامًا….”
أنهيتُ الجملة بلا ثقة، فردّ عليّ بحزم، ثم ضحك بلا صوتٍ وكأنه لا حيلة له،
“يجب أن تدركي أكثر أنني أحرصُ عليكِ.”
ثى امتدّت يدٌ رافقتها ضحكةٌ خفيفة، و مرّت بلطفٍ على خدي.
“هل استمتعتِ بخروجنا اليوم؟”
“نعم، كانت المرة الأولى التي أخرج فيها من القصر.”
“قلت لكِ في المرة السابقة، أليس كذلك؟ بدا لي أنكِ ترغبين في ذلك كثيرًا، فاهتممتُ بالأمر.”
التعليقات لهذا الفصل " 31"