عبثت إليانور بذيل فستان المخمل الأزرق الذي يكسو جسدها. و راقبها دانيال غوين الجالس قبالتها في العربة، بنظرةٍ يختلط فيها الضحك بالود.
و أدارت بصرها هنا وهناك، لكنها لم تفلت في النهاية من التقاء عينيهما. فابتسمت، و بادر هو بالكلام كأنه كان ينتظر ذلك.
“إنه يليق بكِ كثيرًا.”
“….شكرًا لكَ.”
“ليتني أراكِ هكذا داخل القصر أيضًا.”
“سيكون ذلك غير مريح، أليس كذلك؟”
تأملها لحظة، و رمش بعينيه، ثم أجاب في هدوء.
“هذا صحيح.”
لكن ما تبع ذلك لم يكن إلا إطراءً.
“مع أن إليانور جميلةٌ حتى بثياب البيت.”
فاكتفت بالابتسام دون أن تنطق بما تعرفه. وسرعان ما انتقل الحديث.
“هل هناك مكانٌ تودين الذهاب إليه؟”
لم يكن هناك مكان. فهي لا تعرف شيئًا. فهز رأسه مبتسمًا حين رآها تنفي.
“إذًا، يكفي أن تشاركينني خطتي.”
و تذكرت الرجل الذي لم يزرها قبل أيامٍ بحجة انشغاله، فسألته.
“….ألا توجد أوراقٌ يجب عليكَ إنجازها اليوم؟”
توقف قليلًا كأنه يزن معنى كلامها، ثم ابتسم مجيبًا.
“بالطبع، لكن وقتي يكون دائمًا متفرغًا من أجلكِ، إليانور.”
التقت عينيهما. بينما ارتفعت زاوية فمه. و اشتد بريق نظرته النحاسية، ثم همس بنبرةٍ مداعبة.
“هكذا ستشعرين بالراحة معي أكثر، أليس كذلك؟”
ثم صمتت، وقد حمل قوله إيحاءً بأنها ما زالت لا تشعر بالارتياح معه، أو لعلّه يسأل إن لم تكن مرتاحةً أصلًا.
لكن على خلاف القلق، لم يُلحّ في انتظار جواب، وكأنه لم يكن إلا تمهيدًا لما سيقوله بعد ذلك.
“لا تعيري الشائعات التي لا قيمة لها اهتمامًا.”
لم تعرف أي شائعاتٍ يقصد. فخدم القصر كانوا حريصين على الصمت أمامها، ولم يكن مسموحًا لها بمعرفة أخبار الخارج أصلًا.
“….هل هناك من يتحدث من تلقاء نفسه؟”
“لا بأس إن لم تعرفي، إليانور. فهناك دائمًا من وُلدوا مثل الفئران، لا يفعلون سوى الصرير.”
“يا لهم من وقحين! يتجمعون كقطيعٍ من الفئران، لا يخرج من أفواههم سوى أحاديث ضيقة وقذرة.…”
كانت تتذكر خادمًا كان يقلّد والدته سرًا وهو يقول الشيء ذاته، فأجابت ببطء.
“….إذًا هو كذلك.”
“نعم، لكن لا داعي للاهتمام.”
هزّت رأسها. و لم تجد ما تقوله، فاكتفت بالنظر عبر النافذة المغلقة، إلى أن توقفت العربة معلنةً الوصول.
أوشكت على النزول، فأوقفها، و نزل أولًا، وقبل أن يمد يده تحدّث.
“إليانور، الشريط.”
و ترددت لعدم فهمها، فأوضح.
“الشريط في شعركِ، اختلّ.”
كان الشريط الذي يربط شعرها اليوم من الساتان الأخضر.
فرفعت يدها، تتحسس الشعر المربوط عند كتفها، ولمست نعومة الشريط.
بعد أن رتبته كما طلب، مد يده. و أمسكت بها و نزلت إلى الشارع، فهمس لها.
“نسيتُ أن أقول، أنتِ جميلةٌ حقًا اليوم.”
قادتها يده لتخطو على شارعٍ مرصوفٍ بالحجر، بحذاءٍ مبطّن من الداخل بفراءٍ قصير.
“كنتِ جميلةً في القصر أيضًا، لكنكِ جميلةٌ اليوم على نحوٍ خاص. ليتني أكون الوحيد الذي يراكِ.”
و لم يكن ثمة حاجةٌ لابتسامة مجاملة تخفي الخجل. فالمشهد أمامها خطف أنفاسها.
وقت الظهيرة، الشمس في كبد السماء، وأضواءٌ متلألئة كأنها تتحدى ضياءها.
رغم جمال القصر واتساع الحديقة، فإنهما لم يكونا سوى قصر وحديقة. هذا هو “الخارج” الحقيقي.
“هل أعجبكِ؟”
“….نعم. حقًا.”
“جيد.”
يبدو أن الجواب الذي خرج مسحورًا أعجبه، فتعمّقت ابتسامته.
وكانت عيون الحشود التي تمر بجانبهما، ومعظمها لأسر أو عشاق، تستقر عليها أطول.
“هل تلك المرأة خليلة الكونت؟”
“الآن هي حبيبة دانيال غوين.”
شد قبضته على يدها. ومن خلفه، توقفت الهمسات لحظة، ثم عادت.
كانوا يتهامسون أنه حتى لو كان قد قتل والده بسببها كما تقول الشائعات، فذلك مفهوم. ولعل هذا الهمس وحده ليس إشاعةً بل حقيقة.
نظرت إليه، لكنه يبدو غير راغبٍ في أن يخبرها بشيء عن تلك الأحاديث المتشعبة التي يتناقلها الناس.
***
تلاقت نظرتان سريعًا ثم افترقت مع الشخص الذي كان يهمس بأنني عشيقة الكونت، فابتسمتُ له وأنا أرى على ملامحه مرور الإعجاب أو الخوف أو الدهشة.
“هل رأيتِ شيئًا ممتعًا؟”
فأجبتُ وأنا أترك نظرته الهاربة على عجل.
“لا.”
ومع ذلك، تلك النظرات. أشخاصٌ يرمقوننا خلسة لكنهم لا يجرؤون على الاقتراب.
نظراتٌ تشبه التحديق في تمثالٍ داخل قاعة عرضٍ أكثر مما تحمل مراعاةً أو احترامًا أو خوفًا، وفي خضمها يبتسم هو، كأنه لوحة، كأنه فتى عاشق، ويهمس.
“الناس يروننا كما نحن نُريهم أنفسنا، وأنتِ جميلةٌ لهم الآن.”
“…….”
كل الكلمات من حولنا لا تعدّ كونها مونولوجاتٍ جانبية موجهةً للجمهور، وفي هذه اللحظة نكون أنا وهو بطلَي المشهد وفي الوقت نفسه من المتفرجين.
“لذا لا داعي لأن تهتمي.”
لا أفهم تمامًا إن كان يقصد ألا أخاف، أم أن أكتفي بإظهار الجانب الجميل فقط.
على أي حال، قادني هكذا إلى داخل المسرح.
حين انطفأت أضواء مقاعد الجمهور المحيطة بالخشبة، تلاشت أنظار الناس وهي تتبع بطلًا جديدًا.
و جلستُ معه في المقصورة الخاصة التي قال أنه حجزها مسبقًا.
أسند ذراعه اليمنى على مسند المقعد، وأراح خده على يده اليمنى، ثم حرّك يده اليسرى التي كانت موضوعةً بجانب فخذه وأمسك بيدي اليمنى.
ظل يقبض على يدي بإلحاحٍ ويداعبها، ثم بعد أن فقد اهتمامه انتقل إلى مكانٍ آخر.
راح يعبث بطرف كم فستاني المخملي الأزرق المتماوج، أو بطرف الشريط المربوط والمتدلّي عند خصري، ثم تحسست أصابعه أطراف شعري المضفور بإحكامٍ أكثر من المعتاد والمنسدل خلف ظهري.
“…….”
عندما لم أتحمل وأدرت رأسي، تلاقت أعيننا على الفور.
في الظلام، كانت عيناه بلون النحاس، كأنهما امتصتا الضوء المنبعث من الخشبة، تومضان دون أي محاولةٍ لإخفاء الابتسامة.
“هل هذا يزعجكِ؟”
إن قلتُ أنه لا يزعجني فسأكون كاذبة، لكن في الحقيقة ما يزعجني أكثر هو النظرات.
تلك النظرات التي تقترب وتبتعد مع كل حركةٍ من يده، ممتلئةٌ بالضحك.
ومن بينها اعتذاره هو.
“إن كان مزعجًا فأنا آسف، وفوق ذلك….بما أن هناك من يستغل الضوء الخافت ليفعل مايريد، أظن أن الناس لن يحدقون بنا باستمرارٍ هكذا إن كنّا طبيعيين.”
يفهل مايريد؟ بعد أن رمشتُ بعيني عدة مراتٍ فهمت قصده.
فحاولت تهدئة وجهي المتورد وأنا أفكر.
لكن، أليس هذا مقبولًا إلى حدٍ ما؟ مجرد مداعبة اليد أو الشعر لا يسبب لي إزعاجًا كبيرًا.
ومنذ أن أصبحت علاقتنا “علاقة حبيبين”، صحيحٌ أن احتكاكه بي ازداد، وقد اعتدت على ذلك بما فيه الكفاية.
فهو لم يدخل غرفة نومي منذ تلك الليلة الوحيدة، ولم يدعُني إلى غرفته أيضًا.
وقد قال أنه يحبني….
“…….”
لذلك لم أمنع يده، لكن لا يمكنني أيضًا ألا ألتفت للأمر مطلقًا، وفي النهاية لم يبقَ في ذاكرتي شيءٌ واحد عن مضمون المسرحية.
أُضيئت الأنوار، واندفع الناس خارجين من المسرح.
و يبدو أن دانيال غوين لم يرغب في الانجراف مع الحشد، فبقي جالسًا في مقعده طويلًا قبل أن ينهض متأخرًا.
نظرتُ إليه متسائلةً إن كان قد غرق في بقايا تأثير العرض، لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك.
فهو كعادته. لا يُظهر انطباعًا خاصًا، لكنه سأل بوجهٍ يحمل ابتسامةً خفيفة.
“سمعتُ أنها مسرحيةٌ يشاهدها العشاق كثيرًا، هل أعجبتكِ؟”
نظرتُ إليه بهدوءٍ ثم هززت رأسي، فتمتم بكلامٍ لا يبدو صادقًا عن خيبة الأمل.
ثم همس بمزاح.
“على أي حال، من الجيد أن أذواقنا متشابهة.”
في الحقيقة لا أستطيع حتى الحكم إن كانت أعجبتني أم لا. فكيف لي أن أفعل ذلك وأنا لا أتذكر تفاصيل المسرحية أصلًا؟
أخفيتُ هذه الأفكار، و أمسكتُ بيده الممدودة، و نهضتُ من مكاني، و اتجهنا خارج المسرح.
“سيد غوين.”
“آه، سيدي البارون.”
اقترب رجلٌ يبدو في أواخر الثلاثينات أو أوائل الأربعينات وهو ينادي دانيال غوين.
و من طريقة الرد الطبيعية، يبدو أنهما يعرفان بعضهما جيدًا.
أفترضتُ أنهما تبادلا الحديث في إحدى الولائم، و صرفتُ نظري إلى مكانٍ آخر.
لكن المسرح الذي غادره معظم الناس بات خاليًا.
“مرّ وقتٌ طويل. هذه أول مرةٍ أراك منذ الوليمة الماضية.”
“هل كنتَ بخيرٍ طوال هذه الفترة؟”
“بالطبع. يبدو أنكَ قضيت وقتًا ممتعًا في القصر، أليس كذلك؟ لم تأتِ حتى للرماية.”
حسناً، يبدو أنه لا يرغب في أن يعرّفني على البارون هذا.
____________________
واو تخيلو تزعل عشانه شبه سفهها؟ ايه حلالس تتدلعين قلبو
أما دانيال يوم يبرر حركته في المسرحيه الصدق مافهمت وش يبي يوصل له يعني🌝
المهم ضحكتني اليانور يوم سفهته وهو يمدح جمالها كأنه شي طبيعي وانشغلت بالجو برا 😭 اهخ تجنن وهو عادي كمل معها زين المكان اعجبس وكذا
التعليقات لهذا الفصل " 30"