تغيّر بريق عيني الشاب. فلا أحد في القصر يجهل مقدار اهتمام سيد القصر الشاب بـ”الآنسة” المقيمة فيه.
“وهل خرجت إليانور طائعة؟”
أطبق ويسلي إينيل شفتيه. فقد تلقّى من إيزابيل مارلي خبرًا مفاده أن إليانور كايل لم تعد في الآونة الأخيرة مطيعةً على الدوام. ولا داعي لإغضاب السيد دون سبب.
“….…”
السيد، وقد أدرك الحقيقة من هذا الصمت، صمت بدوره. و عادت عيناه تتفحّصان الرسائل التي ذكرت “المأدبة”.
لم يجرؤ ويسلي إينيل على رفع رأسه. فاختيار المدعوّين لقائمة الطعام كان جوهر تلك “المآدب” ومتعتها، ولا بد أن تلك الرسائل كانت تحمل تفاصيلها.
“حتى إليانور….شاركت.”
ذلك هو السبب في أن آداب مائدة إليانور كايل، الكاملة في معظمها، كانت مصقولةً على نحوٍ خاص.
وهو الشكل الذي تُستهلك فيه تلك الجواهر التي يهمس بها أهل المدينة، عن جامع التحف المجنون من غوين، الأب والابن معًا، وكيف كانا يسكبان الجواهر على قدميها بسخاء.
“….…”
وضعت الرسائل على الطاولة بشيءٍ من اللامبالاة. وكأن الصمت لم يكن سوى وهم، و ابتسم السيد بأناقةٍ ويتكلم.
“إذًا لا داعي للرد.”
ثم اتجه نظره إلى ما تبقّى من الرسائل. مكدّسةً كأنها تلّ، بعد فرزٍ وانتقاء.
نظر إليها بعينٍ مشوبةٍ بالملل، ثم إلتقط دانيال غوين إحداها، فاقتنع ويسلي من تلقاء نفسه.
نعم، فذلك الشاب جميلٌ إلى هذا الحد، فكيف لا تُرسل إليه الرسائل؟
“….…”
تلاقت نظرات الخادم والسيد. و رأى ابتسامته، و ظنه نبيلٌ بحق.
معظم تصرّفاته تنبع من غرورٍ وثقة بالنفس، من ذاك الطابع الأرستقراطي المتأصل.
كأنما يقول أن من يراه، بهذا الجمال وهذا الثراء، لا يمكنه إلا أن يحبه. وصاحب تلك الابتسامة نفسه يعلم أن الجميع سيحبونه، وأن الأمر لا بد أن يكون كذلك.
ربما لأنه عاش ابنًا لنَبيل. لكنه ليس نبيلًا الآن، وهذا ما يدعو للأسف.
وأثناء انشغاله بتلك الأفكار، يبدو أن دانيال غوين قد فرغ من تفقد البريد. وبقيت أظرفٌ مفتوحة مصطفّة على المكتب.
ثم تمتم الشاب بنبرةٍ أقرب إلى التنهّد.
“تزداد الدعوات يومًا بعد يوم.”
“….أظن أن ذلك يعني أن كثيرين يرغبون في لقاء سيدي.”
لم يؤكد الشاب ولم ينفي وهو ينظر إلى الخادم الذي قدّم جوابًا تقليديًا. و اكتفي بابتسامةٍ مهذبة، أنيقةٍ إلى حد الكمال.
تلقى المعطف السميك، و خرج منه همسٌ خافت.
“في النهاية، لو لم أكن جميلًا أو ثريًا، لتركوني ورحلوا في لحظة.”
كأنه لا يهمه إن سُمِع كلامه أو لم يُسمع. لكن ويسلي تظاهر بعدم ملاحظة النظرة الحذرة التي ألقاها السيد نحوه. واكتفى بالصمت.
“….…”
ارتدي السيد معطفه كأنه لم يقل شيئًا، و وضع قبعته، ثم لبس القفازات في يده البيضاء.
وبعد أن أتمّ استعداداته، خرج دانيال غوين من الباب الكبير.
“أعتمد عليكَ اليوم.”
فهزّ ويسلي رأسه.
و اتجهت النظرة النحاسية، الشبيهة تمامًا بنظرة والده، إلى خارج الباب ثم عادت.
“يبدو أن هناك من يريد التأكد بنفسه من الشائعات المشبوهة، لذا لا بد من أن نُريهم. وحتى لو تطلّب الأمر وقتًا طويلًا، فالمماطلة ليست من طبعي.”
ثم ودّع ويسلي إينيل سيده.
وحين اقترب السيد من العربة، ابتسمت امرأةٌ جميلة كانت تنتظر أمامها. و أمسك الرجل والمرأة بأيدي بعضهما وصعدا إلى العربة.
“اجلسي هنا، إليانور.”
بدت إليانور كايل غير معتادةٍ في البداية، ثم سرعان ما وجدت مكانها وجلست براحة. فأينما كان، فإن مكانها هو جوار سيد القصر.
أُغلق الباب، و اختفي فستان المرأة الأزرق عن الأنظار، و مضت العربة مبتعدة.
تذكر ويسلي ذلك الحماس الذي لم تستطع إخفاءه. لا بد أنه أول خروجٍ لها في حياتها.
كانت السيدة مارليير قد قالت أن إليانور كايل، حين رأت ملابس الخروج التي وصلت إلى خزانتها، بدأت تنظر بإيجابيةٍ إلى السيد الذي لبّى طلبها.
“إنه أمرٌ طيب. ما الجدوى من البقاء على حدّ السكين كما في السابق؟”
و تذكر أنه لم يجب على ذلك الكلام.
وهو يراقب العربة المبتعدة، فكّر في كلمات سيده….قال أنه من الضروري أن يُريهم. ولا شك أن السبب هو تلك الشائعات المشبوهة التي تحيط بالقصر مؤخرًا، والفضوليين الذين يتغذّون عليها.
كان يعلم بالفعل بوجود من يتسللون حول القصر. ويعلم أيضًا ما يتهامس به الناس في الشوارع عن رجال غوين وعن إليانور.
قصصٌ عن أن دانيال غوين دبّر كل شيءٍ لانتزاع محظية إيرنست غوين. أو أنه لم يرث عن أبيه المال والقصر فحسب، بل المرأة أيضًا.
أو أن تلك المحظية كانت حاملًا بطفل إيرنست غوين، ولذلك تعاون كينيث غوين مع أخيه. أو أن تلك المرأة كانت فاتنةً إلى حد يفقد العقل، حتى أن الأب والابن أغدقا عليها المال بجنون.
إنها شائعاتٌ مضحكة إلى حدّ لا يُحتمل. وأكثرها إثارةً للسخرية تلك التي تزعم أن إليانور كايل تحمل طفل إيرنست غوين.
“…….”
مسح ويسلي إينيل زاوية فمه المتيبّسة، مستعيدًا ذكرياتٍ قديمة.
وجه إليانور كايل الشاحب الذي كان يلازمها كلما جاء إيرنست غوين بعد أن بدأت دورتها الشهرية، وسهرها الليالي بلا نوم، ثم سلوكها المتمثل في القيلولة نهارًا فقط بعد أن يغادر إيرنست غوين في سفره.
كانت الفتاة، وهي أصلًا غير قوية البنية ولا شديدة الوداعة، تزداد حساسيةً على نحوٍ متدرّج، وتدخل في نوبات مرضٍ تمتد لأيام، مرةً بعد أخرى.
إلى أن لم تعد إيزابيل مارليير تحتمل نوبات تبرّمها، فتوجّهت إلى سيد القصر بنفسها.
و تذكّر ويسلي كذلك ما قاله إيرنست غوين حين جاء لزيارة الفتاة. وهو السبب الذي يجعل السخرية من تلك الإشاعات ممكنة.
“لا تقلقي يا نيل. أعلم أنكِ تخشين أن يفسد الحمل والولادة جمالكِ.”
أي قوله أن ذلك لن يحدث، فكيف لي أن أفسد جمالكِ؟
لم يكن كلامًا يمكن الجزم بملاءمته، ولم يكن مساويًا تمامًا للتعهد بعدم ارتكاب فعلٍ دنيء. لكن على أي حال، عاد القصر إلى هدوئه المعتاد.
ولعل إيزابيل قد شرحت للفتاة، بعباراتٍ لطيفة، أن جزءًا معينًا من جسد الكونت العجوز لم يعد يؤدي وظيفته كما ينبغي.
“……”
الآن فقط، بدأ ويسلي إينيل بالتفكير.
لكن ماذا لو كبرت إليانور كايل، وبدأ جمالها يفقد جاذبيته في نظر السيد، وجلب السيد من مكانِ ما رجلًا جميلًا آخر؟
أليس من الممكن أن يقع أمر غير محمود، كما تُطعَّم الحيوانات أو تُشبك الأشجار؟
غير أن ذلك السيد قد رحل منذ زمنٍ بعيد. و تذكّر ويسلي سؤال السيد الجديد، الشاب، الذي اعترف بحبه لإليانور كايل.
“هل كان والدي يقيم المآدب كثيرًا؟”
حسنًا، لم يكن الأمر ثابتًا، لكنها كانت تُقام مرةً واحدة على الأقل كل شهر.
وفي كل ليلة تعقب تلك الولائم، كانت المرأة تبتلع جواهر لامعة مقطّعة إلى قطعٍ صغيرة جميلة، مصغّرة لتسهل بلعها، تدفعها قسرًا عبر حلقها ثم تتقيأ.
قالت إيزابيل مارليير أن ما كان يرتدّ لم يكن يحوي تقريبًا أي جواهر.
وقال ويليام تينيسون، الطبيب الذي كان يزور القصر دوريًا لفحص إليانور، أن صحتها لا تعاني أي مشكلة. وإن كان الأمر كذلك، فلا بد أنها هضمت الجواهر حقاً.
لكن هل يُسمّى ذلك هضمًا حقًا، حين تقضي تلك الليالي في كوابيس، ويتقرّح حلقها وسقف فمها أحيانًا، وتمضي اليوم التالي شاحبةً ومنهكة؟
“في النهاية، لو لم أكن جميلًا أو ثريًا، لتركوني ورحلوا في لحظة.”
أليس التمسّك بالجمال، كي لا تُنبَذ، هو عين ما يفعله سيده الذي قال تلك الكلمات؟
ومهما يكن، فهي جميلة. ويستطيع ويسلي إينيل أن يجزم بأن الفضوليين الذين أسهبوا في الحديث عنها سيطبقون أفواههم بعد خروج اليوم.
فجمال إليانور كايل نوعٌ من العنف، ومنطقٌ قائم بذاته.
سيرونها بأعينهم، ويفكّرون هكذا. حتى لو كانت كل تلك الشائعات صحيحة، فما المشكلة؟ إنها جميلةٌ إلى هذا الحد.
ذلك الجمال هو الخلاصة. هو كل شيء. الصخرة التي تقوم عليها حياة إليانور كايل، ووجودها، وأساسها.
ولهذا يسكب الجامعون على إليانور كايل كل شيء. الثروة، الجواهر المتلألئة، الحب، الغرور. أيًّا كان.
___________________
عندي نظرية أي أحد يسكن الخزنة الخضراء يجيه جنون اسمه جنون الجمال🙂↕️
وطلعت ايزابيل أحياناً تفضفض لويسلي طيب وإليانور؟ ولا محرم عليها؟
التعليقات لهذا الفصل " 29"