تردّدتُ قليلًا ثم أومأت. فما زلتُ أجهل هذا القصر إلى حدٍّ يستدعي أن يعرّفني به مالكه الجديد.
والسبب واحد. الخزنة الخضراء كانت قاعة عرض إيرنست غوين، وفي داخلها كان الطابق الثاني منصّتي أنا.
لذلك، حتى حين كنتُ أتمرّد وأتجوّل في الحديقة أو أركان القصر، لم أُوبَّخ. فالتحف لم تخرج قطّ من قاعة العرض.
والتحفة لا واجب عليها ولا سبب يدعوها لأن تعرّف على تحفةٍ أخرى. لهذا، لم أعرف أسماء الأشياء التي كانت في هذا القصر ولا أصولها.
“.……”
ومع ذلك، يقول أنه سيعرّفني بها لأنه يحبّني.
نعم، لأنه يحبّني.
لا بصفتي تحفة، بل “إليانور”.
خشيتُ أن تنسحق اللحظة مثل كعكةٍ مغطّاة بالكريمة، أو أن تذوب وتسيل.
كثلجٍ يذوب تحت شمس الصيف، أو ككريمةٍ فُسد حفظها، هل ستنسحق هذه اللحظة أو تذوب وتلتصق بحرارة الجسد؟
***
أكان ذلك بسبب شمس الصيف وحرارة الجسد؟ أم بسبب الكريمة والكعكة نفسيهما؟
الرجل الذي يشبه فصلًا حارًّا وباردًا في آنٍ واحد، لامس شفتيها ثم ابتعد.
دانيال غوين، ربما بسبب الثمالة، حرّك جفونه المثقلة، وأغمض عينيه ببطء ثم فتحهما.
ونظره، حتى في الظلام، متّجهٌ إلى من توجع العين بجمالها.
وجهٌ جميل حتى بضوءٍ يتسرّب من النافذة وينعكس على الثلج الأبيض، ثيابٌ مبعثرة، خدّان محمران من البرد، على خلاف التمثال في ذلك اليوم، خدّان ناعمان متورّدان، و شعرٌ أبيض ناصع حدّ القسوة.
و لا وحدة في عينيها المضطربتين بالحيرة.
تتبع ذلك بعينيه ثم تحدّث،
“إليانور.”
‘مجرد التمتمة باسمكِ تشعل صدري.’
وهكذا، اسمكِ لا ينتهي عند حدّ من الإثم. جميلٌ حدّ الوقاحة.
وهو، إذ تلتقي عيناه بنظرها المتجه نحوه، همس بلطف.
“الليل متأخر. سأرافقكِ إلى غرفة النوم.”
ليس كل شيءٍ كذبًا. لم يقل قطّ لإليانور كايل كذبة، ولم يخترع أمرًا غير موجود.
ما كان موجودًا دائمًا هو اعترافٌ صادق.
“كان هناك وقتٌ كرهتُ فيه هذا القصر كثيرًا. لكن بعد أن رأيتكِ.…”
بعد أن رآها، صار يحبّ هذا القصر.
بل وأكثر من ذلك، أحبّها ورغب بها.
أحبّها، وأرادها، إلى حدٍّ لا لبس فيه.
كان الممرّ الذي يسيران فيه معًا قصيرٌ إلى حدّ يبعث على الأسف.
ثم وقف عند باب غرفة النوم و همس لإليانور.
“….أحلامًا سعيدة. ولا تتجوّلي في الممرّات مجددًا.”
أومأت تلك الجميلة برأسها، ولم يعد في وجهها أثرٌ لتلك الوحدة التي كانت حين قبّلت التمثال في صباها.
“لا يمكنني إلا أن أحبّكِ. حتى وأنتِ في الحديقة، حين رأيتكِ، كنتِ جميلة.”
استعاد كلماته التي همس بها لتلك الجميلة، بينما أدخلها إلى الغرفة ثم يستدير.
“هل أنا، حبيبتكَ؟”
إليانور المسكينة، الهشّة إلى أقصى حدّ أمام من يهمس لها بالحب. كانت تشتاق لأيامِ كان فيها والده حيًّا، لكنها لا تريد العودة إليها.
ترغب في الهرب من القصر، لكنها تخاف في الوقت ذاته من أن تُطرَد يومًا ما.
إليانور المتناقضة. أنتِ، التي لم تدوسي عليّ أنا، الذي همس لكِ بحبّي وضعفي، أنا الذي لم أسحق غروركِ المنبثق من أساسٍ قد ينهار في أيّ لحظة، أنا الذي أعرف كل ذلك وكل ضعفكِ، ومع ذلك لا أستخدمه ضدّكِ….
“وهل يحجب الليل الفصول؟”
نعم، هل يحجبها؟
حين وقع في الحبّ في الربيع، لم يكن ما واجهه مجرد ألوانٍ زاهية يسهل على الظلام إخفاؤها.
فتلك الحرارة، وتلك الرائحة، وذلك النبض وتلك الدرجة من الدفء، ليست أشياء تزول أو تُنسى بمرور الوقت.
في تلك اللحظة، سُلب منه كلّ شيءٍ بلا مقاومة، وكلما استعادها ارتفعت حرارة جسده بلا حدّ.
نعم. خدّان محمران، أنفاسٌ مرتجفه، وحنينٌ يتجمّد في العينين.
تجربةٌ ينهار فيها العالم ثم يُعاد بناؤه.
وهو، يستحضر حرارة الجسد التي أمسك به أخيرًا، عاد إلى غرفته عبر الممرّ المظلم، وضحك بخفوتٍ وحده.
‘أرأيتِ؟ حتى أنتِ الجميلة، تحبينني في النهاية.’
***
إنه صباحٌ لا يُعدّ مبكرًا إلى حدّ القول أنه غير مناسب.
كان ويسلي إينيل يفرز البريد الذي وصل إلى القصر بينما يستعدّ سيّده.
وبالمقارنة مع خدّام القصور الأخرى، فهذه مهمةٌ يسيرة. إذ لا يوجد في هذا القصر سوى متلقٍّ واحد.
على الأقل، ما دام يعمل في هذا القصر «الخزنة الخضراء».
كان الأمر كذلك في السابق، وهو كذلك الآن، وعلى الأرجح سيبقى كذلك في المستقبل. فدانيال غوين، شأنه شأن والده، لا يبدو أنه سيدخل زوجةً إلى هذا القصر.
“…….”
تراكمت رسائل دعوةٍ وبريدٍ مختومة بأختام شتّى، اختلفت ألوان الشمع والمظاريف والخطوط، لكن محتواها واحدٌ لا يتغيّر.
لم تمضِ سوى ثلاثة أسابيع تقريبًا على جنازة إيرنست غوين، لذا فإن بعض الرسائل التي أُرسلت من أماكن بعيدة فقدت متلقّيها منذ زمن.
أو ربما كان مرسلوها يعلمون ذلك أصلًا ولم يكترثوا.
نزع ويسلي بلا تردّد الدعوات التي فقدت متلقّيها من فوق الصينيّة الفضّية. فليس من الحكمة أن يقدّمها كما هي إلى المالك الجديد للقصر.
إذ ما زال كثيرون يرغبون في دعوة «كونت غوين دابرديل صاحب الخزنة الخضراء»، لكنهم لا يرغبون في دعوة «دانيال غوين صاحب الخزنة الخضراء».
قد تكون بعض الدعوات موجّهةً فعلًا إلى مالك الخزنة الخضراء لا إلى غيره، لكن بالنسبة لويسلي، فإن تجنّب إغضاب سيّده أهمّ بكثيرٍ من محاولة فرز تلك القلّة.
“ويسلي، يبدو أن هذه الرسائل أخطأت وجهتها، أليس كذلك؟”
لا يزال يتذكّر الشابّ سيّده وهو يقول ذلك، وقد ناوله رزمة الدعوات. و كانت كلّها موجّهةً إلى “كونت غوين دابرديل”.
“للأسف على مرسليها، أنا لستُ كونت غوين دابرديل.”
“….…”
ابتسم الشابّ في وجه الخادم الصامت، ثم أضاف.
“لذا يا ويسلي، سأكون ممتنًّا لو انتبهت للأمر. أنا لستُ كونتًا ولا شيئًا من هذا القبيل، ولا يجوز لي أن أترك بارونًا ينتظر.”
كان ذلك في إشارةٍ إلى البارون الذي جاء باكرًا في ذلك الصباح لزيارة دانيال غوين.
ذلك البارون اضطرّ إلى الانتظار وقتًا غير قصير في غرفة الاستقبال بحجّة أن دانيال غوين لا يزال يستعدّ، وبعد الانتظار، بدا أنه أفرغ غضبه.
مع أن وقت الزيارة كان غير معقول، مبكرًا إلى أبعد حدّ، ومع أن الغرض منها كان مجرّد طلبٍ لمصلحة رُفضت، إلا أن الأمر انتهى على هذا النحو.
“….سأنتبه في المرات القادمة.”
اعتذر الخادم وانحنى برأسه.
وماذا عساه أن يفعل؟ فسيّده لم يعد كونتًا بعد الآن.
وهكذا، فرز ويسلي إينيل جميع الرسائل الموجّهة إلى كونت غوين دابرديل، ثم تفحّص ما تبقّى.
لفتت نظره بعض الأسماء المألوفة. أشخاصٌ كانوا على تواصل متكرر مع إيرنست غوين. لكن بما أن المتلقّي هو دانيال غوين، فلا بدّ أن لهم شأنًا مع مالك الخزنة الخضراء فحسب.
أناسٌ لديهم اهتمامٌ بالغ بشيءٍ ما داخل الخزنة.
فرز تلك الرسائل على حدة و وضعها في صينيّة، ثم توجّه إلى مكتب سيّده.
“ويسلي.”
كان دانيال غوين يتصفّح الدعوات والرسائل التي وصلته، وقد أنهى استعداده باستثناء القبعة والمعطف والعصا، حينها ناداه.
لمح ويسلي أنه يمسك بإحدى الرسائل التي كان قد فرزها على حدة، تلك الموجّهة إلى مالك الخزنة الخضراء.
“هل كان والدي يقيم الولائم كثيرًا؟ مهارة الطاهي ليست سيّئة، لكن ليس إلى هذا الحدّ.”
التعليقات لهذا الفصل " 28"