“مع ذلك، بفضل وجهه انفتحت له الحياة. سيّد القصر يحبّ السيدة إلى حدٍّ ما، أليس كذلك؟”
إن كان جميلاً، فله ما يستحقّ أن يُحَبّ لأجله.
كانت لها مكانةٌ لا تُذكر، ومع ذلك تزوّجت أمّه من الأب، أليس هذا دليلًا؟
لكن الصبي الذي ورث ذلك الدم، وإن كان لا يبلغ مرتبة تلك الطفلة، فهو جميلٌ بما يكفي، وذكيّ إلى حدٍّ لا بأس به، وذو موهبة أيضًا.
فلماذا؟ لماذا الفتاة التي يحبّها الأب إلى هذا الحدّ ليست سوى….لا، ليست سوى جميلةٍ جدًا لا غير؟
وفي إحدى الليالي، رأى حلمًا. حلمًا. كانت إليانور في حديقةٍ مليئة بأزهار الأقحوان، ولا تزال جميلة. نعم، جميلةً إلى حدٍّ يفوق الحاجة إلى الحب.
وفي لا وعيه، همس عقلٌ هشّ: إن كان ثمّة لحظةٌ يحلم الناس فيها بالحب، أفلا تكون هذه هي؟ إنها جميلةٌ بما يكفي لأن تُحَبّ.
ثم انكسر ذلك الاضطراب على نحوٍ غير متوقّع.
“دانيال. هل وقعتَ في حبّ أحدهم؟”
“….ماذا؟”
ردّ بسؤالٍ لا إرادي، ثم كاد ينطق بالنفي المعدّ سلفًا قبل أن يُطبق فمه.
و حين تلاقت أعينهما، ابتسمت الأم، ثم أخذت تهمهم كأنها تغنّي.
كان قد أدرك منذ زمن أن المجانين لا يُجادَلون، ومع ذلك ظلّ صامتًا يستمع.
“إن كانت من تحبّها، فلا بدّ أنها فتاةٌ جميلة جدًا. فذائقتكَ عاليةٌ للغاية.”
أدرك ما وراء الكلمات. فهو ليس وريث الكونت. يمكنه أن يعيش كيفما شاء، ولا بأس في ذلك حقًّا.
صمت قليلًا، ثم سأل بهدوء.
“….حتى لو لم يكن لديها ما يُذكر غير ذلك؟”
“بالتأكيد. الجمال قيمةٌ تتقدّم على كل شيء.”
كانت هذه هي إجابة الأم الصافية، تلك التي حُبّت لجمالها، وتذكر حينها تعابير وجه الأخ الأكبر الذي لا يبدو مرتاحًا لتشبّه أخيه الأصغر بتلك الأم الجديدة والأب.
في النهاية، لم يفعل الصبي سوى أن ابتسم. ثم فكّر.
‘صحيح، ما هو جميل فحسب لا قيمة له. يبدو أن تلك الفتاة تعرف ذلك.’
لا، كان مخطئًا. أن يكون جميلًا فحسب، فهذا كافٍ. لكن إن كان الجمال وحده بلا قيمة في نظر الأب، الكونت، أفلا يحقّ له هو أن يمتلكها؟
بل لعلّ ذلك أفضل. أليس امتلاك الجميل طريقًا إلى الكمال؟
لا شيء لا يمكن امتلاكه. ليس كونتًا ولا وريث كونت، لكنه قادرٌ على امتلاك ذلك القصر، وعلى أن يحبّ على هذا النحو.
حتى لو لم يكن سوى جميل. حتى لو كان جميلًا لكنه غير محبوب.
بسببكِ أدار أبي وجهه عنّي، وبسببكِ فقدت أمّي صفاء عقلها، فتراجعتُ في سلّم الأولويّات.
ومع ذلك، حتى بعد أن جفّ أثر العشب العالق بطرف بنطالي يومها، ظلّ طيفك يتسلّل إليّ كأنه انطبع في الجسد.
حين يسخر أحدهم قائلًا أنكَ لن تصير نبيلاً، وحين كانت أمّي تهذي بأحاديث عن الجنيات، وحين كان أبي يتّجه إلى الملحق ولا يعود إلى البيت، كنتُ دائمًا، بلا انقطاع، لا أفكّر إلا بكِ.
***
من خلفها، امتزجت رائحة هواءٍ بارد مع أثرٍ خافت للكحول.
“إليانور؟”
ارتجفت إليانور كايل حين سمعت من يناديها من خلفها، وجلست على الأرض.
من الذي قد يناديها في هذا القصر، وفي هذا الوقت من الليل؟
بدا أن صاحب الصوت والرائحة وجد ردّة فعلها مضحكة، فضحك بخفوت.
و لأنها لم ترغب في أن يُكشَف أمر عجزها عن النوم بسبب غياب أحدهم، رفعت نظرها المرتجف وهي جالسةٌ في الممر.
توقّف حذاءان جلديّان في موضعٍ لا يطأ بحذرٍ طرف التنّورة البيضاء المبعثرة على السجّاد.
و رفعت عينيها ببطء. وظهر بنطالٌ مجعّد كأن صاحبه كان جاثيًا يحدّق في شيءٍ ما، صديريّ فوق قميصٍ شتويّ سميك، ويدان ترتديان قفّازين.
الرجل الذي كان واقفًا أمام طرف تنّورتها جثا ليكون بمستواها، والتقت عيناهما.
وقد بدت عيناه ضبابيّتين، كأنه ثمل، وفيهما أثر ابتسامة.
“….من أين عدتَ؟”
وحين سألت لأنها شعرت أنه ليس في كامل وعيه، جاءها الجواب.
“من حفلة. لم تكن ممتعةً كثيرًا. لكني رأيتُ إليانور في الممر أثناء عودتي.”
قال أنه اقترب منها على هذا النحو.
“لا بدّ أنكَ متعب. أليس من الأفضل أن تذهب للراحة؟”
“أهذا قلقٌ عليّ؟ لكن إليانور تبدو أسوأ حالًا.”
وهو لا يزال جاثيًا، مدّ يده.
يدٌ اقتربت بلا تردّد، فاحمرّ خدّها خجلًا رغم برودته، ومسحها برفقٍ وهو يتمتم بصوتٍ منخفض.
“أخرجتِ لأن النوم لا يأتيكِ؟ الجوّ بارد. خدّاكِ باردان أيضًا.”
“ليس إلى هذا الحدّ.”
“إليانور تستخفّ بالبرد فعلًا.”
ألقى كلماتاً لا يُدرى أهي عنايةٌ حنونة أم تحذيرٌ ممزوجٌ بتنهد، لكنها لم تكن مريحة.
و كأن برودة الأرض تتسلّل عبر السجّاد، فقشعرّ جسدها.
“آسف، لم أقصد شيئاً.”
“حقًّا؟”
“….حقًّا. أنا فقط، قلقٌ عليكِ.”
“نعم، وأنا أيضًا قلقة.”
انعقد لساني. كان قلقًا حقيقيًا فعلًا، بصرف النظر عمّا قاله لي سابقًا.
قلق إنسانٍ تجاه إنسان، قلقٌ لا يتجاوز حدود اللباقة.
ثم أجاب الرجل، وقد أطلق ضحكةً منخفضة قصيرة.
“يا له من شرف، أن تقلق إليانور عليّ أيضًا. كانت هذه أمنية عمري.”
أطلق همهمةً تُقال على عجل، أو همسٌ مازح. تبدو كنكتة، أو ككلامٍ سرّي، وربما كحديثٍ صادق.
فحدّقتُ فيه شاردة، وحين ارتجف جسدي، خلع معطفه و ألقاه على كتفي.
“….…”
لم يكن دافئًا جدًا، لكنه يمنح حرارةً كافية لدرء البرد.
تشبّثتُ بذلك الدفء الضئيل بقوة، ثم أرخِيتُ يدي خوفًا من أن تتجعّد الثياب.
في النهاية، جرّ الرجل بيده المغطّاة بالقفاز يدي التي أمسكت بالثوب على نحوٍ أخرق. و قبض عليها قبضةً خفيفة لكنها حازمة، كأنه لا ينوي الإفلات.
“إليانور؟”
ناداني الرجل الذي انحنى من أجلي باسمي بنبرةٍ لطيفة، لكنني لم أستطع الرد. فقد شدّتني حمرةٌ واضحة في أحد خدّيه.
و لاحظ الرجل نظري الملتصق بخدّه فتكلّم.
“لا شيء مهم. لا داعي للقلق.”
استبق كلامي، كأنه يريد صرف انتباهي.
“يا للعجب، ما زلتِ تقلقين عليّ، هذا مؤثّرٌ حقًا. أنا بخيرٍ فعلًا.”
ثم سأل بهدوء.
“أم أن هناك شيئًا تريدينه؟”
حدّقتُ فيه صامتة، ثم أطبقتُ فمي. و هززتُ رأسي نفيًا. فضحك بخفة ويتابع.
“لكن أنا لديّ.”
ربما كان كل هذا الكلام ينساب بلا تصفيةٍ بسبب الثمالة.
“إليانور، هل تعلمين؟”
همس الرجل.
“كنتُ وحيدًا جدًا.”
كأنه يشكو أنه كان وحيدًا لأن الاهتمام سُلب منه، وأن ذلك كان ظلمًا. وكأنه يتوسّل أن أتعاطف معه وألا أذهب إلى مكانٍ آخر.
“تمامًا كما كنتِ أنتِ.”
الشريط الذي كان بالكاد يربط خصلة الشعر المضفورة تفكّك و انفلت حين لمسه بيده لمسةً خفيفة.
ثم ترك الشعر، الذي رغم اضطرابه الطفيف ما زال محتفظًا بشكل الضفيرة الواحدة، و إلتقط الشريط الساقط.
كان الشريط الأخضر الفاتح الذي ربطته لي إيزابيل صباحًا.
نظر الرجل بصمتٍ إلى الشريط في يده، و مسّد الموضع المختلف الملمس حيث طرزتُ اسمي.
“….إليانور.”
لا أدري إن كانت تلك الهمهمة نداءً أم قراءةً للتطريز المخفي.
لقد استخدمت خيطًا بنفس اللون عمدًا كي لا يظهر، فهل كان يعلم كل ذلك ويتصرّف هكذا؟
حدّقتُ في وجهه الغامض بلا وعي، فالتقت أعيننا. و ابتسم الرجل حين بادلني النظر.
“سمعتُ أنكِ تحبين التطريز؟”
لا بد أنه سمع ذلك من إيزابيل. ورغم أنني لم أجب، تابع حديثه.
“لاحقًا، هلّا تطرّزين لي هديةً أيضًا؟”
من دون أن أفهم مقصده، أكتفيتُ برؤية سطحه اللامع المصقول كمرآة، وأجبت.
“….ستكون سيئةً جدًا.”
فاشتدّت ابتسامة الرجل الذي لا يبدو ممن يرغب بامتلاك شيءٍ رديء.
“لم أتلقَّ شيئًا من أحدٍ من قبل، فلا يوجد ما أقارنه به. لا داعي للقلق إذًا.”
أكانت كذبة؟ ولكن، هل لديه سببٌ ليكذب عليّ؟
ظللتُ أحدّق فيه بإصرار. ربما كان هذا امتدادًا لتهديد، طلبًا بأن أبذل جهدي رغم ضعفي لأرضيه….
لكن في اللحظة التي تلاقت فيها أعيننا، أدركتُ، كما لو كنتُ أعرف مسبقًا، أن الأمر ليس كذلك.
كان يراقب بصمتٍ شفتيّ المرتجفتين وأنا أعضّهما وأفلتُهما مرارًا، ثم ناداني من جديد.
“إليانور؟ هل ستفعلين ذلك من أجلي؟”
ثم رفعتُ بصري.
“….إن كان هذا ما تريده، فبكل سرور.”
“هاها، أكان اليوم يوم ميلادي؟”
نظرتُ إلى التجاعيد التي علقت بسرواله وهو جاثٍ أمامي، و تجرأتُ على التفكير: أليست كل تلك التجاعيد قد نشأت بسببي؟
من الذي جلس أمامي هكذا من قبل؟
__________________
ايه يقلبو انت محور كونه😘 كل شي يسويه بسبتس هااااهاعاهاها
يجننون كلهم نرجسيين كل واحد يقول الغرور عنزي مره وناسه
المهم طلع في البدايه ماحبها عشان جمالها بس يقول دامني جميل كايحق لي اخذ الجميله بعد؟ وناسه يالكوبل Dana
التعليقات لهذا الفصل " 27"