تذكّر دانيال اليوم الذي رأى فيه شيئًا جميلًا إلى حدٍّ لا يملك إلا أن يحبّه.
كانت ليلةً ربيعية من أيام صباه، حين تسلّل سرًّا إلى الملحق السكني دون علم والده.
في تلك الليلة، وكان بالكاد في السادسة عشرة، خرج خفيةً من القصر.
الآن، حين يفكّر في الأمر، لا بدّ أنه كان مكشوفًا، لكن بما أن أحدًا لم يمنعه، فقد كانت النتيجة هروبًا ناجحًا.
استقلّ عربةً مأجورة وتوجّه بها إلى الملحق. وما سُمّي بالملحق لم يكن سوى قصرٍ يقع على مسافة ساعةٍ واحدة بالعربة.
“هل أنزلكَ هنا؟”
أومأ برأسه، و دفع الأجرة، ولا تزال ذكرى وقوفه أمام البوابة الرئيسية المغلقة بإحكام، محدّقًا في القصر الغارق في الظلام، واضحةً في ذهنه.
قصرٌ لم يبقَ فيه سوى ما انتقاه الأب بنفسه.
لم يُدعَ إليه يومًا، أما أمه فبعد أن طُردت لم تطأه قدمها مرةً أخرى.
القصر الذي سلبه كل الاهتمام الذي كان من المفترض أن يكون من نصيبه. الأب لم يخرج من الملحق، والأم فقدت عقلها، و ربما بسبب لقاءٍ غامض حدث هناك.
كان الخدم ما زالوا يتهامسون وهم ينظرون إلى التحف المنقولة من القصر، متخيّلين كم لا بد أن يكون الملحق جميلًا.
مهما جمع الصبي من أشياء جميلة وتفاخر بها، ومهما كان وديعًا محبوبًا، ومهما كان متفوّقًا، لم يكن يومًا بمستوى الملحق.
“….…”
وبينما ظلّ يحدّق في القصر لبعض الوقت، سمع نداءً خافتًا.
“سيدي الصغير!”
كان خادمًا قد أُبلغ مسبقًا، ومع ذلك بدا قلقه وهو يفتح الباب الخلفي دون تردّد واضحًا.
في الحقيقة، لم يكن الأمر مهمًّا. فالشخص الذي فتح له الباب هو في نهاية المطاف الابن الأصغر لإيرنست غوين، جميل القصر.
“تفضّل بالدخول بحذر، لم أخبر أحدًا غيري.”
صبيٌ يُغفر له حتى لو سرق التحف، وحتى لو خرّب جزءًا من القصر.
صبيٌ لا يهتمّ الكونت ولا وريثه بما قد يسبّبه من متاعب.
دانيال غوين، الجميل ولكن ليس إلى درجة أن يُحبّ على حساب كل شيء، دخل الملحق صامتًا.
“الجميع نيام على الأرجح.”
قال الخادم ذلك فقط، ثم ابتعد عبر الممر واختفى.
لم يكن هناك سببٌ لمراقبة صبي لا يحمل خطؤه أي وزن يُذكر. فالسادسة عشرة ليست سنًّا للعبث بالتحف الثمينة أو إتلافها.
ثم إن الشائعات كانت تتردّد في ذلك الوقت عن أن الابن الأصغر لإيرنست يشبه والده تمامًا.
بقي وحده في الممر، ينظر إلى الممر المظلم. و كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بكثير، ونادرًا ما كان أحدٌ يمرّ.
“…….”
ظلّ واقفًا في مكانه صامتًا طويلًا، ثم بدأ يمشي.
لم يكن حذرًا ولا خائفًا. حتى لو انكشف أمره، فمن الواضح أنه لن يُوبَّخ أو يُبغَض.
وأثناء سيره في الممر، فتح الأبواب المغلقة واحدًا تلو الآخر.
جرّب تدوير مقابض أكثر من عشرة أبواب، لكن لم يُفتح باب، ولم يخرج أي خادم رغم الضجيج غير القليل.
مع أنه لم يتمكّن من رؤية ما بداخل معظمها، إلا أن بعض الأبواب كان يُسمع من خلفها صراخ حيواناتٍ أو خفق أجنحة.
“كِئيييك—”
“….…”
كان الصوت مخيفًا بما يكفي في الليل، فابتعد عن الباب دون أن يهزّ المقبض أكثر.
ولأنه لم يرَ شيئًا يُذكر، كان تجواله في الطابق الأول قصيرًا للغاية. كل ما فعله هو تدوير مقابض الأبواب المغلقة.
فتداعت حالته النفسية. و تساءل كم من الأشياء الجميلة والنادرة وُضعت هناك ليُحكم إغلاق الأبواب الداخلية كما أُحكمت البوابة والمدخل.
ثم فكّر الصبي ببساطة. كان عليه أن يصعد إلى الطابق العلوي.
كان هناك سلّمان رآهما أثناء تجواله في الطابق الأول. و لم يكن عليه سوى الاختيار.
هل يصعد السلّم المفروش بسجّادٍ سميك وناعم، أم السلّم الخالي منه؟
لم يفهم لماذا يحتاج ملحقٌ ليس بالكبير إلى سلّمين، لكن الاختيار لم يكن صعبًا.
من دون تردّد، توجّه نحو السلّم غير المفروش، لأنه بدا الأكثر استخدامًا.
“….…”
وفي طريقه إليه، تاه، وانتهى به المطاف في ممر يطلّ على سلّمٍ لم يكن يقصده. و اعتبر الأمر مجرّد عدم ألفة بتصميم المكان، فعقد حاجبيه.
ثم رآها. طرف ثوبٍ أبيض ينزل من الطابق الثاني.
قدمان في حذاءٍ منزلي ناعم تطآن بلا صوتٍ السلّم المفروش بالسجّاد، ومع خطواتها تمايل شعرها الطويل على إيقاع همهمةٍ خافتة.
وفي اللحظة نفسها، أدرك بغريزته. إدراكٌ يشبه الانبهار. تلك هي “إليانور”.
“….آه.”
تنفّس بتنهيدة مكتومة.
حتى في هذا القصر المليء بالأشياء الجميلة، بل في العالم كلّه، لم يكن هناك ما يفوقها جمالًا.
الفتاة التي نزلت من السلّم المفروش اتّجهت نحو السلّم الآخر. و تبعها كما لو أن همهمتها الخفيفة صوت ناي.
لاحق ألوانها الواضحة حتى في الظلام. بتصرفٍ طفولي فاقدٍ للوعي.
كان يقترب منها مسحورًا، ثم يتوقّف فجأةً مذعورًا، و ثد تكرر ذلك.
ضوء المصباح المتأرجح الذي تحمله الفتاة أضاء له الطريق. وهكذا، تبع الصبي الفتاة متجهًا إلى المكان الذي كان يتمناه.
كانت الفتاة تمشي في ممر الطابق الثالث من القصر، ثم دخلت إحدى الغرف.
وعلى عكس الأبواب الكثيرة التي عجز الصبي عن فتحها، انفتح ذلك الباب أمامها بسهولةٍ مدهشة.
“….…”
كيف يمكن وصف ما رآه؟
عندما فُتح باب الغرفة الصغيرة، لم يكن ما لمحَه مجرد مقتنياتٍ محفوظة في الداخل. لم يكن الأمر بهذه البساطة.
كل ما استقرّ داخل تلك الغرفة كان مجرّد نسخٍ مقلَّدة. أشياء مزيّفة لم تتعدَّ كونها تقليدًا.
حتى تمثال الجصّ الذي كان قد أفرغ فيه يومًا كاملًا من طفولته كان هناك، لكنه لم يملك متّسعًا من الانتباه ليهتمّ بتلك النسخة المتقنة.
الوحيد الحقيقي هناك كانت الفتاة، “إليانور” جميلة القصر.
وكأن كل هذا قد أُعدّ من أجل فتاةٍ واحدة. ولعلّ ذلك لم يكن وهمًا محضًا.
فكّر أنه يجب أن يغادر. فمراقبة تلك الفتاة لم تكن هدف هذا التسلّل. بل في الحقيقة، سواءً كان الهدف هي إليانور أم لا، لم يكن الأمر مهمًّا. فكل شيءٍ لم يكن سوى ذريعة.
كان من الحكمة أن يترك تلك الفتاة موضوعًا للكراهية أو للضغينة.
ومع إدراكه أنه لم يعد قادرًا على ذلك، همّ بالاستدارة، فإذا بنظريهما يلتقيان مصادفة. أو لعلّه كان وهمًا. ومع ذلك، سُلبت منه اللحظة كاملة.
كانت الفتاة تهمهم بلا كلماتٍ بلحنٍ مجهول، وهي تجرّ من الزاوية مقعدًا قصيرًا يصل إلى مستوى ركبتيها.
راقبها من خلال شقّ الباب الذي لم يُغلق تمامًا.
و مدّت يدها بمعصمٍ رفيع تبرز عظامه و أمسكت بالمقعد، وشعر بلونٍ بدا مماثلًا للتماثيل المصطفّة إلى جوارها، وعظام قدم تشبه الأوبال في لمعانها، وهي تقف فوق المقعد في توازنٍ هشّ.
فأخرج أنفاسه التي كان قد حبسها ببطء.
“….…”
جسدٌ كان يحاول أن يحافظ على توازنه فوق المقعد، ويدان نحيلتان بيضاوان متشابكتان خلف الظهر، وأطراف أقدامٍ صغيرة ممدودة بحذر نحو التمثال، وجذعٌ يميل، وشفاهٌ تتّجه إلى خدّ جصيّ بارد.
والوحدة المختبئة في عينين بنفسجيتين غائمتين، وقد زاد ظلّ الرموش المنسدلة من غموضهما.
وهكذا، قبّلت الفتاة التمثال.
سواءً أكانت قد وضعت مساحيق حمراء، أم عضّت شفتيها، فقد بقي أثرٌ خافت من الحمرة في الموضع الذي ابتعدت عنه شفاهها.
كان الصبي أشبه بتمثال، لكنه صار إنسانيًّا بعمقٍ بسبب تلك القبلة. و دبّ لون الدم في مواضع من وجهه الشاحب، في وجنتيه وعند أذنيه.
كان ذلك بداية التملّك.
اختنق نَفَسه. ولم يفرّ من مكانه إلا بعد أن تحمّل تلك اللحظة.
اختبأ في ظلّ الحديقة الخضراء وهو يلهث. ثم استدار ونظر إلى القصر. إلى القصر القائم بثباتٍ حتى في الظلام.
في تلك اللحظة، حسد الصبي أخاه الأكبر الذي سيرث هذا الملحق. غيرةً لم يدركها الصبي نفسه، لذلك لم يعرفها أحد.
“….إليانور.”
كان الليل كما هو. ولعلّ المطر القصير الذي هطل في الأثناء جعل رائحة العشب المبتلّ الخاصة ببداية الربيع تلامس أنفه.
ومع اهتزاز أزهار الأقحوان عند قدميه كلما هبّت الريح، شعر بدوارٍ وشرود، كأنه يقف داخل سراب.
وفي تلك الحالة، استقلّ الصبي عربةً وعاد إلى القصر.
ظلّ مشوَّشًا لفترة. ففي كل مرة كان يفكّر في تلك الليلة، كانت الحمى تعاوده.
تارةً كان يفكّر أنها جميلةٌ إلى حدٍّ يجعل حبّها أمرًا طبيعيًّا، وتارةً يتساءل كيف يمكن لفتاةٍ ليست سوى جميلة، لا حكيمة ولا موهوبة، أن تُحَبّ أكثر منه.
وجود تلك الفتاة داخل ذلك القصر بدا له وكأنه أعظم تناقضٍ في هذا العالم.
“……”
و في كل صباحٍ جديد، كان يحدّق طويلاً في صورته المنعكسة في المرآة.
كان وقت الاستعداد لبداية اليوم، ومع ذلك كان الصبي جميلًا.
فتذكّر همسات الوصيفات فيما بينهن، وفكّر.
___________________
تها عشان كذا جاب التمثال للدفيئه كأنه يقول شوفي حبت حبيبس القديم من احسن انا ولا هو؟
المهم لقائهم الاول وناسه بس شكلها ماتتذكره او انها ماشافته؟ او انها سفهته✨ من يومها مغروره يزينها🤏🏻
التعليقات لهذا الفصل " 26"