حتى في طفولته، كان دانيال غوين دائمًا ذلك الابن الأصغر الجميل.
كانت أخته غير الشقيقة، القريبة من أمه في العمر، قد تزوجت وخرجت من البيت منذ زمن، وحين كانت تراه أحيانًا كانت تراه لطيفًا على نحوٍ لا بأس به.
أما أخوه غير الشقيق، الذي كان قد أنجب أبناءً وربّاهم بالفعل، فلم يكن يعيره اهتمامًا كبيرًا.
و لم يتجاوز الأمر ذلك الحد.
“وماذا عليّ أن أفعل؟”
حين سأل الصبي، الواقف بين أمٍّ تدير شؤون البيت، وأخٍ يتولى أعمال الوريث، وخدمٍ يديرون شؤون القصر، أجابته أمه.
“فقط….عش بسعادة.”
لم يكن هناك لقبٌ سيرثه، ولذلك لم تُفرض عليه مسؤولياتٌ ثقيلة ولا تعليمٌ صارم.
كان الصبي جميلًا، وذكيًا إلى حدٍّ معقول، ولم يكن يشكّل تهديدًا لأحد. وهكذا، ظل عالمه كاملًا على الدوام.
لذلك، لم تكن أسباب صمت أمه، ولا الأشياء التي كانت تتكدس أمام المدخل وتجعل كينيث يتقزز، ذات أهميةٍ في عالم الصبي دانيال.
“أمي! أبي وضع مجددًا مقتنياته عند المدخل، هل يمكنني إلقاء نظرة؟”
“…….”
من دون أن يدرك الحقيقة، تخيّل من تلقاء نفسه أنها مجرد مقتنياتٍ أقل جمالًا، لم يعلم أنها أُبعدت عن المسكن الجميل لإرنست غوين، وكأنها نُقلت للتخلص منها.
كان يعتقد أنها هدايا يقدّمها أبٌ مشغولٌ لأمه اعتذارًا عن غيابه.
كان إرنست غوين، كونت غوين دابرديل، رجلًا شديد الانشغال. نادراً ما كان يدخل البيت أكثر من يومين في الأسبوع، وكان الصبي الصغير يظن أن ذلك كله بسبب العمل.
حتى في الأيام التي لم يعد فيها الأب، كانت مقتنياته تُنقل أحيانًا إلى القصر، وكان دانيال غوين يتجول بين تلك الأشياء النفيسة والجميلة.
“هل يمكنني مشاهدتها، أمي؟”
بعد صمتٍ طويل، وكانت لا تزال آنذاك بكامل وعيها، قالت السيدة للصبي الذي أعاد السؤال.
“إن سمح لكَ أخوك، فافعل.”
في الحقيقة، لم يكن كينيث غوين ليبالي.
كان يعرف أنه حتى لو لم يكتفِ الصبي بالمشاهدة وحطمها، فلن يغيّر ذلك شيئًا. فأسرة الكونت كانت ثريةً بما يكفي لتحمّل إسراف زوجة السيد الثانية وابنها، والوريث كان يعلم ذلك، فضلًا عن كرهه لمقتنيات أبيه.
“….يبدو أن والدكَ لن يعود اليوم أيضًا يا دانيال.”
وهو يسمع صوت أمه تقول ذلك رغم سماحها، ظنّ الصبي أن أباه مشغولٌ للغاية.
كان ذلك قبل أن يعرف بوجود المسكن الآخر.
لذا، توجّه كما هو إلى مكتب أخيه. و حين فتح باب المكتب، كان كينيث غوين غارقًا في الأوراق، فرفع نظره إليه بعينين مرهقتين.
“أودّ مشاهدة المقتنيات الموضوعة عند المدخل، وأمي قالت أن عليّ أخذ الإذن منكَ.”
“….يبدو أنه أدخل شيئًا جديدًا إلى المسكن الآخر مجددًا.”
ورغم سماعه تمتمة كينيث غوين، تظاهر الصبي بذكاءٍ بعدم الفهم.
حدّق كينيث غوين في أخيه غير الشقيق الصغير، ابن زوجة أبيه التي تزوجها في كبره، والذي وُلد قبل الزواج، ثم سمح له بسهولة.
“….إن أردتَ، فافعل.”
وتساءل الصبي ببراءة.
‘كم سيكون ذلك القصر الذي يقصده الأب تاركًا أمه وابنه، جميلًا؟’
لكن هذا الفضول الخفيف تلاشى سريعًا. فالفرق بين شيءٍ لا يُرى إلا في الخيال، وشيءٍ ماثلٌ أمام العين، كان شاسعًا.
“واو!”
في ذلك اليوم أيضًا، كان الصبي يتجول بين المقتنيات التي ملأت المدخل، عاجزًا عن صرف نظره.
و ما أسر قلبه كان نقشًا بارزًا صغيرًا بحجم مزهرية. ظل الصبي واقفًا أمامه طويلًا دون أن يخطو خطوة.
كان تمثالًا جبصيًا يحمل وجه شخصٍ مغمض العينين. وفي ذلك الوجه، وفي تعبيره، شيءٌ غامض، ظل يلوح في ذهنه طويلًا خلف جفنيه.
“دانيال، هل تذهب للمشاهدة مجددًا اليوم؟”
متجاهلًا نظرة القلق على وجه أمه، تبع الصبي التمثال الجبصي. من المدخل، إلى الغرفة الضيقة، إلى المخزن. لاحقه بإلحاحٍ، كأنه يحاول قراءة المشاعر من ذلك الوجه الغامض.
لكن فشل تلك المحاولات، أو فقدانها، جاء على نحو غير متوقع.
“علينا نقل ذلك التمثال مجددًا.”
“يبدو أن دانيال يحبه كثيرًا، دعوه يحتفظ به.”
“الابن الأصغر؟ ….يبدو أن ذوقه ليس سيئًا.”
تمتم الأب، وكأنه فوجئ، أو ربما أُعجب على طريقته.
“صحيح، ما هو جميلٌ فحسب لا قيمة له. يبدو أن الصغير يعرف ذلك.”
و تذكر دانيال جملة كينيث التي تلت ذلك بنبرة ازدراء.
“أليس هذا التمثال الذي كانت تلك المرأة تحبه؟”
“انتبه لكلامكَ. إليانور فتاةٌ أنا وصيٌ بها وأرعاها.”
ردّ الأب بهدوء، فبدا كينيث كمن سمع هراءً.
“ترعاها؟ ترعاها حقًا؟”
“أنا فقط أحميها.”
و كان الأب لا يزال هادئًا كعادته.
“…….”
ظن دانيال غوين أنه في تلك اللحظة رأى والده على حقيقته للمرة الأولى. وفي الوقت ذاته، سقط في هاويةٍ لا فكاك منها.
أمٌّ كانت الوصيفات تزينها صباحًا ومساءً، ومع ذلك كانت تبدو دائمًا غير متناسقةٍ في موضعٍ ما.
وأخٌ كان يفكر في زوجته الراحلة فيشرب أحيانًا، أو ينشغل بالعمل وتربية ابنه، فتظل أطراف عينيه وأصابعه داكنةً على الدوام، تفوح منه رائحة الحبر.
والآن، هذا الأب. الذي لا يزور القصر إلا نادرًا، لكنه يقتني دائمًا أشياء كاملة، جميلة، يقف تحت الضوء متأملًا تمثالًا جبصيًا، أبٌ يحب الجمال.
توجّه إعجاب الصبي إلى أبيه. كان ذلك أشبه بقوة جذب، نوعًا من الجبر الذي لا يُقاوَم.
“…….”
لم تمضِ مدة طويلة حتى اختفى التمثال، واختفى معه ذلك الشعور بالأسف.
ظل الأمر كذلك فترةً من الزمن. حتى بلغ السادسة عشرة، وحين لم ينل أي استجابةٍ لإعجابه بأبيه، بدأ ينحرف قليلًا.
“….نعم! الجمال ليس صك غفرانٍ أبديًا!”
لعل ذلك كان في أوائل مراهقته، حين كانت أمه تصرخ بتلك الكلمات.
تلك المرأة التي تزوجها الكونت لأنها جميلة، مصدر جماله هو ذاته، وأمه التي لا تزال شابة، سلُب عقلها بسبب تلك الفتاة.
“هاها. ومع ذلك، قال الكونت إن إليانور ستظل جميلةً إلى الأبد!”
في إحدى فترات مراهقته، كان يكاد يكره ذلك القصر. ألم يكن هو الشيء الذي سلبه اهتمام والديه الذي كان ينبغي أن يكون من حقه؟
أراد أن يعرف اهتمام أبيه، وتلك الأشياء الجميلة التي لم تأتِ إلى هذا القصر، وذلك المسكن الجميل الذي استحوذ على التمثال الجبصي الذي سُلب منه.
“الجمال لا يعني الكمال. يا بني، عليكَ أن تعرف ذلك. هل كل ما يبدو جميلًا يكون جميلًا في باطنه أيضًا؟”
وكذلك تلك الفتاة المسماة “إليانور” التي تعيش هناك.
“لكن يا بني، أنتَ ستكون جميلًا وكاملًا معًا.”
وهكذا، ذلك الصبي الذي كان يرتعد من ذكر القصر، انتهى به الأمر متسللًا إليه.
كان نوعًا من التهاون.
الأب كان قد شاخ، والأخ الوريث كان يكره ذلك المسكن بشدة، والصبي كان جميلًا ودائمًا ما يُغفَر له.
حين يسترجع مافعله الآن، يبدو تصرفًا طفوليًا ومحرجًا، تمردًا تافهًا لا قيمة له، لكنه لا يندم عليه.
فبفضله―.
“سيدي، لقد وصلنا.”
قطع صوت السائق أفكاره.
“شكرًا لكَ.”
حين نزل دانيال غوين، وقد أصبح بالغًا بعد تلك السنوات، من العربة ووضع قدمه عند بوابة القصر، كان الليل قد اشتد عمقه.
توقف لحظةً أمام البوابة، ونظر إلى الخزنة الخضراء التي أصبحت الآن ملكًا خالصًا له.
وبعد أن ظل يحدق فيها طويلًا، مرّ بجانب أشجار السرو المصطفة قرب البوابة، وعبر الحديقة التي تضاء مصابيحها على فتراتٍ متباعدة، ثم دخل القصر.
“…….”
كان ليل الشتاء كثيفًا وطويلًا، فحبس أنفاسه بلا وعي.
وتسلل إليعدشعورٌ آثم بعث في نفسه متعةً خفية. إنها متعةٌ نابعة من حقيقة أنه صاحب القصر، لا متسللًا.
فالمتسلل لا يمكنه أن يستمتع على سجيته، وقد جرّب هو ذلك الموقف في الماضي.
سار في الممر حيث تتراقص الأضواء التي أُشعلت لاستقبال المالك، ثم توقف عمدًا أمام الدرج المؤدي إلى الطابق الثاني.
بقي ينظر إلى أعلى السلم في صمت. وابتسم وهو يتخيل من تقضي هناك ليلةً هادئة.
وقف هكذا برهةً أخرى، ثم استأنف السير في الممر الصامت، حيث لا يُسمَع سوى وقع خطواته الواضحة.
____________________
اوه كأني شوي وأصدق نظرية علامة التعجب؟ بس لوء شكلها صدق حبها من وجهها
التعليقات لهذا الفصل " 25"