لا يُدرى إن كانت تلك الهمهمة الخافتة تعني الفهم حقًا، لكن ذلك ليس مهمًا.
بعد صمتٍ قصير تلاها، أجاب دانيال غوين.
“أدرك جيدًا أنني لا أُقارن بجمال الآنسة.”
“هاها! أعرف أنكَ، وإن لم تحمل لقبًا، رجلٌ ثري.”
قالت المرأة ذلك، وهي التي تمتلك اللقب والثروة معًا، وتضحك.
“وصحيح. سواءً كنتَ ثريًا إلى أي حد، أو جميلًا إلى أي حد، فهذا لا يهمني.”
قالت ذلك من دون أن تنظر إلى وجه دانيال غوين، وكأنها تتحدث عن أناسٍ لم يبقَ لهم سوى أمجاد الماضي.
“أهكذا هو الأمر؟”
لم يكن أمامه سوى أن يستشف المشاعر من الصوت العائد إليه، ومن اليد التي لا تزال موضوعةً بأدب، ومن الخطوات التي تُنقل بما يلائم راحتها.
“هذا حقًا….مريح.”
يبدو أنه يفكر على نحوٍ مختلفٍ قليلًا.
همست له بشيء، ثم همست مرةً أخرى في أذن دانيال غوين الذي تصلبت ملامحه للحظة، و أطلقت ابتسامةً خفيفة.
لم تطل مقطوعة الرقص. ثم ابتسمت المرأة وهي تقدم له تحية ختام الرقصة.
“إذًا، أتمنى لكَ وقتًا ممتعًا.”
ردّ دانيال غوين التحية بأدب، و حدق في ظهرها المبتعد.
“كان من الممكن أن يكون لقب الكونت بطاقة سعرٍ ممتازة، مؤسف حقًا.”
لم يبرح همسها رأسه. فقبض يده الفارغة و صرف فكره.
الأمر الراهن حقيقة، وما العمل؟
لم يكن اقتراب شخصٍ آخر محض صدفة. لا بد أنه دوقٌ لا يرغب في أن يُلصق بابنته لقب كونها الشخص الوحيد الذي رقص معه الليلة.
و لم يتكلف دانيال الرفض، وتوجه من جديدٍ إلى دائرة الضوء.
“يبدو أنه مر وقتٌ طويل منذ التقينا في حفلٍ كهذا.”
“لا بد أن ذلك بسبب ما حدث من أمورٍ غير طيبة.”
كانت المرأة التالية كثيرة الأسئلة، إما لأنها صادقة، أو لأنها يجب أن تبدو كذلك.
“صحيح، لكنكَ لم تكن تحضر كثيرًا حتى من قبل، أليس كذلك؟ في الحقيقة، لا تحب هذه المناسبات كثيرًا، أليس كذلك؟”
“….لا أدري.”
تردد في الجواب، فأطبق فمه ثم فتحه مجددًا.
ومع ابتسامةٍ لطيفة، ردّ بصوتٍ خافت يكاد يكون همسًا.
“لعل شعوري يشبه شعوركِ حين جئتِ تطلبين مني الرقصة.”
المرأة التي تقف قبالته لم تجِب، بل ابتسمت فقط. ولم يحاول هو أن يخمّن ما يدور في خاطرها.
“….ماذا قالت لكَ الآنسة؟”
“لم يكن حديثًا ذا شأنٍ خاص.”
أزاح نظره و تفقد ما حوله. وكان الناس ينظرون في اتجاهاتٍ مختلفة، يتحدثون أو يرقصون.
لقد كان يتمنى أن ينتهي هذا الوقت سريعًا حقاً.
“إذًا، أتمنى لكِ أمسيةً ممتعة.”
وبينما يهم بالانسحاب مع انتهاء الرقصة، شعر بحرارةٍ مفاجئة في خده.
“آه.”
“يا إلهي! هل أنتَ بخير؟”
صرخت المرأة الواقفة أمامه بدهشة و سألته بقلق.
سخن خده ثم يبرد، و تصلب. و حين ينزع ما التصق به، تبين أنه شمع. لعل صينيةً معلقةً فوق رأسه، على أحد الأعمدة، مالت وانسكب منها.
“….أنا بخير. وأنتِ؟”
“أنا بخيرٍ أيضًا. لكن هل أنتَ متأكدٌ أنكَ بخيرٍ حقًا؟ لم تُصب بحرق…؟”
ناولته المرأة منديلًا. فرفع نظره إلى الموضع الذي سقط منه شمع الشموع. ثم أنزل بصره إلى قاعة الحفل، قبل أن تقع عيناه على مرآةٍ ضخمة تزين أحد الجدران.
في وسطها انعكس هو والمرأة. انعكس في المرآة، شعرٌ ذهبيٌ حلو اللون، مصففٌ بإتقان، وملابس لا تشوبها فوضى. خدودٌ شاحبة بلا لون، كأنها منحوتةٌ من رخام، لكنها لا تزال تحمل شيئًا من ملامح الفتيان.
اتجهت أنظار الجميع نحوه. نعم، إلى دانيال غوين المتقن المثالي.
“….السيد غوين؟”
نظر إلى المرأة التي نادته. و لا تزال واقفةً أمامه، وملابسها مضطربةٌ قليلًا من أثر الرقص.
كان طرف تنورتها مجعد، ورباط حذائها يبدو واهيًا، كأنه سينفك إن شُد.
“آه، لقد قمتُ بالتطريز بنفسي، لذا فهو خشنٌ بعض الشيء.…”
المنديل الذي مدته إليه، احتوى على خيوطٍ مطرزةٌ بطريقةٍ غير محكمة، تتفلت منها الشعيرات.
و لاحظ احمرار يدها التي تمسك بالمنديل، وكذلك احمرار خدها.
كما توقّع.
“هاها!”
ثم انفجر ضاحكًا أخيرًا. والناس الذين كانوا ينظرون إليه ضحكوا تباعًا.
“يبدو أن حضور الحفلات يجلب مثل هذه اللحظات الممتعة أيضًا.”
الآن فقط، بدا هذا الحفل ممتعًا على نحوٍ مقبول. نعم، وما المشكلة في غياب لقبٍ واحد؟ لا حاجة لمكانةٍ بالية متحجرة.
“لا بأس. سأقبل نيتكِ الطيبة بامتنان.”
قال ذلك، بينما وقعت عيناه بلا وعيٍ على شعر المرأة أمامه.
ليس بنيًا داكنًا، ولا ذهبيًا لامعًا، ولا بلون حقل قمحٍ ناضج، بل أشقر باهت غير مكتمل.
فاستحضر شعرًا أبيض إلى حد الإيلام، أبيض ناصعًا بلا أي شائبة، أبيض كالجص أو الثلج لا غير.
ولذا، فالشخص الذي يستحق أن يحبه الجميع، لا بد أنه سيتوق إليه إلى هذا الحد. فما الحاجة إذاً إلى أن يشغل باله بكل الكلمات التي أربكته اليوم؟
حتى من دون لقب، هو كاملٌ إلى هذا الحد. كاملٌ بما يكفي لأن يحبه أي شخصٍ بلا استثناء.
اتخذ من حادثة سقوط شمع الشموع على خده ذريعة، فلم يعد إلى مركز القاعة. و في الحقيقة، حتى لو لم يسقط الشمع، لكان قد فعل الشيء نفسه.
و لحسن الحظ، خمدت الحرارة سريعًا. ولم تترك أثرًا.
“سيد غوين، أعتذر لكَ.”
من الطبيعي أن يتقدم المضيف للاعتذار، لذا لم يأخذ الأمر على محمل الجد. فاستخدام الشموع بدل مصابيح الغاز أمرٌ شائع في الحفلات الفاخرة. وبقدر ما هو شائع، يكون الاعتذار سهلًا.
“لم يخطر ببالي سقوط الشمع.”
“لا بأس، سيدتي. أنا أيضًا كنت متهاونًا في تقديري.”
ابتسم وجه العجوزة المتجعد بلطف. وهو يرى تلك الابتسامة، خطر له سؤال. لو لم يكن يحمل اسم غوين، هل كانت ستعامله بتعالٍ؟
“شكرًا لتفهمكَ. كيف يمكن لأمرٍ يصنعه البشر أن يكون كاملًا؟”
فلبتسم لها بصمت.
“أتنوي الانسحاب بهدوءٍ من دون أن ترقص أكثر؟”
“….ليس بسبب ما حدث للتو.”
واصلت العجوز حديثها بوجهٍ لا يزال مبتسمًا.
“يبدو أنه لا توجد آنسةٌ تروق لكَ. الجميع يعرف أن ذوقكَ رفيع.”
بينما لم يجب، أخذت نظرات العجوز تمسح قاعة الحفل.
“حفيدتي هناك، على كل حال….”
و نظر إلى الجهة التي اتجه إليها بصرها.
أمام كؤوسٍ زجاجية تختلف مستويات النبيذ المصبوب فيها، وقطع جبن وخبزٍ مقطوعةٍ بغير انتظام. وقد تجاوزت المياه الغازية المتلألئة بالذهب تحت الأضواء، حيث تنفجر الفقاعات.
وقفت هناك شابةٌ بملامح فتية، ذات شعرٍ أسود وعينين خضراوين فاتحتين. ووفق ذكرى باهتة، لا بد أنها حفيدتها الصغرى. ابنة الابن الثاني، أي أنها ليست نبيلة.
“…….”
فكر في قصره. الستائر الرقيقة التي تنسدل إلى الارتفاع ذاته، والزهور في الحديقة المرتبة بعنايةٍ تبدو طبيعيةً في جمالها.
وفي أرجاء ذلك القصر المثالي، آثارٌ محفورة بعناية لكنها حادة، مخبأةٌ جيدًا، وصاحبة اسم عتيق تجعل حتى تلك الندوب زينة، صاحبته الجميلة….
“…….”
فحاد بنظره بعد أن تأمل الفستان الأصفر الذي ترتديه حفيدة العجوز.
في الواقع، كل العلاقات في المجتمع تبدأ من احتمال، لذا فهما ربما كانا ليصبحا عاشقين لا بأس بهما.
ومع كل تلك الأفكار، حافظ على ابتسامة وجهه. لكن العجوز التي التقت عيناها بعينيه، تمتمت بلا خيبةٍ ولا دهشة، وكأنها توقعت ذلك.
“يبدو أن الوقوف إلى جانبكَ لا يليق بشخصٍ عادي.”
“….لستُ بهذه الصعوبة.”
ضحكت العجوز كأنها سمعت نكتةً طريفة.
“أتطلع لرؤية أي فتاةٍ كاملة وجميلة ستلتقي بها. سيكون من الصعب العثور عليها. فإيجاد من لا نقص فيه أصعب من العثور على شخصٍ متميز.”
فظل صامتًا، واستدارت العجوز مبتعدة.
“عد بسلام.”
خطأ العجوز الوحيد كان اعتقادها أن الآخرين أيضًا سيتركونه يرحل بسهولةٍ مثلها. فقد أمطره الناس بأسئلةٍ لا طائل منها؛ لماذا حضر وحده بعد طول غياب، أو أنهم استمتعوا بالدليل الذي نُشر مؤخرًا.
وهكذا، لم يبقَ في ذاكرته في النهاية سوى الألقاب التي أطلقها عليه الآخرون، مباشرةً أو تلميحًا، أمامه أو من خلفه.
شقيق الكونت غوين دابرديل الحالي كينيث غوين، ناشرٌ ناجح، مالك الخزنة الخضراء، وجامعٌ مشهورٌ وعنيد.
الابن الثاني لإرنست غوين الكونت السابق، الابن الذي جاء نتيجة حملٍ قبل الزواج من زوجة أبيه، المجنون الشبيه بأمه، الذي ما يزال يحبس عشيقة أبيه في الخزنة الخضراء.
“…….”
بقي دانيال غوين واقفًا في مكانه لبعض الوقت، يتبادل الحديث مع من يقتربون منه، ثم انسحب بهدوءٍ و صعد إلى العربة العائدة إلى القصر.
ثم أسند ظهره إلى العربة وفكر. كم من تلك الألقاب كان صحيحًا، وكم منها كان خاطئً في الوقت ذاته؟
____________________
اخيرا طلع الحدث ما اعجبني مره بس عادي شفنا نرجسية دانيال من قريب😂
يوم استوعب انه مب لازم لقب دامه وسيم كذا صدق انه يصلح لإليانور✨
المهم الترجمة تطلعه بوصف جميل بس ودي احطه وسيم بنفس الرقت احسني اغير في الصيغه فبخليه كذا لين يكبر شوي لأن شكل توه هو وإليانور مابلغوا 20✨
التعليقات لهذا الفصل " 24"