“….هذا عملي، فلا داعي لأن تقلق كثيرًا. ومع ذلك أشكركَ على اهتمامكَ.”
حمل جون ريدينغ حقيبته و وقف من مكانه. لم تكن هناك حتى أوراقٌ منشورة، فلا شيء آخر ليجمعه.
ثم نهض دانيال غوين كأنه سيودّعه. و سارا معًا في الممر بصمت.
ما إن فُتح الباب الأمامي حتى ظهرت في الخارج حديقةٌ ما تزال مغمورةً بالثلج. الحديقة التي لا بد أنها كانت مُعتنى بها بعنايةٍ باتت مغطاةً كلها بالثلوج فلا تكاد تُرى.
حتى الأشجار دائمة الخضرة التي كانت خضراء رغم الشتاء، لا يظهر منها سوى أوراقها القريبة من الأرض بالكاد. وحتى تلك لا يُلحظ لها أثر إن لم يُدقق النظر.
إنه شتاءٌ مكتمل. مهما كان ما قد حدث، فكل شيء مغطّى لا يُرى، وحتى لو نُبش المكان فسيغدو فوضى لا يمكن تمييزها. وحتى لو كان هناك شيءٌ مخبأ في الأسفل، فلن ينتبه إليه أحد.
“إذاً، سيد غوين. سأغادر الآن.”
فانحني مودعًا وهو يخرج من الباب.
“نعم. شكرًا لكَ على كل ما قدمته.”
لم يجهل أن ذلك تحذيرٌ بألا يعود. أدرك جون ريدينغ أنه لن تطأ قدماه هذا القصر مرةً أخرى.
وهكذا مضي جون ريدينغ فوق الحديقة التي تراكمت عليها الثلوج الكثيفة خلال الليل.
وقبل أن يبتعد تمامًا عن القصر، إلتفت خلفه للمرة الأخيرة. وكان مالك القصر الجديد الذي ما يزال واقفًا، و لم يدخل بعد، يراقبه.
“…….”
وجهٌ جميل يكفيه انعكاس الضوء على الثلج الأبيض، وملابس مرتبة رسميةٌ كاملة، رغم أنه لا جدول خروجٍ لديه.
‘الخزنة الخضراء ما تزال محكمة.’
***
و قف الرجل في وسط قاعة الولائم.
في قاعةٍ مضيئة كأنها استعارت ضوء النهار رغم انتصاف الليل، وكانت مفارش الحرير الممدودة على الطاولات تتدلى وتجرّ على الأرض، وفوقها مزهرياتٌ زجاجية.
وعند أطراف الأعمدة المزخرفة تدلّت صوانٍ مربوطة بسلاسل لامعة في الهواء، وعلى تلك الصواني شموعٌ من الشمع تذوب وتسِيل بضوئها الذي تشعّه بنفسها.
“…….”
نظر دانيال غوين إلى الصينية المعلقة عند طرف العمود.
كانت تميل قليلًا إلى أحد الجوانب تحت وطأة الشمع الذي ذاب ثم تصلّبت من جديد. ولعلها لم تكن أفقيةً منذ البداية.
“سيد غوين.”
وبينما كان يقطب حاجبيه كأنه شعر بشيءٍ غير مريح، إلتفت نحو من يناديه.
“هاها، ما الذي تنظر إليه بكل هذا التركيز!”
اقترب البارون منه وهو يمازحه، وقد أثار فضوله وودّه الخالص كونهما يشتركان في الذوق ذاته.
“سيدي البارون.لقد طال الغياب.”
“يبدو أنكَ حضرتَ الحفل وحدكَ اليوم أيضًا.”
كان الشاب في أوج شبابه، وكذلك الفتيات اللواتي ينظرن إليه هنا.
قاعة الولائم كانت غارقةً في النور الذهبي، وفي بياض الرخام، وفي الأزرق المنساب بنعومة.
وفي وسطها، جذب الشاب الأنظار جميعًا، مرتديًا سترةً تميل إلى الزرقة داخل بدلةٍ كحلية داكنة. مع أن أياً من مكوناته لا يحمل لونًا صارخًا.
“كل هؤلاء يحدقون بكَ داخل القاعة!”
في الحقيقة، كان الشاب سيبرز مهما ارتدى. ذلك أمرٌ طبيعي. إنه شاب، و جميل، و ثري، وأعزب.
الجمال فضيلة من نوعٍ ما في المجتمع الراقي، ولذلك يبدو الشاب أكثر جمالًا وكمالًا.
شعرٌ لا تشوبه خصلةٌ واحدة، ملابس مفصلةٌ بدقة في المقاس والطول، زرٌ واحد، ورباط حذاءٍ واحد لا يخرج عن مكانه.
وهكذا يبدو الشاب، وقد ألقت الأضواء ظلالها عليه، كأنه تمثال.
“يبدو أن الأخبار السعيدة ما تزال بعيدة!”
“لقد كانت الأمور صاخبةً بعض الشيء مؤخرًا.”
أجاب الشاب بابتسامةٍ تبدو حزينةً للوهلة الأولى. فكاد البارون أن يشفق عليه دون حيلة، ثم ردّ بشيءٍ من التسرع.
“لكن ذلك لم يؤثر عليكَ كثيرًا، أليس كذلك؟”
موت إرنست غوين، كونت غوين دابرديل، كان مفاجئًا وصاخبًا إلى حدٍ ما، هذا صحيح. لكن على أي حال، فإن دانيال غوين لم يتولَّ شؤون الإرث المرتبطة باللقب.
فلماذا يثرثر الناس بشأن الخزنة الخضراء التي ورثها دانيال غوين؟ لأن أحدًا لم يتوقع ذلك، ولأن الأمر لا يبدو وكأنه كان ضمن خطط إرنست غوين.
“…….”
صمت دانيال غوين للحظة.
حقًا، كما قال البارون. فهو في الأصل لا يستطيع الاقتراب من اللقب. فليس هو الابن الأكبر، وكينيث لديه ابنٌ بالفعل.
دانيال غوين هو فقط دانيال غوين. ليس كونت غوين دابرديل، ولا وريث بارون دنبي.
“…….”
فلمّ شتات مشاعره و أجاب.
“وفوق ذلك، لا يزال البقاء في القصر أكثر متعةً بالنسبة لي من الاختلاط بذوي الجمال في الخارج.”
“هاها! قصرُكُ يُعد فعلًا من أجمل الأماكن. أليس هو الخزنة الخضراء الشهيرة؟”
لم يجب، بل ابتسم فقط. فالتصقت النظرات بتلك الابتسامة المحكمة.
وفي الوقت نفسه، اختفت الشائعات المريبة التي كانت تُهمس. كأن يُقال أن هذا الرجل الجميل يخفي عشيقته داخل القصر، أو أن تلك العشيقة نفسها قد ورثها عن أبيه، مثل هذه الأقاويل المشبوهة والمثيرة للريبة.
“…….”
ومع ذلك، حتى وهو يسمع همساتٍ أخرى، لا يبدو أن البارون يعيرها اهتمامًا كبيرًا. فمهما وُجد داخل ذلك القصر من نفيسٍ وجميل، فإنه في النهاية مجرد شيء.
“سيد غوين؟”
حين ناداه البارون، التفت نظر دانيال غوين، لا كونت غوين دابرديل ولا بارون دنبي.
“آه، أعتذر.كنتُ أنظر إلى مكانٍ آخر للحظة.”
أومأ الشاب بعينيه نحو تمثالٍ منصوب في البعيد. وحين نظر البارون إلى حيث أشار، تشوّه تعبيره للحظة على نحوٍ غريب، ثم أحكم إخفاءه تمامًا.
“إنه لافتٌ للنظر.”
“أظنه تمثالًا جيدًا.”
“حسنًا، إن كنتَ ترى ذلك، فلا بد أنه كذلك.”
لكنه مجرد زائف.
نظر البارون إلى التمثال.تحت الإضاءة الزاهية يبدو ثمينًا، رغم أن حقيقته ليست كذلك.
لا بد أن المالك لم يكن يعلم. أن هذا التمثال الجميل الباهر ليس سوى تقليد.
“هل لك رأيٌ آخر، سيدي البارون؟”
“مهما حاول تقليد الرخام، ففي النهاية يظل جصًا.”
فمهما صُقِل وهُذِّب، لا تتغير الأصول.
واصل دانيال غوين النظر إلى البارون الواقف أمامه. وحين طال ذلك النظر والصمت حتى أوشك أن يشعر بالغرابة، فتح فمه.
“لا بد أن الأمر كذلك.”
رأى البارون أن في كلماته نبرةً ولهجةً أرستقراطية واضحة. لا بد أنه تعلمها من أبيه، إرنست غوين.
و شعر بقليلٍ من الشفقة. ففي النهاية، ما هو إلا الابن الثاني، ظلّ أخيه، أو في أفضل الأحوال صهرٌ محتمل.
أفكارٌ لا تُقال ولا يُظهرها على وجهه، فتتلاشى كما جاءت.
‘على أي حال، ليس مما يُتخذ مادةً للسخرية خارجًا.’
ورغم كل ذلك، تتجه أنظارٌ لا تُحصى إلى الشاب الجميل. فقرر البارون الانسحاب.
“سأغادر الآن. أتمنى لكَ وقتًا ممتعًا.”
ومع قدوم آخرين لملء المكان الذي تركه البارون، استمر الحفل.
حرك دانيال غوين نظره هنا وهناك، محاولًا التغلب على الملل وثقل المزاج.
قاعة الولائم كانت خانقةً على نحوٍ لا يُصدق بالنسبة لليلةٍ شتوية، ولا تزال تعج بالضجيج.
ربما لذلك، كانت أربطة الحرير عند ظهور بعض الفساتين قد ارتخت إلى النصف، وكأنها فُكّت في غرفة الاستراحة ثم رُبطت مجددًا، فجاءت حلقتا الشريط مختلفتين بوضوحٍ في الحجم والشكل.
بكعب حذاءٍ أيسر مهترئٌ أكثر من غيره، كأن الوزن كان يميل إلى جهةٍ واحدة. شعرٌ ثُبّت مرفوعًا عن الجبهة لكنه انزلق رغم ذلك.كرافاتٌ مائلة.
وبينما و قف الرجل وسط كل ذلك، اقتربت منه امرأةٌ و وقفت أمامه.
“إن لم تمانع، هلّا تشاركني هذه الرقصة؟”
دانيال غوين، الجميل والثري، هو موضع تطلعٍ في المجتمع الراقي.
صحيحٌ أن بعض الشيوخ المحافظين يقولون أن من لا يحمل لقبًا ليس سوى مظهرٍ جميل بلا قيمة، لكن ما المشكلة في ذلك؟ يكفي أن يكون المظهر حسنًا. على الأقل، هكذا تراه المرأة.
لن يرفضها. فهو بلا لقب، وهي آنسةٌ نبيلة لا تحتاج إلى ثروته.
“….بكل سرور.”
وهكذا، بعد أن بدا كأنه يقيّم الأمر لحظة، أمسك يدها الممدودة كما كان متوقعًا.
فابتسمت المرأة و دخلت معه إلى ساحة الرقص، وكما لو كان محسوبًا بدقة، انسابت موسيقى الرقصة في التوقيت المناسب.
التعليقات لهذا الفصل " 23"