كان دانيال يبتسم بعينيه برفق، كأنه يفهم كل شيءٍ دون أن يُقال.
“لقد تأخر الليل.”
وكما قال، كان القصر غارقًا في السكون بسبب تأخر الوقت.
تحرّكتُ فانكسرت حواف التنورة التي التصق بها الثلج ثم ذاب قبل أن يتجمد من جديد، مُصدِرةً صوت خشخشةٍ مع كل خطوة.
وقد شعرتُ بالتغير الذي طرأ على القصر منذ دخول دانيال غوين. لا خدم يخرجون للبحث عني، ولا صاحب قلقٍ يراقبني خشية أن أفرّ، ذلك الذي كان، بعبارة حارسٍ مراقب، يلاطف مزاج مقتنياته.
أمسكتُ بيده التي تقودني واجتزنا ممرًا يعج بأبوابٍ موصدة لا تُحصى.
وكأن الجو الذي كان مترهلًا قد كان كذبة، إذ انحبس نفسي فجأة. بإحساسٍ بارد يلتف حول ظهري. ولم يكن مجرد بردٍ عادي.
هل حقًا لم يكن هناك أي خادمٍ مستيقظ في هذه الليلة؟
في هذا القصر الهادئ، ألم يكن هناك من سيخرج ليرى من يطرق الأبواب ويصرخ؟
هل كان الثلج المتراكم كثيفًا إلى حد ابتلاع كل تلك الأصوات؟
حاولتُ أن أقنع نفسي بأن أحدًا لم يسمع صراخي وطرقي لأن الليل كان متأخرًا.
لكن إن كانوا قد سمعوا ولم يخرجوا، فلِمَن كان ذلك بأمرٍ منه؟
لم يكن الطريق إلى الطابق الثاني بعيدًا. و كان الظلام يخيّم لأن الأنوار لم تُشعل.
ظننت أنه سيواصل السير في الممر ويُدخلني فحسب، لكن دانيال سأل فجأة. كأنه مالك هذا القصر، وكأن كل ما يجري فيه لا يخفى عليه.
“إليانور لا تزال لا تصدق كلامي، أليس كذلك؟”
الاعتذار الذي لم أستطع إخراجه، والذي كان لا بد أن أخرجه، خنق أنفاسي. لكنه، وكأنه يعلم كل شيء، لمس طرف أنفي المحمر قليلًا و همس.
“استيقظي مبكرًا غدًا.”
“….نعم؟”
“سأكمل تعريفكِ بالقصر.”
كان وجهه يبدو متحمسًا على نحوٍ غريب، كصبيٍّ على وشك أن يعرض صندوق كنز.
فترددتُ، ثم ابتسمتُ في النهاية وتبعته.
***
في الصباح، ابتسم دانيال غوين بعينيه و قد أتى ليصطحبني حتى باب الغرفة.
“الشريط البنفسجي يليق بكِ.”
تمتم بذلك بلا اكتراث. كأن لديه اهتمامًا بذلك الشريط الذي مرر أصابعه عليه، فداعبني إحساسٌ خفيف بالحكة.
ثم تبعتُه وأنا ألمس شريط الساتان البنفسجي الذي يزين ضفيرتي.
ولم أجرؤ على النظر إليه، بل خفضتُ رأسي أحدق في موضع قدمي وأنا أسير.
بعد المرور عبر الممر المفروش بالسجاد، دخلنا الدفيئة. و لم يكن ظهور زهرةٍ برية واحدةٍ في مجال الرؤية الذي كان لا يملؤه سوى العشب محض صدفة.
و حين رفعت رأسي، التقت عيناي به وهو يلتفت وكأن هذا المكان كان مقصدنا منذ البداية. فاتسعت عيناي قليلًا دهشة.
“….آه.”
ثم ضحك بصوتٍ منخفض تهتز له حنجرته، وكأنه مستمتع، وشدّ قبضته على يدي.
وكأنني مسحورة، ساقني نحو التمثال القائم أمامي.
دفيئةٌ لا يُسمح فيها بزهرةٍ برية واحدة سوى النباتات التي تُعتنى بها بعناية. وحول قاعدة التمثال، كانت تتفتح أزهار الأقحوان البيضاء في جماعات.
حينها، وقفتُ عاجزةً عن الكلام بين الأقحوان المتناثر. فقد كنتُ أعرف التمثال القائم فوق تلك الزهور. لم يكن هذا مكانه الأصلي، داخل الدفيئة.
“….ألم يكن في مكانٍ آخر غير هذا؟”
تذكرتُ الحمرة التي كانت قد علقت ذات يومِ على شفتي الصبي الرخامي. ذكرى طفولةٍ تُخجلني قليلًا.
“شعرتُ أن وجوده هنا سيكون أفضل.”
قال ذلك وهو يبتسم. ففكرتُ أنني أراه يبتسم كثيرًا. هل لأنه يبتسم كعادته؟ أم لأنه كان يبتسم كثيرًا لي فحسب؟
“وبالطبع، ليس هذا هو السبب الوحيد، لكن مع ذلك.”
ثبتت عيناي على جانب وجهه وهو ينظر إلى خد التمثال. وقد نظر إليه بتعبيرٍ غامض لا يمكن سبره. يبدو وكأنه يحمل نقصًا ما في داخله.
“….كان أبي يحب هذا القصر. أكثر مما أحبني أنا أو إخوتي أو أمي.”
انطبقت شفتاه بإحكام بعد أن أنهى كلامه.
وتلك الشفتان اللتان بدتا وكأنهما لن تتحركا أبدًا، رسمتا قوسًا، ثم أدار الرجل رأسه نحوي.
“في طفولتي كنتُ ألومه على ذلك….أما الآن، فأستطيع أن أفهم.”
واستمعتُ إلى كلماته التالية، وأنا أرى الظل المرتسم عند زاوية فمه يزداد عمقًا بفعل الابتسامة.
“لأنني لو كنتُ مكانه، لفعلتُ الشيء نفسه.”
لا أدري لماذا، لكن حلقي اختنق. بينما خطى دانيال غوين خطوةً واسعة ليقف إلى جانبي، و ركل بأطراف قدميه الأقحوان المتفتح أسفل التمثال، ثم ضحك بخفةٍ و تابع كلامه.
“حين كنتُ صغيرًا، تسللتُ إلى الدفيئة خِفية.”
كانت نبرته لا تختلف عن استمراره الهادئ في الحديث عن الموضوع نفسه.
“….كان نوعًا من التمرد التافه، لا أكثر.”
ما الذي كان يفكر به أبناء إرنست غوين وهم ينتظرون أبًا لا يعود؟ وماذا كانوا يفكرون وهم ينظرون إلى المقتنيات التي جاءت إلى القصر بدلًا من الأب، كأنها تُركت مهملة؟
“هذا سر، لكن في الحقيقة….في البداية كنتُ أظن أنني أردتُ تدميره قليلًا. لكنني لم أفعل.”
صمت لحظة، ثم رفع رأسه الذي كان ينظر إلى أزهار الأقحوان. وفي الحديقة التي لا يوجد فيها سوانا، واصل حديثه كمن يبوح بسر.
“كنتُ دائمًا….أريد أن أراه هنا.”
كان نظره يتوه كأنه يبحث عن شيءٍ، ثم عاد إلى الواقع والتقت عيناه بعينيّ.
و لون عينيه كان يشبه تمامًا قلب أزهار الأقحوان المكدسة عند قدمي.
“كما توقعت، هذا يعجبني كثيرًا.”
ثم اختنق نفسي. و لعل السبب هو الأقحوان.
“كنتُ أريد أن أراه باستمرار.”
يبدو مستمتعًا. وبما أنه بدا سعيدًا، لم أعد أشعر بالقلق.
“وكذلك، أن يتمنى أن يكون الطرف الآخر سعيدًا.”
هل هذا هو الحب كما قالت إيزابيل؟ حبٌ أستطيع فقط أن أصدقه دون شك؟
ثم نظرتُ إلى زهرة أقحوانٍ واحدةٌ لم تُدَس تحت قدمي بينما تذكرت.
“أه، هناك! هذا….”
فتى الإسطبل ذاك الذي كان يناولني أزهار الحديقة البرية البائسة، طُرد منذ زمنٍ طويل.
أطراف أصابعه كانت ملطخةً بعصارة العشب كما هو الأمر تحت أظافره، والساق التي كانت يمسكها كانت ممزقة، ومع ذلك كانت الأقحوانة البيضاء نظيفةً تمامًا، بلا أثر قضمٍ أو تغيّر لون، رغم أنها زهرةٌ برية لا يهتم بها البستاني.
كنتُ أنظر إلى الأقحوان الذي يتمايل بعنف، كأن عاصفةً مبكرةً اجتاحته، ثم سألته.
“لماذا تعطيني هذا؟”
بوجنتين محمرتين، تابع الصبي كلامه.
“أعني، داخل القصر أو في الدفيئة….مثل تلك! ليست زهرةً رائعة، لكن….”
بدأ كلامه متلعثمًا كأنه يصرخ، وانتهى همسًا.
“لكنني….لم أرَكِ تبتسمين من قبل. قالوا أنكِ ستكونين أجمل إن ابتسمتِ….الجميع يقول ذلك.”
قال ذلك، ثم حكّ خده ووجهه متورد، واستدار مبتعدًا، وبقيت لدي ثلاث زهرات أقحوان.
و بعد ثلاثة أيام، طُرد الصبي من القصر. ما زلت لا أعرف السبب على وجه الدقة، ولا أرغب في معرفته.
“…….”
تخمين مشاعر الموتى، والاعتقاد بأن ذلك ممكن، ليس أمرًا مبهجًا. مع أنه لم يعد هناك إرنست غوين ليطرد الصبي.
“في طفولتي كنتُ أحمقاً لا يميّز بين الزائف والحقيقي. لكن الآن، لم أعد كذلك.”
“…….”
“إليانور؟”
سألني هكذا كأنه قلق من صمتي. وفي نهاية نظره، خلفه، وسط خضرةٍ طاغية، يوجد بياضٌ واحدٌ فقط.
لا أعلم أين رأى ذلك التمثال. كان ذلك التمثال في يوم من الأيام حبيب طفولتي، وعائلتي، وصديقي.
في الحقيقة، لم يكن هو وحده. كل التماثيل التي كانت في هذا القصر تحمل ماضيًا مرّ مرةً واحدة على قلبي.
كنتُ أعتبرهم من تلقاء نفسي أحبةً أو عائلةً أو أصدقاء، وأُسقط عليها أسماءً، ثم أستيقظ من تلك الأحلام والأوهام وأحطمها بيدي.
كل ذلك صار من الماضي.
حين كنتُ صغيرة، كان من المعتاد أن أصعد إلى السطح أو أبقى أيامًا بلا طعام لأجل إعادة تمثالٍ نُقل إلى القصر الرئيسي لأنه لم يرضِ قلب إرنست غوين.
“نيل! لماذا تتعلقين بمثل هذا الزيف؟ تلك الأشياء كلها بلا قيمة، لا يمكن مقارنتها بكِ أصلًا!”
في كل مرة كان إرنست غوين يوبخني بوجهٍ متصلب ومندهش، لكنه في النهاية كان يعيدها كلها إلى القصر.
وحتى عندما كنتُ أرميها على الأرض أو أحطمها إربًا، لم يكن يوبخني.
كانت إيزابيل دائمًا إلى جانبي، وكان إرنست غوين دائمًا يحرص عليّ، ولم أُعنَّف مهما فعلتُ. فهل كنت وحيدةً حقًا كما قال؟
لكن كل ذلك كان في الطفولة. الرغبة في أن أُحَب حتى إن لم أكن جميلة، أو أن ألتقي شخصًا يحبني بصدقٍ ونقاء وأغادر هذا القصر.
والآن، لقد تجاوزتُ العمر الذي يحلم بمثل هذه الأوهام.
“…….”
______________________
شكلها اعجبها البزر الي عطاها ويبيها تبتسم بس عنه انطرد على طول
اما سالفة انها تحط التماثيل اهلها🤡 تشبه سالفة ذي مانهوا الرسامه يومها ترسم اهل لها وتحركهم كم دقيقه
بس اليانور مجنونه حبت التماثيل ثم كسرتها بنفسها ✨
المهم دانيال لايكون كان يدري بسالفة ذا التماثيل؟ ليه جابها وخذاها له خصيصاً مع انهم قد راحوا للدفيئة🌝
التعليقات لهذا الفصل " 21"