“كنتُ قلقًا عليكِ. إن ضللتِ الطريق أو أُصبتِ بالزكام فسيكون الأمر خطيرًا.”
“….لستُ طفلة.”
أجبتُه على مضض، في كلماتٍ مازحة تحمل عتابًا مقلقًا، فعاودني صوت ضحكةٍ منخفضة.
“بالطبع، إليانور ليست طفلة.”
صوته كان أكثر هدوءًا، ربما بسبب الوقت.
ثم أضاف بلا أي خجل.
“لستُ منحرفًا يحب الأطفال.”
“…….”
هجزتُ عن الرد فأطبقتُ فمي. بينما انحني الرجل قليلًا وتأمل عينيّ بصمت.
و يبدو أنه اعتبر صمتي رفضًا.
“كنتُ أتمنى لو تفهمين أكثر أنني أقلق عليكِ.”
وبينما إلتقطتُ أنفاسي مع كلمات النفي التي لم أستطع قولها، بدأ بالكلام فجأة.
“قد يكون أسلوبي مختلفًا قليلًا عن أسلوب أبي، لكن مع ذلك. أعتقد أن على إليانور أن تعتاد عليّ. فأنا الآن من سيكون إلى جانبكِ.”
ومع ذلك، عيناه بلون الكهرمان ذاته كعيني أبيه. لون سبيكة ذهبٍ في الظل، نحاسٌ قديم، لوحٌ نحاسي يعكس الضوء.
و بينما ألتقط أنفاسي بين بردٍ لا يزول وحرارةٍ تشعل صدري، ابتسم الرجل بلطف.
“كما تعلمين، ليست لدي نيةٌ لفعل ما يخالف المنطق.”
“فحبّ الجميل أمرٌ منطقي.” قال ذلك من قبل ومع ذلك يسألني متى سأفهم ذلك، وهو لا يزال يبتسم.
“أنا أعتبر إليانور مميزةً جدًا.”
لا أذكر إن كنتُ قد أومأتُ برأسي أم لا. لكن ما أتذكره يقينًا هو أنني أردتُ الهرب مجددًا إلى الحديقة.
حلّ الليل مرة أخرى. استيقظتُ فجأةً من النوم، و نهضتُ من السرير و نظرتُ من النافذة.
كان الثلج يتراكم بصمت. و آثار قدمي التي تركتها في الحديقة اختفت منذ زمن.
فأُدركتُ أنه حتى لو خرجتُ الآن، فإن الثلج سيغطي آثار أقدامي مجددًا. وهكذا، بتهور، عبرتُ باب الحديقة مرتديةً ثوب نومٍ رقيقًا.
لا توجد مصابيح تنير الحديقة، لكن الضوء المنعكس عن الثلج الأبيض يكفي.
نظرتُ نحو المدخل. لم يكن هناك أحدٌ يتجول، ولا خدمٌ يهرعون بحثًا عني.
فخطر لي أنه لو فتحتُ ذلك الباب الآن وخرجت، فلن يعلم أحد. و كالمسحورة، سرتُ نحو البوابة الرئيسية.
أمسكتُ قضبان البوابة. و إلتصق برد الحديد بيدي حتى كأنني لا أستطيع نزعها.
ثم ملأ الشارع الأبيض عينيّ. و ترقبتُ أن يخرج أحدٌ تحت مصباح الغاز الضبابي، لكن لا أحد ظهر.
استنشقتُ نفسًا باردًا. إلى أن تلاشت حرارة الحماقة، ومنذ زمن امتلأ جسدي بحرارةٍ من نوع آخر.
فشددتُ قبضتي على القضبان. و أعدتُ التفكير ذاته الذي راودني في حديقة النهار.
لو أنني فتحتُ الباب وخرجتُ. لو فتحتُه بعنفٍ واندفعتُ إلى الشارع، سأركض في الطرقات بمظهرٍ بائس لا شك فيه.
لو لم يخرج أحدٌ من القصر خلفي، ولم أُسحب إلى الداخل مجددًا، لتمكنتُ من أن أكون كما حلمتُ في طفولتي، ممثلةً رائدة على المسرح، أو مُلهمةً لأحد.
“…….”
لسببٍ ما، آلمتني يدي الممسكة بالبوابة كأنها مجروحة.
و ليس من قبيل الصدفة أن تخطر ببالي كلمات إيزابيل.
“وإلى أين تنوين الذهاب بعد خروجكِ؟”
إلى أين؟
إلى أين يجب أن أذهب؟
ذهني المتصلب كان يصوغ جوابًا ببطء. ‘سأذهب إلى أولئك الذين يحبونني.’
….لكن أليس من يقول أنه يحبني موجودًا بالفعل داخل هذا القصر؟
توقف فكري وجسدي فجأة. و نزعتُ يدي ببطءٍ عن البوابة و استدرتُ نحو القصر.
إلى أين، وإلى من، أريد أن أهرب؟
هل لديّ أصلًا مكانٌ أقصده؟
أليس المكان الوحيد الذي يمكنني الذهاب إليه لا يختلف كثيرًا عن جوار إرنست غوين الميت؟ فالجميع يحبني كما كان يفعل.
باستثناء شخصٍ واحد فقط يقول أنه مختلف.
“أنا أعتبر إليانور مميزةً جدًا.”
وهكذا فكرتُ، ربما كل ما قاله لي، كل كلماته منذ لقائنا الأول، قد نمت من الشعور ذاته.
وأن كل خوفي وهروبي لم يكن سوى وهم. وأنه لم يكن هناك منذ البداية ما يستحق أن أخشاه أو أشيح بوجهي عنه.
كأن الرجل يقول ذلك. أنه مختلفٌ عن إرنست غوين، و أنه يحبني حقًا. بطريقةٍ أفضل من إرنست غوين.
“…….”
لذلك، لا يوجد لي مكانٌ أفضل من هذا القصر. وهكذا عدتُ إلى أمام المدخل.
أدرتُ مقبض الباب بيدٍ متجمدة، لكنه علق فجأة. فنظرتُ إلى الأسفل مذعورة.
طَقّ-
حاولتُ تدويره مرارًا، لكن المقبض لا يتحرك.
‘لا شك أن الباب مقفل.’
طَقّ-
طَقّ-
و بينما رنّ المقبض عشرات المرات، لم يخرج أحد.
“مرحباً، افتحوا الباب.…!”
رفعتُ صوتي و ناديتُ، و طرقتُ الباب، لكن المدخل لا يبدي أي نيةٍ للفتح.
بدت الملابس المبتلة ثقيلة، و برد جسدي كله كأنه سيتجمد.
صرختُ كأنني أريد أن يسمع الجميع، و طرقتُ الباب، لكنه لم يُفتح.
فأدرتُ جسدي ببطءِ و جعلتُ المدخل خلفي. و نظرتُ إلى الحديقة المغطاة بالثلج حيث لا تزال آثار قدمي واضحة، وإلى البوابة خلفها، ثم إلى الشارع الأبيض.
اختنق نفسي فاستدرتُ مجددًا نحو المدخل. و حرّكتُ جسدي الذي لا طاقة له قسرًا، ثم قبضتُ يدي و طرقتُ الباب. لكن لا رد.
‘لماذا؟ كيف؟’
إلتقطتُ أنفاسي وأنا أفكر. أبحث عن سبب.
‘لماذا؟’
رفعتُ يدي إلى فمي، وقبل أن أعضّها بقسوة، بصقتُ أظافري على عجل.
لكن القلق لا يزول. و كل فكرةٍ تخطر ببالي تبدو وكأنها ليست الجواب، لكن كأنها في الوقت ذاته الجواب كله.
“فهل هناك سببٌ يجعلني خائفة؟”
لا، كان كل ذلك غرورًا. في الحقيقة، أنا خائفة.
“……لا…….”
نفثتُ نفسًا حارًا فوق شفتيّ الباردتين، ثم ضممتُ خديّ بيديّ. و لم يكن لذلك فائدة تُذكر.
‘ألا يريدون إدخالي؟ لماذا؟’
استنشقتُ الهواء ثم أخرجته ببطء. و لأن داخلي المتأجج بالتوتر اختلط بالبرد ظننتُ أنني سأهدأ، لكنه لم يهدأ.
ثم تغيّمت الرؤية أمام عيني. هل بسبب الجليد العالق برموشي؟ أم لسببٍ آخر؟
ثم أصبح رأسي يؤلمني. و عضضتُ شيئًا لا أعرف ما هو. و لا بد أن الدم سال، فشفتي ابتلتا.
‘هل أخطأتُ، ولذلك لا أستطيع العودة؟ هل لأنني لم أكتفِ، وطَمِعتُ أكثر مما ينبغي؟’
لكنه قال أنه يحبني رغم أنني سهلة الجرح وضعيفةٌ هكذا.
‘إذًا سأحسن التصرّف.’
لن أطمع، لن أطمع أكثر من اللازم، ولن أُفرط في الحساسية، ولن أتصرف بتهورٍ أو كأنني أختبره.
سأبقى داخل هذا القصر، جميلةً كما أنا. فأنتَ تحبني بطريقةٍ مختلفة عن إرنست. تحبني على عكس إرنست….
ثم انقطع نفسي.
طَقّ-
لا أدري كم من الوقت مرّ. حينها، مقبض الباب الذي كنتُ أمسكه بيدٍ واحدة طوال الوقت، لأنني لم أستطع إفلاته، كان يدور أخيرًا.
وفي تلك اللحظة، عند مدخل القصر الجميل، امتدّت من الظلام يدٌ أنيقة و أمسكني.
ثم إلتقيتُ بعيني الرجل الذي يقف وظهره إلى الضوء الدافئ.
“….إليانور؟”
بدا عليه الذهول أكثر حين رأى وجهي. و نادي اسمي، ثم لانت ملامحه تدريجيًا. بخدّان محمران، و عينان تنحنيان، وزوايا فمٍ تذوب.
و بصوتٍ يشبه آلة نفخٍ نحاسيةٍ قديمة لكنها مصانةٌ جيدًا، بادر بالقلق.
“هل خرجتِ في نزهةٍ ليلية؟ الجو بارد، وخرجتِ بملابس خفيفة. ستصابين بالزكام.”
مرّت أصابعه الطويلة الأنيقة على خدي، و عبث بشعري و أزاحه خلف أذني، فتابعتُ أثر حركته. و حتى لمسةٌ خفيفة بالكاد تُسمى تلامس، كانت تحمل دفئًا واضحًا.
“ماذا لو أصابتكِ الحمى مجددًا؟ إليانور تستخف بالشتاء.”
الهمس الذي قاله يسمح للهواء البارد بالتسلل إلى الموضع الذي انكشف من شعري بلا فائدة.
و كأنني نسيتُ وضعي قبل لحظاتٍ أجبتُ بصعوبة.
“….لستُ ضعيفةً إلى هذا الحد.”
“حقًا؟ إذًا هذا مطمئن.”
اقترب نَفَسه الدافئ، و تبدد عند طرف أنفي، ثم ابتعد فورًا.
و أدركتُ متأخرةً أنه لا يرتدي سوى ثوب نومٍ بلا أي معطف. كأنه خرج مسرعًا على عجل.
ثم ببطء، تلاقت أعيننا. و نزلق نظره من عينيّ إلى الأسفل. وبعد أن يتفحصني لحظة، تكلم بنبرته اللطيفة ذاتها.
“لكن لماذا تبكين؟”
مدّ يده و مسح دموعي. و ذلك الحنان الغريب أربكني، فتمتمتُ متعثرة.
“….لأن الباب، لم يُفتح.”
“يا إلهي، لهذا كنتِ هكذا؟”
تنحى قليلًا عند المدخل وأدخلني إلى داخل القصر. و لم ألتفت إلى الباب الذي أُغلق خلفي.
“هذا لأنكِ خرجتِ هكذا من دون تفكير.”
“….الأمر ليس كذلك.”
“بالطبع، الخطأ كله خطئي.”
فهممتُ بالاعتراض، لكنني أطبقتُ فمي.
____________________
مسكر عليها متعمد؟🤡
أحسه كان يراقبها لين حس خلاص اوفر ونزل يفتح لها؟
لأن اصلا هي طلعت ومحد كان وراها من الي حبكت يقفل الباب الحين؟😭 مجنون يبي يوريها شوفي لو رحتي منتب راجعه؟
حركته وهو يلمسها حنونه بس من الي يبتسم بعدين يستوعب ان حبيبته تبكي؟🥰
المهم الله يعين على الفصول الجايه🌝
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 20"