كان دانيال يحدّق بي هكذا ثم سألني فجأة.
“في المرة القادمة، هل نُفصّل لكِ ثيابًا؟”
كانت فكرةً لا سبب يمنع تحققها، و لا يمكن رفضها، ومع ذلك سألني الرجل بلطف.
“ليس لديكِ ملابس خروجٍ مناسبة، أليس كذلك؟”
“….نعم، شكرًا لكَ.”
أومأتُ برأسي وأنا أفكر. هل يعلم أن الرجل الذي لم يسمح لي سوى بملابس بيضاء هو ذاته والده الذي قتله؟
“الطقس بارد، لكنه سيكون ممتعًا. فقد تساقطت الثلوج أيضًا.”
على أي حال، نزلنا الدرج معًا. و ما إن فتح الباب الخلفي المؤدي إلى الحديقة حتى اندفع هواءٌ باردٌ فجأة.
أغمضت عينيّ بإحكامٍ ثم فتحتهما، فإذا بحديقةٍ مغطاةٍ بالثلج تظهر أمامي. و دون أن أشعر، تراكم الثلج بكثافةٍ كأنه لحاف قطني سميك.
“الخروج إلى الحديقة في يومٍ تراكم فيه الثلج بهذا الشكل، إليانور محظوظةٌ فعلًا.”
قال ذلك وهو يتجاوز العتبة. و لم يتابع الحديث، وسار صامتًا أمامي، ففكرتُ أنه يفعل ذلك كي لا يقطع عليّ تأملاتي.
مع كل خطوةٍ أخطوها فوق الحديقة، إلتصق الثلج بالحذاء الداخلي الرقيق وبكاحليّ ويتكتل. و سرعان ما تحول الثلج المتجمع على الكاحلين إلى قطرات ماء بفعل حرارة الجسد.
واصلت السير غير آبهةٍ ببرودة كاحليّ، حتى وجدت نفسي في وسط الحديقة التي تبدو كسهل ثلجي. بينما يتصاعد زفيرٌ أبيض في الهواء البارد.
“هل يعجبكِ الأمر، إليانور؟”
فوق هذا العالم الأبيض، يبدو الرجل الذي يقول ذلك أكثر وضوحًا. كنقطةٍ وُضعت في غير موضعها.
و لا أدري إن كان احمرار وجنتيه بسبب قبضتي المشدودة على يده، أم بسبب رياح الشتاء الباردة.
بينما تحولت الرطوبة الخفيفة عند أطراف رموشي المرتعشة إلى جليدٍ رقيق بفعل أنفاسي، نظرتُ إلى الرجل الذي قال أنه يريدني أنا الجميلة.
وقد كانت أطراف أصابعي المرتجفة، وحدها، حمراء وسط كل هذا الشحوب.
ثم نظرتُ إلى الحذاء الذي التصق به الثلج الذائب مختلطًا بالتراب في فوضى، وإلى الملابس التي ابتلت أطرافها، ثم إلى عينين تشبهان معدنًا باردًا على نحوٍ غريب، وأجبتُ متأخرة.
“….هل الحال هكذا خارج القصر؟”
رأيتُ كيف تغيرت نظرة عينيه عند سماع السؤال. كأن معدنًا متجمدًا سُخّن ثم طُرق بالمطرقة فانحنى.
هممت بإضافة تبرير، ثم تساءلت إن كان التبرير ضروريًا أصلًا، فأطبقت فمي. ثم تمتم الرجل بصوتٍ خافت.
“….آه. نعم، إنه كذلك خارج القصر.”
البرودة التي اجتاحتني لا بد أنها من الشتاء لا من كلماته.
ثم استدار بجسده نحو اتجاه آخر. لم أتبعْه، وبقيت واقفةً في مكاني شاردة.
حتى بعد أن ابتعد إلى حدٍ لم يعد يُسمع معه وقع خطواته، ظللت أحدق في ظهره. بينما واصل السير متجهًا نحو البوابة الرئيسية. و الثلج المتراكم يُسحق تحت قدميه.
لا تزال الثلوج الكثيفة تهطل من السماء، والبوابة الخضراء التي كانت موصدةً بإحكام بسلسلةٍ تُفتح مصدرةً صوتًا معدنيًا.
اقترب الرجل الذي انتهى من ترتيب مفتاح البوابة بخطواتٍ واسعة، و ابتسم بوجهٍ محمر دون أن يحاول إخفاءه. ابتسامته البريئة تجعله يبدو كصبي.
“هل أصبح الأمر جيدًا الآن؟”
قال ذلك وهو يقترب كثيرًا ويمسح خدي بلطف.
هل هو صادق؟ لا يبدو كذلك.
“خدّاكِ محمران، إليانور.”
“….من البرد.”
“حقًا؟ كان ينبغي أن أحضر شيئًا دافئًا. هل أذهب الآن؟”
يبدو أنه سيغادر فورًا إن اكتفيتُ بالإيماء برأسي.
فنظرت إليه ثم سألته.
“حتى لو خرجتُ خارج القصر؟”
تلاقت أعيننا. فسأل الرجل، ولا تزال الابتسامة على وجهه.
“ألم ينتهِ هذا الحديث من قبل؟”
تابع كلامه وكأن الأمر لا يستحق الذكر. كأنه حقًا لا يمانع خروجي.
“قلتُ لكِ، سأحترم إرادتكِ. لماذا تواصلين اختباري هكذا، يا آنستي؟”
بسبب هذا الموقف المتساهل، ارتبكتُ وتساءلتُ إن كنتُ قد أسأت فهم كلامه حين طلب مني أن أبقى بهدوءٍ لبعض الوقت.
لكن، ربما حقًا، لا يهمه إن خرجتُ؟
لقد مرّت أربعة أيامٍ بالفعل منذ أن همس دانيال غوين بحبه لي. إن كان يحبني، فلماذا لم يبحث عني منذ ذلك الحين؟
لا، هل كان حقًا ‘يحبني’ أنا؟
“….أنتِ جميلة، وحبّ الجميل أمرٌ بديهيٌ فحسب.”
“كنتُ مهتمًا بإليانور اهتمامًا كبيرًا.”
لقد قال أنه مهتمٌ بي، وقال إن حبّ “الجميل” أمرٌ منطقيٌ لا أكثر.
لو سألني أحدٌ إن كانت هاتان الجملتان تعنيان حقًا أنه يحبني، أفلن أعجز عن الإجابة بثقةٍ بنعم؟
“…….”
يبدو أنه أدرك شكوكي من خلال صمتي. وبينما همّ بالكلام، سبقتُه بتغيير الموضوع.
“ماذا عليّ أن أفعل لكَ اليوم؟”
“وما معنى ذلك؟”
“قلتَ أننا نتبادل الأمور واحدًا بواحد.”
“….آها.”
أطلق تنهيدة إعجابٍ بطيئة ثم فتح فمه.
“حسنًا، إن كانت إليانور تريد ذلك، فسأجاريكِ.”
بعد أن أنهى الجملة، بقي زفيره الأبيض معلقًا في الهواء. كأنه لن يختفي.
“متى ستصدقين أنني أحبكِ؟”
“…….”
“أم أن اعترافي لم يعجبكِ؟”
صمتُّ لأنني لم أستطع سؤاله إن كان واثقًا أنني خياره الأفضل.
كان سؤالاً وُلد من العناد، فاحتفظتُ به في رأسي فقط.
حتى بعد أن عجزتُ عن الرد و لذتُ بالصمت، واصل هو الحركة.
مرّت يده على خدي بحذر، كمن يلمس صفيحة جليدٍ رقيقة، أو قطعة سكر متشققة، فخفضتُ بصري.
“….إليانور صعبةٌ حقًا.”
تبع ذلك تمتمته هذه، مع نظرةٍ كأنها تتحسس جفوني المنسدلة.
إطمئننتُ إلى نبرته التي توحي بأن ذلك بحد ذاته مثير لاهتمامه، ولأن مواجهة عينيه ترهقني، خفضتُ بصري مرةً أخرى.
“تجولي قليلًا بعد. سأدخل أنا أولًا.”
قال ذلك بخفةٍ و مضى. من دون أن يطلب مني الانتظار، و استمر صوت وطء الثلج بينما يعبر الحديقة عائدًا إلى المدخل.
أدرتُ جسدي مجددًا نحو الحديقة. و انحنيتُ و كوّرتُ الثلج ثم رميته عبثًا باتجاه بوابة القصر.
كرة الثلج الصغيرة، كما هو متوقع، لا تفعل شيئًا، وتفككت كأنها لم تُكوَّر قط، وتراكمت فوق السهل الأبيض.
“…….”
فقدان الاهتمام يحدث في لحظة.
ثم حدّقت في البوابة كمن سُحر.
ما وراءها، وِفقًا لكلام إرنست غوين، مكانٌ خطرٌ عليّ، يعجّ بأناسٍ قد يجرّونني إلى غرف نومهم، لكنّه لا يبدو كذلك. لا يبدو خطِرًا ولا مريبًا على الإطلاق.
ومع ذلك، حتى البوابة المفتوحة على مصراعيها لا تهزّ قلبي.
لعل السبب أن النهار ما زال مضيئًا، وأن الثلج لا يهطل الآن. فأينما هربتُ، سيكون من السهل جدًا انكشافي.
“لو همستُ فقط بكلمة أحبكَ، فبغضّ النظر عن صدقها، هناك كثيرون في هذا العالم سيحبونني.”
لم يكن ذلك تبجحًا. ففي كل “وليمة” كان إرنست غوين يقيمها، كان هناك كثيرون يهمسون لي في أماكن لا تصل إليها عينا صاحب القصر، طالبين مني أن أرافقهم.
لكن إن خرجتُ فعلًا. هل سيتركني صاحب القصر، المليء بالموتى والعينات المحنطة، بالتماثيل واللوحات، أهرب هكذا؟
أم كما قال إرنست غوين حقًا،
“إما أن تُسحبي إلى غرفة نوم أحدهم وتُحبسي هناك، أو أن تحافظي على هيئتكِ الحالية إلى الأبد. فهناك من يعتقد أن من لا يعيش، يمكنه أن يبقى جميلًا إلى الأبد.”
ببساطة، إلى الأبد، حتى لو لم أكن حيّة، سأبقى جميلة.
فهل سيحبني حتى وأنا ميتة؟
“بعد أن يُرتّب كل شيء، سأفعل لكِ أي شيءٍ، لذلك أتمنى حتى يتم ترتيب القصر ألا يحدث ما يسبب ضجةً أو يؤذيكِ. مثل اليوم. هل تفهمين قلقي؟”
دانيال، دانيال غوين. قال أنه يريدني، و أنني جميلة، ولذلك يراني مميزة. ولهذا قتل والده وطمع بي.
إن فتحتُ هذا الباب وخرجتُ، هل ستقول أنكَ تحبني؟
“…….”
في النهاية، ترنحتُ عائدة إلى أمام المدخل. وهناك إلتقيتُ بالرجل الذي كان على وشك الخروج إلى الحديقة.
“إليانور؟”
سألني بنبرةٍ مرتبكة، وهو يمسك ببطانية، كأنه كان ينوي أن يضعها على كتفي.
“لماذا عدتِ باكرًا؟”
“….لأن الجو بارد.”
ما إن دخلتُ القصر الدافئ، حتى ذابت وجنتاي ويداي المتجمدتان كأنهما كانتا تنتظران، وأصابني وخزٌ خفيف، وبفضل هذا الإحساس تمكنتُ بالكاد من متابعة الكلام.
“….كانت هذه أول مرة أخرج فيها.”
“يا إلهي. كان ينبغي أن أبقى معكِ حتى لا تضيعي.”
“لن أضيع داخل القصر.”
ظننتُ أنه، كعادته، سيضحك بلطفٍ ضحكةً خفيفة أشبه بالعادة، لكن لسببٍ ما، لاذ بالصمت.
“كحّ.”
سعلتُ قليلًا من أثر البرودة، فأتاني صوته اللطيف كالمعتاد.
و لأنه يقف مسندًا ظهره إلى جدار الممر، لم أستطِع رؤية تعابير وجهه حينها.
_____________________
يمه حسبتها بتطلع ويروح يلحقها زي المجنون 😂
لمسته لها فيها حنيه بس صدق هو يحبها عشان جمالها ولا؟ ما امداه يتعرف عليها عشان يحبها هي كشخص🤡
المهم عادي اهم شي لايسوي لها شي ✨
شكل فيه بذرة حير دامه راح يجيب لها بطانيه بس مشكلته السايكو الي داخله
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"