دخلت إيزابيل مارليير الغرفة بعد أن غادر السيّد. و كان الليل قد تعمّق بالفعل.
نظرت إلى الآنسة التي تخدمها وهي كما هي. فمنذ عودتها إلى الغرفة، وهي جالسةٌ أمام المرآة بلا حراك، تحدّق فيها طويلًا.
لم يكن هذا المشهد غريبًا؛ فقد اعتادت على ذلك منذ صغرها.
وإن كان ثمة ما يختلف عن المعتاد، فهو أن علب المراهم الموضوعة عادةً بأنواعٍ عدّة على طاولة الزينة كانت كلّها مبعثرة. لا بدّ أنه بسبب الجرح في خدّها، أثر أظافر السيّدة.
“…….”
المرأة الجالسة أمام المرآة واصلت دهن الجرح بطبقةٍ رقيقة من المرهم، ثم انتظرت حتى يجفّ، و ثم تعيد دهنه، وتكرّر الأمر بلا توقّف.
“آنستي؟”
حتى حين نادتها بصوتٍ مسموع، لم يأتي أي ردّ، و استمرّت فقط في ما تفعله.
ليس جرحًا يستدعي إحضار طبيب، وحتى لو حضر طبيبٌ وطلب منها التوقّف، فلن تكون ممّن يستمعون.
اختفى جرح إليانور كايل بعد يومين فقط.
ودإليانور كايل، التي تقول إن من الطبيعي أن تُحَبّ لأنها جميلة، كانت قلقةً طوال هذين اليومين.
بسبب ذلك الجرح الصغير لا غير، جرحٌ لا هو كبيرٌ ولا عميقٌ ولا يلفت النظر.
جلست أمام المرآة وتحسّست بأطراف أصابعها الموضع الذي كان فيه الجرح.
لا شيء يُرى، ولا شيء يُلمس. لقد اختفى الجرح بلا أثر خلال يومين. ومع كل ذلك المرهم، فالأمر طبيعي.
لقد كان القصر هادئًا اليوم أيضًا. و يبدو أن إليانور كايل ستتجاوز الغداء أيضًا بعد أن تجاوزت الفطور.
وحين دخلت إيزابيل الغرفة صباحًا لتقترح عليها الإفطار، كانت جالسةً أمام مرآة طاولة الزينة بوجهٍ معتم.
والآن، وقد حان وقت الغداء، لا شيء تغيّر. ستتجاوز الطعام، ولن تلتفت خلفها، وتبقى جالسةً هكذا طوال اليوم.
“….آنستي؟”
إنها مرآة يُنظّفها الخدم كل صباحٍ باجتهاد حتى لا تبقى عليها ذرّة غبار. وهي من أجود المرايا في هذا القصر، إذ يجب أن تعكس الجمال كما هو، بلا أدنى خطأ.
ومع ذلك، فإن صاحبة هذا الجمال لا تستطيع أن ترى جمالها كما يراه الآخرون، إلا عبر مرآةٍ أو في حدقات العيون.
“آنستي، ما زلتِ لا ترغبين بالطعام؟”
“….معدتي ليست بخير.”
ولأن هذا ليس أمرًا يحدث للمرّة الأولى، لم تسأل إيزابيل عن السبب أكثر.
انهارت الجلسة المستقيمة للمرأة، وسحبت قدميها إلى أعلى الأريكة بعد أن خلعت حذاء الغرفة، وتكوّر جسدها.
وإذ نظرت إيزابيل مارليير إلى قدميها الصغيرتين البيضاوين الناعمتين، الخاليتين تمامًا من أيّ مسامير أو خشونة، كانت تفكّر،
إنها شخصٌ شديد الحساسية تجاه موقعه. حتى إن لم تُظهر ذلك، فجذور أفكارها كلّها هناك. أفكارها تدور حول كيف لا تُطرَد، وكيف تظلّ جميلةً على الدوام.
حتى في سنّ يفترض فيه أن تأكل جيدًا، كانت تمتنع عن الطعام كل بضعة أيامٍ بحجّة تغيّر مقاس جسدها.
وفي الأيام التي تضطرّ فيها إلى حضور مأدبة وتفرط في الأكل على غير تخطيط، تطلب إحضار دلو.
وهي، رغم تقيّئها هكذا، كانت تخشى أن تفوح منها رائحةٌ كريهة أو أن يبدو وجهها شاحبًا.
ولذلك، هناك ثلاثة أشياء لا بدّ من توفّرها دائمًا في هذه الغرفة الجميلة. ماءٌ برائحة النعناع، مراهم مخصّصة للجروح، وأشياء يمكن لإليانور أن تدمّرها بلا تردّد.
الجمال لا يُصنع من دون جهد، لكن إيزابيل مارليير كانت تتساءل إن كان هذا القدر من الجهد ضروريًا فعلًا.
‘لأن إليانور جميلة.’ وبالطبع، لامرأةٍ عاشت طوال حياتها فوق هذه الجملة، لا بدّ أن يكون لذلك كلّ هذا المعنى.
حتى في الطابق الثاني من القصر، حبّ السيّد كلّه قائمٌ على هذه الجملة.
“سأخرج الآن.”
لا تزال المرأة الجميلة تبدو خائفةً على نحوٍ ما. أو ربما مستسلمة. لكن خوفها أو غضبها أو استسلامها لم يكن أمرًا نادرًا، لذا اختارت إيزابيل ألّا تعير ذلك اهتمامًا.
وإليانور كايل لن تشعر بخيبة أمل منها. فلو كانت إيزابيل أصلًا شخصًا يجيبها أو يواسيها، لما بقيت في هذا القصر حتى الآن. بل كانت ستُطرَد فورًا بعد أن تهدّئ الطفلة الباكية.
وهكذا خرجت إيزابيل مارليير من الغرفة.
وقبل أن تغادر، يبدو لها أن الظهر الذي تراه متقلّصٌ على نحوٍ ما.
ظلّت تفكّر طويلًا. كلّما حاول النعاس أن يزورها، و امتلأ رأسها بالأفكار. وربما ستفكّر إلى الأبد. لذلك، لم تكن تنام في معظم الليالي.
و السبب واضح. دانيال غوين وحبّه. وربما كان السبب هو الدفء الذي كان عالقًا في عينيه.
ذلك الدفء المجهول، الدفء الذي أمسك بها منذ أيّامٍ ولم يتركها.
استعادت الأمر وتتبّعنه إلى الوراء.
كان ذلك الدفء موجودًا في عينيه حين كان يعرّف السيدة على الحديقة وينظر إلى غرفت إليانور، ثم اختفى فجأةً حين عاد بنظره إلى السيّدة.
لماذا نظر إلى غرفتها بتلك العينين؟ كأنه يقدّرها تقديرًا بالغًا. لا كمجرّد اعتناءٍ بمقتنًى ثمين، بل كما قال هو نفسه، كأنه حقًا يحبّها….
***
يبدو أنّني اطمأننتُ قليلًا. أو لعلّني لم أفعل.
في الحقيقة، قد يكون هذا مجرّد ارتباكٍ غامض، كالذي يلازمني دائمًا منذ وفاة إرنست غوين.
كنتُ أكرّر بصعوبةٍ زفرات النفس وشهيقه، وأتساءل إن كانت الحمّى لم تكن نتيجة ذلك الاضطراب.
….لا أدري. هل صحيح، كما قال، أنّ كلّ هذا مجرّد جزءٍ من الفوضى التي بدأت منذ أن دخل دانيال غوين هذه الخزنة الخضراء؟
وإن كان الأمر كذلك، فهل الحبّ هو الاضطراب؟ لكن الأمر لم يكن كذلك حين كان إرنست موجودًا.
إرنست غوين كان يحبّني فحسب. لأنني جميلة. ولأنّ وجودي وحده كان كافيًا ليُسقِط عليّ الجمال الذي كان يريده.
لم أحتج إلى أي جهد كي أكون جميلةً فأُحَبّ. وهكذا كنتُ جميلةً إلى الأبد. لم يدعني أحدٌ يومًا أشكّ في ذلك.
لكن إرنست غوين مات، ولا أدري. لو طال به العمر لما احتجتُ إلى هذه الحيرة أصلًا.
ولو لم يكن دانيال غوين موجودًا، ولو أخذني معارف إرنست، أولئك الذين كانوا “يحبّونني” بالطريقة نفسها، لما حدث شيءٌ من هذا.
كان إرنست غوين طاعنًا في السن، نعم، لكنه كان معافى. وطوال حياته كان يحبّ جمالي، ولذلك لم يحدث قطّ أنه لم يغفر لي.
وهكذا كان كلّ شيءٍ مسالمًا. لم يتغيّر شيء، فلماذا ينهار كلّ شيءٍ الآن؟
هل هذا الانهيار هو الحبّ الذي كانت إيزابيل تتحدّث عنه؟ ما دام قد انهار، فالمتبقّي هو إعادة التركيب، فهل يكون ذلك هو الحبّ؟
ذلك الذي أختبره للمرّة الأولى بسبب دانيال غوين، والذي يسمّيه هو “حبًّا”، ليس سوى اضطرابٍ وخوف.
“…….”
ولهذا، ربّما، فكّرتُ في الهرب.
لكن صاحب هذا القصر هو دانيال غوين، ومهما لزمتُ غرفتي في الطابق الثاني، إن فتح الباب ودخل، فلن يبقى لي مكانٌ أهرب إليه.
لذلك، ألن يكون التفكير في الخروج إلى الخارج أمرًا طبيعيًا تمامًا؟
“إيزابيل.”
“نعم؟”
“إن خرجتُ الآن، هل سيكون الجوّ باردًا؟”
من مدخل القصر إلى الحديقة، ثم إلى الطريق المؤدّي إلى البوّابة. كانت ظلال الأشجار دائمة الخضرة، بين الرمادي والأخضر، ثابتةً حتى في الشتاء.
حدّقتُ إلى الخارج بلا انقطاع، بينما سألتني إيزابيل بدلًا من أن تجيب.
“….كيف خطر لكِ هذا؟”
“هكذا فقط. فليس لديّ ملابس للخروج.”
النظرة خلف ظهري لا تنوي الرحيل، لكنني أصررتُ على التحديق خارج النافذة. ثم أتاني ردّ إيزابيل متباطئًا.
“إلى أين تنوين الذهاب؟”
“….ماذا؟”
“إلى أين ستذهبين إن خرجتِ؟”
لم يكن لديّ مقصدٌ محدّد، فلم أستطع الإجابة.
فتحدّثت إيزابيل من جديد.
“ستمرضين مجددًا بلا داعٍ. الجوّ بارد، ومن السهل أن تصابي بالحمّى.”
قالت ذلك كأنّ فكرة خروجي لا جدوى منها ولا قيمة لها.
ولم يكن كلامها خطأ، فلم أستطع حتى أن أنزعج، واكتفيتُ بالصمت. كمن لا يستطيع الادّعاء بأن السهم أخطأ وقد أصاب مركز الهدف.
ومع ذلك، كلانا يعرف أنّ عينيّ لم تستطيعا الابتعاد عن النافذة.
***
بعد تلك المحادثة بقليل، استدعاني دانيال غوين إلى خارج الغرفة، كما كان يفعل إرنست غوين من قبل.
و قبل الخروج، قامت إيزابيل بتبديل ملابسي وتهذيب شعري.
خزانة ملابسي، على الأقلّ، لم تتغيّر عمّا كانت عليه قبل موت إرنست، ولذلك فملابسي اليوم أيضًا بيضاء.
“…….”
وحين خرجتُ من الباب، كان دانيال غوين ينتظرني. بقميصٍ كحليّ مشدود، و أزرارٍ من صدفٍ تتلألأ بالبنفسجي، وسروالٍ قطنيّ أبيض.
وبفضل النوافذ الزجاجية ذات الإضاءة الجيّدة، انعكس عليه ضوء الشتاء البارد.
“كنتِ تريدين الخروج، أليس كذلك؟”
“….إن قلتُ أنني أريد الخروج من القصر، هل ستسمح لي؟”
“إن أردتِ الخروج، فأخبريني في أي وقت. أنا لستُ مثل أبي….إلى أي حدّ تشائين. سأحترم رغبة إليانور.”
لم أسمع أنه تلقّى كلامًا من إيزابيل مارليير، ويبدو أنّ سؤالي في تلك الليلة عمّا إذا كان سيسمح لي بالخروج هو السبب الوحيد ليقول ذلك مبتسمًا.
ولأنني لم أرغب في الإشارة هنا إلى أنّه يعلم أيضًا بما دار بيني وبين إيزابيل، ثم أعود أدراجي إلى الغرفة، أومأتُ برأسي فقط.
______________________
واو صدق جا يطلعها فيه خير شكله
اسفة للي قلت لهم هطوف😘
المهم اليانور واثقه من نفسها وجمالها بس عندها هوس في جمالها اي شي يصير تدخل في كآبه شكلها
وايزاييل تدري عن كل شي لدرجك توقعت كل افكارها لذا الدرجة كانت تشوفها بس ماتسوي شي ☹️ يوجع على الاقل طيب تهديها يومها صغيره
معلينا كودهم اخر الروايه يصيرون طبيعيين
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"