عقد دانيال غوين حاجبيه كأنّ الأمور لا تسير وفق ما يريد، ثم لاذ بصمتٍ طويل قبل أن يتمتم.
كان كلامه متّخذًا هيئة حديث النفس، لكنه في الحقيقة سؤال.
“أليس غريبًا أنكِ لا تبدين حزينةً إلى هذا الحدّ على موت أبي، ومع ذلك تتصرّفين وكأنكِ تكرهين تغيّر الوضع؟”
“…….”
“لا بدّ أن الأمر ليس مأساةً خالصة بالنسبة إلى إليانور.”
أين ذهبت صورة الابن الأصغر الذي كان الناس يتهامسون بأنه حظي بحبّ أبيه الوافر، فنال في النهاية أثمن القصور إرثًا؟
“وطبعًا، لا أريد أن أتصرّف وكأنني منقذكِ.”
ذلك الوجه الجميل الذي أشرق بابتسامةٍ فجأة كان مخيفًا.
“لكنني الآن صاحب هذا القصر. أليس من الأفضل أن تكوني لطيفةً معي؟”
عند سماع تلك الكلمات، خطر لي فهمٌ مبهم.
أهو شعورٌ بالنصر؟ فالآن، إن شاء، يستطيع أن يضع يده على أكثر ما كان أبوه يعتزّ به، ويتصرّف به كما يحلو له.
إحساسٌ بالهزيمة تجاه الأب، ودونية، وفقدٌ التصق بالروح. ومع ذلك، ما زال يطمح إلى الكمال.
يبدو جميلًا، لكن قاعه قبيحٌ ومثيرٌ للشفقة.
“…….”
في النهاية، عجزتُ عن الصمود و ناديته.
“دانيال.”
غدت ملامحه ملتبسة. هذا الرجل الذي كان يحدّق بي طويلًا بينما أرمشُ بعيني، ابتسم بخفّةٍ في النهاية وسأل،
“أخيرًا رغبتِ في مناداتي باسمي؟”
فكّرتُ مرارًا، لكنني لا أستطيع فهمه.
هل لأنني جميلة فحسب؟ هل كان كل شيءٍ في هذا الإطار هو الحبّ؟ وإن كان كذلك، فكم ستسمح لي بالبقاء؟
ثم ابتسمتُ ابتسامةً باهتة و تحدّثت،
“….إن قلتُ أنني أريد الخروج من القصر، هل ستسمح لي؟”
نظر إليّ بعينين مغمضتين قليلًا، ثم كأنه جمع ما في داخله، ابتسم بهدوءٍ و أجاب،
“إن أردتِ الخروج من القصر، أخبريني في أي وقت. أنا لستُ مثل أبي….، سأخرجكِ إلى أي حدّ تشائين. و سأحترم رغبة إليانور.”
لم أحاول أن أستقصي معنى الصمت الذي تخلّل الجملة، وأجبتُ بنبرةٍ ساخرة لأنني لم أستطع تصديق هذا الجواب السهل الواثق.
“هذا لطفٌ منكَ.”
لكن، على افتراض أنه كان يصغي إلى كل كلمةٍ قلتُها، راودني شكّ، أو يقين، بأن مجيئه المستعجل وضغطه عليّ هكذا كان بسبب كل ما حملته كلماتي من قبل من معنى “أريد الخروج”.
“حتى لو كان الخارج خطرًا، فمهمّتي أن أجعله غير خطر، أليس كذلك؟”
ثم تمتم متابعًا.
“لم أكن أعلم أن إليانور ترغب إلى هذا الحدّ في الخروج من القصر.”
“لأنني لم أخرج من قبل.”
“يا للعجب. اكتشفتُ هذا الآن. أنا آسف. كان يجب أن ألاحظ ذلك منذ وقتٍ طويل.”
ثم أضاف بنبرةٍ تمزح.
“الجوّ باردٌ الآن، فلنخرج حين يدفأ الطقس. و إلى ذلك الحين، هلّا تكتفين بالبيت الزجاجي؟”
“…….”
“الخارج باردٌ وخطِر، ثم إن جسدكِ ضعيفٌ يا إليانور.”
وأنا أستمع إلى تلك الجملة التي يقول كأنها ليست تهديدًا، رفعتُ نظري لألتقي بعينيه.
أليس معنى كلامه في النهاية: لا تخرجي؟
“….هل تريد دميةً تجلس في الغرفة وتنتظركَ فقط؟”
يبدو أن سؤالي لم يَرُق له، ومع ذلك لا يزال، على حاله، يبتسم وينظر إليّ، مواصلًا الحديث.
“إليانور، أظنّكِ أسأتِ فهم ما قلتُ.”
“أنا فقط، كنتُ أسأل.”
“نعم، ولذلك أجيبكِ الآن.”
قال ذلك ثم حدّق فيّ بصمت، بعينين ازداد عمقهما. و انعكس الضوء القرمزي للمصباح الموضوع خلفي كاملًا على وجهه.
و بينما كنتُ أواجه تعبيرًا غريبًا فكرتُ.
‘إنه يشبه أباه.’
ثم ارتجفت شفتاي قليلاً.
لا، هل يشبهه حقًا؟ إرنست غوين لم ينظر إليّ يومًا بتلك الحرارة، ولا بتلك النظرة.
“إليانور. أنا فقط أحبّكِ. أحبّكِ حبًا خاصًا، وأريد أن أقدّركِ وأعاملكِ بعناية.”
تلك الجملة التي تُهمَس لي وكأنني لا أفهم معنى الحبّ، كانت غريبة. تمامًا كالدِّفء العالق في عينيه.
“بعد أن يُنظَّم كل شيء، سأفعل لأجلكِ أيّ شيء، لكن إلى أن يُرتَّب أمر القصر، أتمنّى ألّا تحدث أمورٌ مزعجة أو سيئة. مثل اليوم. هل تفهمين قلقي؟”
“…….”
حين اكتفيتُ بعضّ شفتيّ بصمت، أعاد ارتداء الابتسامة التي كان قد محاها، و تابع بهدوء.
“إليانور، لا أريد أن أتشاجر معكِ. مهما كان ما شعرتِ به، لم تكن تلك نيّتي.”
تردّد قليلًا كأنه سيكمل، ثم توقّف و غيّر الموضوع.
“أنا آسف. لم أكن ألومكِ. لكنكِ دائمًا تجعلينني أفقد هدوئي. كان ذلك نكدًا بلا داعٍ. نكدًا لأنني شعرتُ أنكِ تسيئين فهم كلامي.”
انفلتت منه زفرةٌ خافتة، ثم تابع بصوتٍ هادئ.
“لا تتلقّي الأمور بحساسيةٍ مفرطة من تلقاء نفسكِ، انظري إليّ الآن، وثقي بي. هل قلتُ يومًا أنني سأطردكِ أولًا؟ ألم آتِ أبحث عنكِ حتى النهاية؟”
ما زال لم يتركني، بل كان يمسك بي بقوّةٍ محسوبة، لا تترك أثرًا.
“….نعم. إذا كان الشيء محبوبًا وجميلًا بما يكفي ليُحَبّ، فهو شيءٌ ذو قيمة. ولذلك يُبقيه المرء في هذا القصر ويعتني به. هذا ما كان أبي يفكّر فيه فقط.”
“….حقًا؟”
“نعم، إليانور. لا بدّ أنكِ تعرفين تمامًا ما الذي يدور في ذهني.”
بينما لا يزال ينظر إليّ، ابتسم دانيال غوين كما لو كان مرسومًا، كصبيّ خجول.
“إن أردتِ، أستطيع أن أتوسّل قدر ما تشائين، وفي أي وقت، فلا تشكّي بي، إليانور.”
‘إن كنتَ تحبّني، فسأظلّ جميلةً في عينيكَ إلى الأبد.’
راقبته بصمت. و حدّقتُ فيه بشكلٍ عميق، كأنني أبحث عن الحبّ في عينيه.
“لا داعي لإعادة حديثٍ لا حاجة لتكراره، لذا سأقولها للمرة الأخيرة….لا تحاولي اختباري.”
اشتدّت يده التي تمسكني مجددًا. لك لم يؤلم، ولن يترك أثرًا.
“يكفي أن تعرفي أن الشكّ بلا جدوى. فأنا أعتني بإليانور عنايةً كبيرة.”
لكنني سأظلّ طوال الليل أتحسّس هذا الإحساس، على أمل أن أجد فيه ولو جزءًا مما أبحث عنه.
“ومن ذا الذي لا يمكنه أن يحبّ إليانور الجميلة؟”
في نهاية هذا الحوار، يبدو أن أيّ شيءٍ سيصبح غير ذي أهمية. حتى لو همس لي صاحب القصر بالحبّ، وحتى لو كان كلّه كذبًا.
ثم سألتُ بسذاجة.
“هل ستعتني بي؟”
“قلتُ ذلك مرارًا، بالطبع.”
“أكثر من باقي مقتنيات القصر؟”
وقد أجابني بهدوء، رغم ملامحه التي توحي بأن السؤال غريب.
“بالطبع، إليانور. لكن أنتِ لستِ مقتنًى.”
‘إذاً، هل شطب اسمي من قائمة مقتنيات إرنست؟’
لم أجرؤ على السؤال، فانتقلتُ إلى سؤالٍ آخر.
“….هل هناك سببٌ خاص يجعلكَ تجمع المقتنيات وتعتني بها؟”
“لأنها نادرةٌ وجميلة، فتجعل مالكها كذلك. وأحيانًا، يصبح المقتنى عديم القيمة ثمينًا بسبب صاحبه.”
“….هل رأيتَ مثل ذلك من قبل؟”
“نعم، هناك امرأةٌ سيئة الطبع. تحتضن تمثالًا لا قيمة له، ولا تُريه لأحد.”
قطّب جبينه، كأنه يتذكّر شخصًا أحمق، و تمتم متابعًا.
“يقول الناس أن من نحت ذلك التمثال ظلّ يهمس لها بالحبّ حتى النهاية….لكن اعتبار تلك الكتلة الحجرية البائسة ذات قيمةٍ فقط لأن المرأة السيئة الطبع، التي كانت مجرّد نموذج، احتفظت بها لاحقًا، هو تصرّفٌ أحمق.”
يبدو أنه يرى عنادها ضربًا من الغرور، بينما أنا، وأنا أقف أمامه بصمت، أفكّر أن تصرّفها قد يكون حبًّا.
لقد انتظرت فقط. لا أعرف ما الذي كانت تنتظر. لكن يبدو أن ما كانت تنتظره لم يأتِ.
“على أي حال، إليانور. لم آتِ إلى هنا لسببٍ خاص أو معقّد. أردتُ فقط أن أراكِ، وكنتُ قلقًا عليكِ.”
تحدّث بنبرةٍ عادية، كأن الأمر لا يحمل شيئًا مميّزًا. عندها فقط شعرتُ بقليل من الاطمئنان.
“سأغادر الآن. أحلامًا سعيدة.”
لم يقلها صراحة، لكنه يحبّني. ولذلك لم يكن غاضبًا منّي.
وإن كنتُ جميلة، فسيظلّ يسامحني إلى الأبد.
“….نعم، ليلةٌ سعيدة.”
ما إن غادر دانيال غوين، حتى دخلت إيزابيل مارليير إلى الغرفة، كأنها كانت تنتظر.
و ما زلتُ جالسةً أمام طاولة الزينة، و حرّكتُ عينيّ فقط لأراها.
كنتُ أريد أن أقول شيئًا، لكن لأن داخلي كان صاخبًا، لم أستطع في النهاية أن أنطق بشيء. وهي أيضًا لم تقل لي شيئًا مميّزًا.
_______________________
الي صدق انه بيخليها تطلع صدق تراكم هطوف مستحيل يخليها تطلع بلا يسوي يعنني انا غير عن ابوي
يعطيها الامان ثم بيصدمها بهوسه انتظروا بس✨
اهم شي مب توكسيك مافيه تصنيف دارك رومانس اصلا✨
المهم حسّبته هداها شوي بس الحين تقول داخلها فوضى؟ واصح ماصدقته 😂
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"