لم يمضِ وقتٌ طويل حتى انفتح الباب من جديدٍ على نحوٍ عاجل.
أظنّ أن إيزابيل قد عادت، فرفعتُ رأسي المنكّس و نظرتُ نحو الباب، لكن الواقف هناك كان دانيال غوين.
“إليانور.”
تقدّم بخطواتٍ واسعة، ثم و قف إلى جواري وأنا ما زلتُ جالسةً أمام طاولة الزينة.
استدرتُ بجسدي نحوه. ومن خلفه، عبر الباب المفتوح، تماوج الممرّ مظلم.
“قابلتِ والدتي، أليس كذلك؟”
سألني وهو يقبض على ذراعي بتعبيرٍ لا يمكن قراءة ما في داخله، رغم أن وجهه غير مغطّى بالظل.
“…….”
حين إلتزمتُ الصمت للحظة، اشتدّت القبضة حول ذراعي. ومع ذلك، فالألم لا يبلغ حدّ ما كانت تفعله السيدة، ولا يترك أثرًا ضاغطًا.
فحدّقتُ في يده بهدوء، ثم توقّفتُ عن التفكير وأجته.
“….هل سمعتَ أنني تصرّفتُ بوقاحة؟”
“أتظنين أنني جئتُ إلى هنا فقط لأوبّخكِ على ذلك؟”
“وإن لم يكن للتوبيخ، فلماذا جئتَ؟”
“هل يحتاج المجيء لرؤيتكِ إلى سبب؟ وإن كان لا بدّ من سبب، فلنقل أنني أردتُ رؤيتكِ فقط.”
“…….”
“يبدو أنكِ لا تصدّقينني.”
عبس جبيني لا إراديًا ثم أرخيته، لكن يبدو أن الرجل قد لاحظ ذلك كلّه. و كأن نظرته صارت أكثر حدّةً قليلًا، ومع ذلك ابتسم.
“حسنًا، فلنتحدّث بصراحة.”
خرج صوتهٌ ناعم، لكنه يحمل مسحةً من السخرية. أو لعلّني أنا من شعرتُ بذلك فقط.
“هل تعتقدين أنني قتلتُ أبي لأنني أردتُ هذا القصر؟ أم أنني فعلتُ تلك الفعلة المروّعة بطلبٍ من أحد، ونلتُ هذا القصر ثمنًا لها؟”
“….أليست القصتان في النهاية واحدة؟”
“آه، بحقكِ.”
كان لا يزال ممسكًا بذراعي، واقفًا قريبًا جدًا، يميل برأسه نحوي ويتحدّث ببطء.
لا أعلم ما الذي يزعجه إلى هذا الحد. ألم يكن يريد هذا القصر؟ وإن لم يكن، فماذا كان يريد إذاً؟
“ألن تعترفي بحقيقة أنني أحبّكِ يا إليانور؟”
“…….”
“هل يجب أن أركع وأتوسّل كي تصدّقي؟”
“….لم يكن هذا قصدي. أنا فقط—.”
أطبقتُ فمي. بينما كان هو ينتظر. فأنا لم أفهم. لماذا يهمس هذا الرجل بالحبّ على هواه، ثم يفرض عليّ أن أصدّقه؟
“…….”
كونت غوين الحالي، الذي واجهتُه في الماضي، كان يتصرّف وكأنه سئم من أخيه الأصغر الواقف أمامي الآن.
كما لو كان يراه من أولئك البشر الذين يحتضنون قلعة رملٍ آيلةٌ للانهيار ويعتنون بها بحرصٍ أحمق.
وكنتُ أظنّ أن ذلك الحكم لم يكن خاطئًا كثيرًا. فعلى عكس ما يشبه أباه، هذا رجلٌ يتظاهر بالكمال ويسعى لامتلاك قلوب الناس.
حتى لو ابتسم دانيال غوين لي كصبيّ ساذج لا يفهم شيئًا، وسألني عن لقبٍ دلع، وهمس بالحبّ، فمن المؤكّد أن جوهره ليس كذلك.
فهو، رغم سؤاله عن لقبٍ لي، لا يناديني به أبدًا. هو نفسه من قال “هل كان أبي يناديكِ إليانور؟ أم إيلي، نورا، نورين، إيلا؟” في اليوم السابق.
كنتُ على وشك أن ألوّي وجهي من الألم في ذراعي، لكن فكرةً خطرت لي فجأة، فواجهتُ وجه الرجل بوضوحٍ وفتحتُ فمي.
فعلى الرجل أن يثبت ما قاله.
“لكن، يا دانيال غوين.”
تجمّد تعبيره قليلًا. و اشتدّت القبضة على ذراعي مرةً أخرى.
“آه، أعتذر، ولكن ماذا عليّ أن أناديكَ؟ ….أنتَ لستَ ‘الكونت’، أليس كذلك؟ على عكس إرنست.”
ومع إلحاقي لهذه الجملة، رأيتُ ملامحه الأنيقة تلتوي قليلًا. وسرعان ما أرخِي يده و أجاب.
“….الجواب الصحيح هو أن تناديني بما تشائين، يا إليانور.”
“آسفة. هل ستسامحني على خطئي؟”
“لا تتحدّثي عن المسامحة، إليانور. أظنّكِ تذكرين ما قلتُه سابقًا، لكنني سأقوله مرةً أخرى.”
سحب كلامًا من الماضي و غيّر الموضوع. يبدو أنه لا يرغب في الحديث أكثر عن الألقاب.
“ما رأيكِ بدانيال؟ أو حتى لقب دلع.”
“من اليوم فصاعدًا، سأقول ‘دانيال’.”
خفضتُ نظري إلى موضع زرّه الثاني.
‘لا تتحدّثي عن المسامحة.’ هل يعني أن الأمر لا يستدعي اعتذارًا أصلًا، أم أنه لن يسامح؟
“دان، أم داني؟”
“…….”
“ناديني كما تشائين.”
ذلك الرجل الذي كان يتحدّث كما لو أنه يحبّني، ويقترح ألقاب الدلع، بدا أنه لم يُسرّ بما قلته عن كونه ليس كونتًا وصمتي الآن.
وفي النهاية، وهو يعاود تشويه ابتسامته، تحدّث.
“لا تتصرّفي وكأنكِ تختبرينني، إليانور.”
لكن، كيف لي أن أصدّق؟
“أنتِ جميلة. أيّ شخصٍ في هذا العالم سيقع في حبّكِ.”
أمسكت يده الحذرة بذقني، وبسبب اقترابه الشديد ى رأيتُه بنظرٍ مشوّش.
وهو يقول ذلك، ابتسم ابتسامةً خفيفة.
“وبالطبع، أكثر من يحبّكِ هو أنا.”
التقت عيناه بعيني ثم انخفضتا إلى الأسفل.
تلك الحركة السلسة توقّفت في منتصفها لحظة، ثم تتابعت، وفي تلك اللحظة تمتم.
“هناك جرح.”
النظرة التي كانت تتلمّس محيط الجرح انسحبت بلا تردّد، و كلّمني متظاهرًا باللامبالاة، بينما عيناه ليستا كذلك.
ومع ذلك، لم يضع أي قوّةٍ في يده. و رغم هذا اللمس الحذر إلى هذا الحد، ضاقت نفسي.
مرّت مدةٌ تعادل رمش العين عدّة مرات. و من مسافةٍ تقارب شبرًا ونصف، نظر إليّ رجلٌ لا يمكن قراءة ما في داخله، ويناديني باستغراب.
“….إليانور؟”
كنتُ أننفس وأستعيد النفس الذي كنتُ قد حبسته. بينما كان جسدي يرتجف.
‘أنا جميلة حتى مع هذا الجرح التافه.’
لم أستطِع إخفاء تعابير وجهي المتشوّهة. و لا أعرف سبب هذا الارتعاش. لكن هو، الذي لا يزال ممسكًا بي، لا بدّ أنه يعرف.
ثم تمتم دانيال غوين، وهو ينظر إليّ باستغراب.
“لا يبدو مؤلمًا….هل تشعرين بالقلق؟”
تلاقت أعيننا. فأرختُ القوّة التي كنتُ أضغط بها على داخل خدي بأسناني. بينما يده التي لا تزال تمسك بذقني اشتدّت قليلًا.
“لماذا؟”
سأل وكأنه حقًا لا يفهم.
“ما الذي يقلقكِ إلى هذا الحد؟”
إلتوت عيناه بعدم رضا وهو يواجه نظرتي المرتجفة.
وبعد صمتٍ طويل، يبدو أنه توصّل إلى الإجابة. فأفلت اليد التي كانت تمسكني. و صرتُ حرّة، لكنني لم أتحرّر من شعور الأسر. فما زالت نظراتنا متشابكة.
“….لماذا القلق؟ أتظنين أنني سأوبّخكِ أو أتوقّف عن حبّكِ بسبب جرحٍ كهذا؟ أما زلتِ لا تثقين بمشاعري؟”
لم أستطع أن أجيب بنعم، ولا بلا. فالكلمات التي كان يهمس بها الخدم المطرودون الآن، أولئك الذين قالوا أنهم يفعلون ذلك لأجلي، كانت واحدة.
‘آنسة هذا القصر’، إليانور التي لا تنتمي لكَ ولا لي ولا لهم. إليانور الجميلة.
هل يكفي هذا الجمال حقًا؟
“أنتِ تعرفين أيضًا أنني لا أنوي طردكِ، فلماذا كل هذا القلق؟”
لا أعلم، لكن إن كان لا بدّ من جواب، فالأمر لا يهم، فقد كان كل شيءٍ على ما يرامٍ حتى الآن.
عند بعض الناس، الجمال والحبّ يحملان المعنى نفسه. لكن حياتي بُنيت على تلك الصخرة. لذلك لم أكن خائفة. حتى لو كان الحبّ بسبب المظهر فقط، فلا سبب للخوف.
لكن، حقًا لما؟ لا أدري. لا أستطيع طرد هذا القلق.
بعد أن اقتنعت، انقلب كل شيءٍ في لحظة.
دانيال غوين مختلفٌ عن أبيه. هو شابّ وجميل. ولذلك ربما يتغيّر. مثل هذا القصر الذي تغيّر عشرات المرّات منذ أن دخل إليه. ولهذا أشعر بالارتباك.
فأيّ صورةٍ من ‘إليانور كايل’ التي يحبّها يراها الأجمل؟ ماذا عليّ أن أفعل لأبدو جميلةً في عينيه؟
لأنه يحبّني حين أكون جميلة. فهل السعي لأن أبدو جميلةً هو أيضًا حبّ؟
ثم قطعتُ أفكاري.
الجمال، وإن كان عفوًا مؤقّتًا، يظلّ سببًا يمنحه أحدهم للحبّ. كما قالت أمّه، وكما قلتُ أنا لها.
“….إليانور تحتاج إلى وقتٍ طويل.”
قال ذلك، ثم تابع متوسّلًا إليّ ألا أغرق في شكوكي، وأن أنظر إلى صدقه، وأن أراه كما هو. لأنه يحبّني.
يحبّني إلى درجة أنه يأتي إليّ أولًا، ويهمس لي بالحبّ، ويمكنه حتى أن يركع إن أردتُ.
“لا تشكّي في حبّي. ربما لأنني لم أُحسن منحكِ الثقة….لكن مع ذلك.”
ربما كان الشكّ في كلامه خطأً منّي. لكنه كان أمرًا لا مفرّ منه.
“….حقًا؟”
ومع السؤال، تلاقت أعيننا.
“إليانور، هل هناك ما تودّين قوله؟”
يبدو أنه لاحظ تقلّصي حين التقت أعيننا، فتابع بلطفٍ كمن يهدّئ.
“يبدو الأمر وكأنني أهدّدكِ لتجبري نفسكِ على حبّي.”
“…….”
“آه، صحيح. ما رأيتِه تلك الليلة لا يمكن إنكاره. هل ظننتِه تهديدًا؟ لكن من الصحيح أيضًا أنني تسلّلتُ إلى هنا، وأنني أردتُكِ وأردتُ هذا القصر.”
لم أفهم كلامه. ولم أستطِع التمييز إن كان ذلك بسبب الخوف الذي لا يفارق رأسي، أم بسبب هذا الارتباك الذي يحيط بالموقف.
___________________
ذاه قاعد يعترف انه قتل ابوه؟🤡
يعني هو قد شاف اليانور قبل ذيك الليله وحبها ورجع عشانها بس متى؟ مب انها اول مره تشوفه هناك؟
المهم شكله صدق مخلي امه تروح لها عشان يجي يقولها انا احبس ولاتخافين وكذا؟ بس ماظني حسب حساب الجرح 🌝
وخوفها من انه يطردها عشان جمالها صدق واو مرض ✨كلهم مريضين✨
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"