في كل مرة ترمش فيها، تتحرّك رموشها الطويلة كأجنحة.
جسدٌ ذو تشكيلٍ كامل، كأنه تحفةٌ خالدة لشخصٍ ما،كأنه نُحت بعنايةٍ وبذل فيه جهد القلب.
حتى لونها نادر، فتبدو غير بشريةٍ في هيئتها.
بشرةٌ شاحبة شفافة تكاد تُرى من خلالها العروق، ومع ذلك توردّت الوجنتان بلون الدم، وتلوّنت الشفاه بالوردي.
جسدٌ لا يصيبه خدشٌ واحد مهما رُميت الأشياء وكُسرت وعُبث بها، وأطراف أصابع لم تتلطخ مرةً واحدة بعصارة العشب مهما اقتُلعت نباتات الحديقة ودُهست.
دخلت إيزابيل مارليير من الباب وألقت نظرةً حولها. وعند وقع خطواتها استفاقت المرأة من شرودها، وأدركت وجود إيزابيل ففتحت فمها.
خرج صوتٌ لم يخالطه أدنى صريرٍ معدني، على الرغم من كثرة الليالي التي صرخت وبكت فيها حتى الصباح في طفولتها.
“هلّا رتبتِ الغرفة؟”
كانت هناك مرآةٌ دائرية للزينة معلقة على الجدار قد تحطمت في منتصف أرض الغرفة. وتناثرت شظاياها في كل المكان، و لمعت بشكلٍ يبعث على الدوار، كأن الضوء نفسه قد تكسّر. لقد تحطمت تمامًا حتى لم تعد تعكس صورةً مكتملة.
وإلى جانب ذلك، نباتاتٌ مزهرة قُطعت ومُزقت، و وسادةٌ مشقوقة لفظت الريش الذي بداخلها بصعوبة، وقطعٌ من ثوبٍ أبيض ممزق متشابكةٌ مع شظايا المرآة.
ورغم هذا الخراب الذي عم الغرفة، فإن كل ما كان ثمينًا أو مما اختاره مالك القصر السابق بعنايةٍ وأدخله إلى هذه الغرفة ظل سليمًا، فشعرت إيزابيل بشيءٍ من الشفقة، لكنها سرعان ما جمعتها وأخفتها.
“….سمعت أنكِ التقيتِ بالسيد اليوم؟”
“خرجتُ فكان بانتظاري.”
“وإلى أين كنتِ تنوين الذهاب؟”
“فقط،لأنكِ لم تكوني هنا.”
أجابت المرأة بهدوء.
“…….”
لكن على عكس هدوء المرأتين، بدا الخادم الذي تبعتهما من المدخل وكأنه فقد القدرة على الكلام حين رأى الغرفة.
وكانت إيزابيل مارليير قادرة على قراءةً ما يدور في رؤوسهم كأنها تنظر داخلها.
إنه أمرٌ غريب. حتى إيزابيل نفسها تشعر بالقشعريرة أحيانًا.
الغرفة في فوضى عارمة، لكن إليانور كايل، المسؤولة عن ذلك، لا تزال جميلة.
جمالها لا يبدو وكأنه يفكر في الذبول أو التراجع. و إظهار هذا الجمال وحده هو عادتها وحياتها.
بل يكاد يكون غرورًا. فهي تعلم أنها تظل جميلةً حتى بعد أن حطمت كل شيء، وتعرض ذلك بلا ترددٍ أمام الخدم. ولو ظنت أنها لن تبدو جميلة، لما سمحت بفتح الباب.
“على أي حال، يجب أن أجلس في مكانٍ يسهل فيه التنظيف―.”
طَرق-
تحركت إليانور كايل بخطوة. وتحت نعل حذائها الداخلي تحطمت الأشياء التي كانت قد دمرتها.
لن تعتذر ولن تبرر، ولا أحد سيوبخها. لأن ما كان جميلًا لا يزال جميلًا. لم يفسد.
“هل الآنسة هي حبيبة السيد؟”
هذا السؤال الساذج الذي اعتاد الخدم الحمقى طرحه منذ زمن ولا يزالون، لم تكن إيزابيل مارليير تجيب عنه أبدًا.
أولئك الذين يطرحون مثل هذا السؤال، سرعان ما يكتشفون حقيقة الجمال ويفرّون من آنسة القصر، أو من القصر ذاته، أو من صاحبه. هكذا كان الأمر دائمًا.
“…….”
بدأت إيزابيل بصمتٍ ترتيب الغرفة المبعثرة.
بدت الفوضى صاخبة في المظهر فقط، لكنها بلا مضمونٍ حقيقي، لذا لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا.
السرير وطاولة الزينة سليمتان. فهما أثاثان باهظا الثمن، وفوق ذلك، لو لم تكن هذه الغرفة موجودةً لما وجدت إليانور كايل مكانًا تنام فيه.
القصر المسموح لها به هو الطابق الثاني فقط، وفي الطابق الثاني لا توجد سوى غرفة نومٍ واحدة.
ثم إن هذه المرأة الحساسة ما إن تغيّر فراشها فمن المؤكد أنها ستعاني من الأرق.
***
كنتُ أراقب إيزابيل مارليير وهي ترتب الغرفة، ثم سألتها.
“هل أمركِ سيدكِ بمراقبة لياليّ؟”
‘لكن، إيزابيل.كيف سمعتِ حديثي أثناء النوم؟’
كان امتدادًا لحديثٍ سابق، لكنها على الأرجح شعرت أنه بلا سياقٍ أو تمهيد.
ومع ذلك، أجلستني إيزابيل مارليير أمام طاولة الزينة وأجابت بحكمة.
“لأنه كان قلقًا على الآنسة.”
“….لماذا؟”
“لأن السيد أبدى اهتمامه بالآنسة منذ اليوم الأول لدخوله القصر. وكان قلقًا من أن لياليكِ لا تبدو هادئة.”
وبهذا المعنى، وكأنها تقول إن ذلك القلق هو حب، قامت بتبديل ملابسي إلى ثياب النوم.
المالك السابق، والمالك الجديد، لا يختلفان. بأي سبب وبأي طريقة، الجميع يحب إليانور كايل. ويبدو أن هذا وحده هو الأمر المهم بالنسبة لها.
‘إرنست كان كذلك أيضًا.’
تذكرت إرنست غوين الذي استقر في الملحق ولم يعد، وكذلك بعض مقتنياته التي نُقلت إلى القصر الرئيسي بحجة أنه لا يليق بالمكان.
ماذا كان يفكر به أبناء إرنست غوين وهم يرون تلك المقتنيات الجميلة التي دفع بها والدهم إلى القصر الرئيسي كأنها أُلقيت هناك؟
هل كانوا يفكرون بأنه سيأتي يومٌ يرمون فيه كل شيء، حتى أثمن ما استقر وحيدًا في هذا القصر، من دون تردد؟
أم أنهم كانوا يفكرون بأنهم سيملكون يومًا ما تلك الأشياء الجميلة التي أسرت أباهم؟
وبينما كنتُ غارقةً في التفكير، قدمت لي إيزابيل دواءً مع الماء. و حتى بعد ابتلاعه، لم تنقطع أفكاري.
“…….”
يقال أن كونت غوين الجديد تخلّى عن كل ذلك.
على الرغم من كونها أشياء باهظة الثمن، فقد تراكمت كالنفايات أمام القصر وتركها مهملةً ثم تخلص منها. لكن دانيال غوين ليس كذلك.
أخذتني إيزابيل إلى السرير. ورغم أن الشمس لم تغرب بعد، فقد تبعتها فحسب.
وبينما أستلقي على السرير ،واصلت إيزابيل حديثها أمامي.
“….الكونت كان يريد الآنسة التي داخل القصر.”
“…….”
“لكن السيد الحالي يريدكِ أنتِ فحسب.”
“….لأجلي حاول امتلاك هذا القصر، وانتهى به الأمر كذلك؟”
فكرّت إيزابيل مارليير قليلاً.
ذلك هو دليل الحب كما تعرفه إليانور كايل. أن يُرغب بها، وأن تُمتلَك، وأن تُثمَّن على هواهم، وألا تُعرَض بسهولةٍ أمام الآخرين.
حبٌ استمر حتى الآن، لكن لو سُئلت إليانور كايل إن كانت تريده، لما استطاعت الإجابة بسهولة.
ولذلك تعيد السؤال، بدهشةٍ وبلا تصديق.
“إذًا هذا يعني أنه يحبني؟ في النهاية هو فقط أراد امتلاكي، أليس كذلك؟”
بعد وفاة والده، حصل دانيال غوين على القصر. هذا القصر وحده.
ورغم أنه لا يرقى إلى الكونت الجديد، إلا أنه سيعيش في رفاهيةٍ طوال حياته وأكثر.
ومع ذلك، يبدو وكأنه لا يزال ينقصه شيء.كأن هناك ما يريده أكثر.
ولمن يعود هذا النقص؟ قطعة مقتنياتٍ مسكينة، محبوبة فقط لأنها جميلة، متغطرسة بذلك، ومع ذلك لا تعرف ما هو الحب حقًا. ومع هذا، تتوق غريزيًا إلى حب حقيقي لم تختبره من قبل….إليانور كايل الحمقاء.
ابتلعت إيزابيل مارليير أفكارًا لا تستطيع قولها، و توجهت إلى من استلقت في السرير تحت الغطاء، ونطقت بجملةٍ تبدو مناسبة.
“الحب هو أن ترغب في الطرف الآخر. أحيانًا لا تريد أن تُريه للناس، وأحيانًا تريد التفاخر به، لكن في النهاية هو الرغبة في البقاء معًا دائمًا.”
“هذا مختلفٌ تمامًا.”
“وأن تتمنى أن يكون الطرف الآخر سعيدًا.”
“…….”
اشتدت تلك النظر البنفسجية. وبنبرة ضجر، وكأن أمرًا ما قد حدث، ردّت.
“تقولين أنه حب ثم يتصرف بتلك الطريقة؟ يتظاهر بالألفة و يتصرف وكأنه يختبرني بسلوكٍ مريب.”
وبعد أن قالت ذلك، بدت عليها ملامح الندم المتأخر. لا بد لأنها تعلم أن كل ما سمعته إيزابيل سيصل إليه.
فابتلعت إبزابيل تنهيدةً وأجابت.
“لا أدري، لكن أمرًا واحدًا مؤكدًا، عندما تبدأ بالحب تشعر وكأن عالمكَ ينهار ثم يُعاد بناؤه من جديد. ولهذا يكون الأمر مربكًا ومخيفًا.”
رمشت إليانور بعينيها الموشكتين على الإغلاق. و بدت وكأنها تفكر، ثم تمتمت.
“….يبدو وكأنه سينهار فعلًا.”
وبينما تتمتم هكذا، غفت في النهاية كأنها فقدت الوعي.
تحسست إيزابيل مارليير إن كان من بين الأدوية التي تناولتها اليوم ما هو غريب. منبهات، أو مسكنات مخدِّرة، أو منومات.
لكن بجانب المرأة الواهنة كانت تلك الأنواع من الأدوية موجودةً دائمًا، ففشلت في تضييق دائرة الشك.
على أي حال، كانت على وشك أن تخبر الطبيب بأن مفعول الدواء اليوم كان مفرطًا بعض الشيء، ثم تتراجع.
وما المشكلة؟ فهي تتلقى رعايةً منتظمة مرة كل شهر، ولن تسوء حالتها. والسيد لن يسمح لها أن تتحطم.
بأي طريقةٍ كانت، ستظل جميلةً حتى النهاية.
بعد خروجها من الغرفة، اُستدعيت إيزابيل من قبل السيد الشاب.
“….هل تحطمت أشياء الغرفة؟”
غير قادرةٍ على القول إن إليانور كايل قد عاثت فسادًا، طأطئ رأسها بصمت. والنظرة العسلية التي كانت تراقبها بهدوء انحنت في ابتسامة.
“لا بأس.يمكن شراء الأشياء من جديد.”
ما يعلو وجه السيد وهو يبتسم ليس تسامحًا ولا غفرانًا ولا سعة صدر.
‘….لكن،لماذا لا يبدو معجبًا بها؟كأنه لا يصدقها حتى.’
وفي النهاية، أنزلت إيزابيل مارليير بصرها.
______________________
تدوخني المؤلفه وهي تدخل افكارهم ببعض بس عادي اهم شي الحبكة✨
ايزابيل ذي كأنها العاقل الي مسوي نفسه مايدري عن اي شي يصير حوله صدق متكتمه وبلا في شغلها ولا تتأثر ولا شي
بس عنها تقول اليانور الحمقاء🌝 وصفها لإليانور حلو الصدق
المهم شكلها ماخذه التكسير روتين لا اليزابيث ولا دانيال مستغربين وهذا دليل انه مجنون ويراقب من قبل✨
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"