من دون أن يتفوّه بكلمة اعتذار، أمسك طرف ثوبي بسهولةٍ و رفعه.
“…….”
عيناه الكهرمانيتان كانت تحملان ابتسامةً غامضة لا يُفهم معناها، ومن دون أن ينتظر جوابًا، جمع طرف تنورتي بيده. ثم دفع ما جمعه داخل قبضة يدي غير المشدودة ،فغدت يدي الفارغة ممتلئة.
امتلأت يدي الخالية بحرارةٍ أشد من ربيعٍ يملأ الدفيئة، فارتعشتُ.
“علينا أن ننتبه كي لا يتلطّخ الثوب بعصارة العشب.”
قال ذلك ثم ابتعد بخفة وكأن الأمر لا يستحق الذكر. عندها فقط عاد صوت الطيور.
عضضتُ على شفتي وأنا أُجعد طرف التنورة الذي وضعه في يدي بلا ذنب. بينمت ضحك الرجل ضحكةً منخفضة توحي بالمتعة، ومضى يكمل سيره.
“هل لديكِ ملابس مريحة يمكن ارتداؤها؟ سيكون مزعجًا إن تلطّخت ثيابكِ بالعشب في كل مرة.”
تأخرتُ قليلًا قبل أن أجيب، وأنا أتذكر ثيابي البيضاء التي تملأ خزانتي، وثوب الحداد الأسود الذي منحه لي دانيال غوين، كأنه بقعة حبرٍ سقطت على ورقٍ أبيض.
“لا أدري.كل ما أملكه من ملابس لونه أبيض.”
“هل تحبين اللون الأبيض يا إليانور؟”
“إرنست كان يحبه.”
أجبتُ بلا اكتراث، موحيةً بأن الأمر ليس نتيجة اختيارٍ مني، لكن الرد لم يأتِ سريعًا.
لا أستطيع رؤية تعابيره لأنني أسير خلفه. ومع ذلك، جاء الجواب في النهاية.
“….حسنًا، الدفيئة أيضًا على هذا النحو.دلأن أبي كان يحبها.”
التفت فتلاقت أعيننا. و تابع كلامه بنبرةٍ موحية، وكأنه يعتقد أنني أفهم كل شيء.
مع أنني لا أستطيع تقدير معنى حديثه، إلا أنني أستمع إليه بلا حول.
“اقترحتُ أن نأتي معًا، لكن في الحقيقة هذا المكان ليس على ذوقي. ولا أعرف حتى ما الذي فيه بالضبط. كما تعلمين، كل ما هنا من صنع أبي.”
“….لكن لماذا؟”
لكن لماذا أحضرني إلى هنا؟
و كأنه لم يسمع السؤال، واصل كلامه. وكنتُ أفكر وحدي. هل هناك ما يريد أن يريه لي أيضاً؟
“كما تعلمين، لم يكن رجلًا ودودًا.”
المقصود واضح. إرنست غوين.
“وعندما أفكر بالأمر الآن، أشعر أنه كان لطيفًا فقط مع من أراد أن يوليهم قيمة.”
لأنني أعرف سبب قوله ذلك، لم أعلّق. فأنا لستُ جاهلةً بتلك الحقيقة. لكن يبدو أنه فهم صمتي على نحوٍ مختلف.
“كان لا بد أنه كان لطيفًا مع كل ما يوجد في هذا القصر. مع أنه كان يمضي يومه كله هنا، ولا يعود إلى بيته أصلًا.”
“…….”
“كان يظل قلقًا طوال اليوم، يراقب كل شيءٍ ليتأكد أن شيئًا لن يسوء.”
معظم ما جمعه إرنست غوين كان كائناتٍ حية. ضعيفة، سريعة التغيّر، وسهلة الانكسار. هكذا يتحدث الابن عن أبيه.
“آه، ليست قصةً ممتعة. على أي حال، كلها أمورٌ من الماضي الآن.”
كأنه لا يريد الحديث عن ذلك معي، أطبق فمه.
ظننتُ أن الكلام سيتوقف عند هذا الحد، لكنه تابع. و كانت كلماته الخافتة تختلط بزقزقة الطيور، فتبدو كأنها سر.
“لكن يا إليانور، مع ذلك أردتُ أن آتي إلى هنا معكِ.”
ضيّقتُ عينيّ، و نظرتُ إليه وهو لا يجيب عن سؤالي الحقيقي، ثم صرفتُ نظري نحو حيث تزقزق الطيور.
تحت عريشةٍ تتدلّى منها كرومٌ خضراء، وقف قفص طيورٍ ذهبي.
كنتُ أظن أنهم أطلقوا جميع الطيور داخل الدفيئة، لكن يبدو أنني كنتُ مخطئة.
حين تلاقت أعيننا، أغلق الطائر منقاره لحظة، وحين توقفتُ أمامه أمال رأسه، ثم استأنف تغريده.
ى كان دانيال غوين لا يزال ممسكًا بيدي، يهزّها قليلًا وكأنه يتساءل عمّا أشغلني، وسأل.
“هل أعجبكِ ذلك الطائر؟”
“هل كان ذلك الطائر أصلًا هنا، محبوسًا هكذا؟”
“آه، كان في القصر، لكن أثناء الترتيب نقلناه مؤقتًا إلى هنا. وإبقاؤه هنا ليس أمرًا سيئًا.”
حين التزمتُ الصمت، تحوّل نظره إلى القفص ثم عاد إليّ.
“هل يزعجكِ أنه محبوس؟”
رأيتُ بريقًا غريبًا في عينيه. و ظلّت نظرته معلّقةً على وجهي لحظة طويلة، ولم أجب إلا عندما صرف نظره أخيرًا.
“لا. إطلاقه سيكون أخطر.”
فكّرتُ بالأمر. إن كان مخلوقًا نادرًا، فاصطدامه بالجدران الزجاجية وإصابته أو موته سيكون خسارةً كبيرة.
لا سبب لإطلاقه. إما أن يصطدم بالزجاج، أو يخرج من الدفيئة ويموت متجمّدًا.
“يبدو الأمر كذلك. إنه صغير، وأبيض، وهشّ. يبدو أن أبي رأى في ذلك جمالًا أيضًا.”
لو خرج من هنا فسوف يبرد حتى الموت. لن يستطيع البقاء حيًا وحده، ولذلك، مهما كان القيد فهو الطريق الوحيد للبقاء.
وهذا لا ينطبق على ذلك الطائر وحده.كل ما في هذا القصر والدفيئة كذلك. ولذلك كانت الأشياء تُقتلع في مواسمها، أو تبرد حتى تُحرق.
توقّف طويلًا في زاويةٍ من الحديقة حيث تنمو أنواع أشجار ونباتات زينة لم أرها من قبل، غارقًا في أفكاره.
كان دانيال غوين يحدّق بعينين نصف مغمضتين عبر الأدغال، ثم استدار نحوي وتكلّم بخفة.
“لنترك البقية لزيارةٍ أخرى.”
هل تغيّر شيءٌ من خطته؟
استغربت، لكن لم يكن بوسعي سوى الإيماء برأسي. وبالطبع، الرجل الذي يجهل ما يدور في خاطري فتح فمه من جديد.
“بالمناسبة، يا إليانور، أليس لديكِ ما تقدمينه لي؟”
“نعم؟”
“العلاقات بين الناس تقوم أصلًا على الأخذ والعطاء، أليس كذلك؟”
بما أنه قد عرّفني على الدفيئة، فألا ينبغي أن يعود إليه شيءٌ في المقابل؟
“آه، لا أقصد أنني أطلب منكِ شيئًا مميزًا جدًا.”
كيف يقول أنه لا يريد شيئًا مميزًا، وهو يتصرف على هذا النحو؟
“لكن—.”
“هلّا أطلب شيئًا واحدًا فقط؟”
قبل أن أعترض، أو أسأله عمّا يريد، ابتسم ابتسامةً ماكرة.
“ناديني دانيال.”
“….نعم؟”
“ناديني دانيال.أريد أن أسمع اسمي يخرج من فم إليانور.”
استمعتُ إلى طلب الرجل الذي همس به ضاحكًا كأنه يمزح. و ترددتُ لحظة، ثم نطقتُ اسمه.
“….دانيال.”
ابتسم دانيال غوين ابتسامةً عريضة كطفل التقط حجرًا أعجبه من ضفة جدول، و أجاب بصوتٍ مفعمٍ بالبهجة.
“نعم، إليانور.”
نظرتُ إلى وجنتيه أو شحمة أذنه وقد بدا عليهما احمرارٌ خفيف.
“لن أناديكِ نيل كما كان يفعل أبي.”
حتى وأنا أرى وجنتيه المتوهجتين وهو يهمس بذلك، شعرتُ أن تغيير مجرد لقب لن يغيّر شيئًا.
و لم يفارقني الإحساس بأن هذه اللحظة بذاتها كانت زلّتي.
عضضتُ على شفتي ببطءٍ وأنا أنظر إلى ظهر الرجل الذي استدار أمامي.
هو من جاء إليّ أولًا، وهو من قادني حتى هذه الحديقة، ومع ذلك لا أشعر بأي انتصار، ولم يزَل القلق من صدري.
***
كانت إيزابيل مارليير تقف أمام باب غرفة إليانور كايل.
“آنستي، آنستي!”
لم يكن أمرًا غير متوقّعٍ أن تُسحب إلى هنا على يد خادمٍ يناديها بلهفة، فما إن عادت من الخارج ودخلت بهو القصر حتى ركض نحوها.
فليس يومًا أو يومين منذ اعتادت على امرأةٍ حسّاسة صعبة المراس أن تُثير ضجّة.
“أنا….الآنسة―.”
لا حاجة لسماع ما سيأتي بعد ذلك.
وهي تنظر إلى ملامح الخادم المذعور، كانت تُدرك أن الوقت مناسب.
الخدم الذين بدأوا للتو بالتأقلم. أليس هذا أنسب وقتٍ لفرزهم؟
أولئك الذين دخلوا القصر بسذاجة، مفتونين بالجمال، سواءً انتهى بهم المطاف في بيت عنكبوت، أو جحر نمل، أو قفص طيور، أو لا شيء سوى القصر ذاته.
لم يمضِ وقتٌ طويل على وفاة صاحب القصر، ولا يزال الاضطراب يعمّ المكان، لكن يمكن تجاهل ذلك بسهولةٍ وطردهم بلا تردّد. ولو كانت ستتعلّق بمثل هذه الأمور، فكيف بقيت في هذا القصر حتى الآن؟
طَق طَق—
زفرت زفرةً قصيرة و طرقت الباب، لكن الداخل كان يخيّم عليه صمتٌ يبعث على القشعريرة.
“…….”
الخادم الذي كان ينتظر بقلقٍ إلى جانبها، ولم يمضِ على دخوله القصر وقتٌ طويل، بدأ بتبرير نفسه. و حاول يائسًا أن يثبت أنه لم يختلق كلامًا.
“قبل قليل فقط،كان صوت التكسّر لا يتوقف. لذلك ظننت أن الآنسة ربما أُصيبت—.”
“لا يمكن أن تُصاب.”
تمتمت إيزابيل بذلك، متجاهلةً الخادم الذي نظر إليها باستغراب.
إليانور كايل امرأةٌ تصون جمالها بهوس، لذا تعرف حدودها.
و حتى بسبب القلق من أن يبحّ صوتها، لم يسبق لها أن صرخت صرخةً حقيقية، بل كانت تكتفي بتحطيم الأشياء.
“…….”
من دون انتظار جوابٍ لم يأتِ ولن يأتي، فتحت إيزابيل الباب.
في الداخل، كلنت تتلالأ أرضية الغرفة كسماء ليلية، و قد قف المرأة هناك.
لا يُعرف أين أسقطت الشريط الكهرماني الذي ربطت به شعرها صباحًا، فشعرها الأبيض كان متناثراً فوق ثوبها الأبيض كالثلج، وعيناها الشبيهة بالأماثيست البنفسجي كانت تتحركان نحو الزائرين غير المرغوب فيهم، لكنها لا تبدو وكأنها استوعبت الموقف.
وقفت هناك بنظرةٍ شاردة، لا تختلف عن التحديق في الفراغ.
______________________
واو جاتها نوبة تكسير؟ انفدا الي مستغلتهم🤏🏻
في القصه حاطين كأن اليانور ضعيفه وكذا بس وناسه شخصيتها تجنن مجنونه🤏🏻
واضح عصبت من دانيال بس مدري ليه 😂 وهو للحين مستانس انها نادت اسمه هطف
مع انه واضح هو يمثل انه هطف✨
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"