“أعتذر لأنني لم آتِ فورًا وتركتكِ تنتظرين. كما تعلمين، كنتُ مشغولًا بترتيب القصر، وكنتِ مريضة.”
“…….”
“على أي حال، أعتذر. لا بد أنكِ كنتِ قلقةً من أن أتعامل مع إليانور كما أشاء، فأستدعي خبير تقييمٍ وأبيعكِ بسعر لا يُخسرني كثيرًا، أو أطردكِ بلا تردد، أليس كذلك؟”
أي كما يفعل بالأشياء التي كان يرميها خارج البوابة الكبرى أو يحرقها.
“…….”
“مع أن ذلك لن يحدث.”
الجملة القصيرة التي أضافها في النهاية كانت أقرب إلى تمتمة منها إلى كلام.
ثم صمت وكأنه ينتظر إجابتي. لكن هل كان هناك داعٍ للسؤال أو التأكيد؟ فالسبب الذي يجعل ذلك مستحيلًا واضح. لأنني جميلة.
نظرتُ إليه بهدوء و رمشتُ بعينيّ مراتٍ عدة. و يبدو أن ردّ فعلي هذا لم يكن ما يريده. فسألني فجأة.
“إليانور. هل هذا اسمكِ الحقيقي؟”
“أظن ذلك، أليس كذلك؟ فقد أطلقه عليّ الكونت الراحل بنفسه.”
على حدّ ذاكرتي، كنتُ منذ ولادتي في هذا القصر.لا أذكر من أنجبني قبل ذلك، ولا الاسم الذي قد يكونون أعطوني إياه، ولا أي شيء آخر.
وما لا يُتذكَّر لا يختلف عن العدم.
حين سمع أن الاسم من اختيار والده، تمتم بكلمة “الكونت” وحده، ثم ضحك بخفة.
“آه، يا له من ذوقٍ عجيبٍ لعجوز!”
لا أفهم المعنى الكامن خلف تلك التمتمة. ولم أحاول فهمه، ولا أرغب بذلك أصلًا.
بعد أن استمتع وحده، أعادني إلى مجرى الحديث.
“هل كان والدي يناديكِ إليانور؟ أم إيلي، نورا، نورين، إيلا؟”
كان خده الذي بدا محمرًا قليلًا، وكأنه مستمتع حقًا، مخيفًا فجأة.
كيف يمكنه أن يتصرف هكذا وهو يعرف كل شيء؟
“هم؟”
“نيل.”
“نيل؟”
حين سمع هذا اللقب الذي انتزعه مني على مضض، ولم يكن ضمن قائمة الألقاب التي ذكرها، ابتسم برفق.
لم أظن أن هذا اللقب كافٍ ليجعله يبتسم هكذا، لكن ذلك لا يهمني.
ربما لم يكن يعرف حتى كيف كان والده ينادي أمه في يوم من الأيام. كلها حكاياتٌ من قبل ولادته، أليس كذلك؟
حكاياتٌ كان إرنست غوين يهمسها لي مازحًا، قائلًا أن حبه لزوجته كان يومًا ما، أما الآن فهو يحبني أكثر، لأنني أجمل منها.
“كان شخصًا غريبًا، أليس كذلك؟ حتى في نظر إليانور؟”
لا أفهم هذا الكلام الذي يُقال على سبيل المزاح.
هل كل من يلامس حدود النبل يتعامل مع الأب الذي قتله بلا اكتراث؟
أهذا ما يسمونه رمز الدم الأزرق الذي يفاخرون به؟
“…….”
كان دانيال غوين ما يزال ينظر إليّ بابتسامةٍ خفيفة. كأنه قناعٌ مصبوبٌ على هذا الشكل.
وبعد أن مرّ بعض الوقت على هذا الحال، فتح فمه أخيرًا.
“ماذا كنتِ تفعلين عادةً مع والدي؟”
“لم يكن هناك شيءٌ مميز. كان يعتني بي حتى دون أن أفعل شيئًا خاصًا.”
“صحيح. أجمل وأثمن ما في هذا القصر، كما يقول الناس، هي إليانور.”
“نعم. ولم يكن الكونت وحده من اعتنى بي.”
تتلاقت نظراتنا. وأثناء صمته، رفعتُ فنجان الشاي، و ارتشفتُ منه، ثم أعدته إلى مكانه.
وبعد أن صدر صوتٌ خفيف حين اصطدم الفنجان بصحنه، ردّ الرجل أخيرًا.
“….صحيح. يقال أن كثيرين أحبوكِ.”
“ولحسن الحظ.”
سواءً أكان ذلك الجامع هو الأب، أم الابن، أم شخصًا آخر. في النهاية، أنا الهدف الذي يسكب فيه المجانين جواهرهم. فأنا جميلةٌ إلى هذا الحد.
“نعم. وكيف لي ألا أعرف أنكِ جميلة، وأنكِ لذلك موضع رغبة الجميع؟”
كان هناك كثيرون يطمعون بي. حتى وأنا محبوسةٌ في هذا القصر.
ويبدو أن دانيال غوين لم يكن راضيًا عن ذلك تمامًا. بدليل أنه واصل كلامه دون أن ينتبه إلى انقباض ما بين حاجبيه.
فرفعتُ فنجان الشاي مجددًا. لأن ذلك سيُخفي ابتسامتي المرتفعة.
“….أنتِ جميلة، ومحبة الجمال أمرٌ منطقيٌ بطبيعته.”
رأيتُ أن الكلام لا يستحق ردًا، فالتزمت الصمت.
ومن الجهة المقابلة، سمعتُ صوت سحب الكرسي. ظننتُ أنه على وشك إعلان شيءٍ ما، لكن بدلًا من ذلك سألني بنبرةٍ هادئة.
“إليانور. هل سبق لكِ أن زرتِ الدفيئة؟”
أنزلتُ فنجان الشاي الذي كنتُ على وشك ارتشافه، ونظرتُ إليه شاردًة قبل أن أجيب.
“لا.كان الباب دائمًا موصدًا—.”
“حقاً؟….هذا مطمئن.”
هل كان يرغب في الذهاب إلى الدفيئة معي؟
بعد أن تفوّه بتلك العبارة ذات المغزى، تابع عارضًا.
“إذاً، هل تودّين الذهاب معي؟”
نهض من مكانه ومدّ يده إليّ كأنه يحثّني بصمت، فوضعـتُ يدي عليها بخفة.
لكنه شدّ على يدي الموضوعة بخفة وأمسكها بإحكام. فارتبكتُ لأنه لم يطلب مني أن أتشبث بذراعه، ومع ذلك لم أستطع سحب يدي من قبضته.
وهكذا تبعتُه خارج المكتب.
ومهما يكن، فما زلنا داخل القصر.
كانت خطوات دانيال غوين خفيفةً ومتواصلة، متجهةً نحو الدفيئة التي لم يكن يُسمح بدخولها في حياة إرنست غوين إلا لقلةٍ نادرة ممن أذن لهم بنفسه.
لم يعد هناك من يوقفني أو يتبعني مراقبًا الآن.
في نهاية الممر الذي وصلنا إليه، كانت هناك جدرانٌ زجاجية تحجبها ستائر من الشيفون الناعم، فتمنع رؤية ما بداخلها.
“…….”
على عكس ما توحي به الستائر، يبدو أن الباب كان يُفتح ويُغلق كثيرًا، إذ انفتح باب الدفيئة بسلاسةٍ وهدوء كاشفًا ما في الداخل.
أزحنا طبقات القماش الرقيق ودخلنا الدفيئة. وعلى عكس برودة الخارج، ملأ هواءٌ رطب قليلًا رئتيّ.
مشى دون تردد وبخطواتٍ واثقة، بألفةٍ يصعب تصديقها من رجلٍ لم يمضِ سوى أسبوع بالكاد على كونه مالك القصر، وكان قبل ذلك ممن لا يطأ هذا المكان أصلًا.
كدتُ أسأله إن كان قد زار الدفيئة من قبل، ثم عدلتُ عن ذلك لأنه سيكون تصرّفًا أحمق.
فإرنست غوين لم يسمح حتى لزوجته بدخول هذا القصر، فكيف يكون ذلك ممكنًا.
“تفضّلي يا إليانور. دعوتكِ إلى الحديقة السرية للقصر.”
همس دانيال غوين بصوتٍ ودود، ممتلئ بترقّب طفلٍ مشاغب، وهو يدخل الممر المؤدي إلى عمق الدفيئة.
التعليقات لهذا الفصل " 11"