هل يعقل أنها لا تعرف شيئًا حقًا؟ أم أنها تعرف كل شيء، لكنها اختارت أن تتظاهر بالجهل؟
“بلى، بالطبع. فأن يلحظ البشر الجنيات لن يعود عليهن بخير.”
لم أعد أرغب في السماع ولا في المعرفة، فعدتُ إلى غرفتي.
نظرتُ إلى طاولة الزينة. كنتُ أعرف أن الظلال تحت عينيّ كانت تزداد عمقًا كلما حدّقت في المرآة يومًا بعد يوم، ومع ذلك لا أستطيع إزالة السبب.
الانتظار، القلق، التوتر. ترى، من المسؤول عن كل هذا؟
“إلى متى تظنين أنكِ ستُغفَرين لمجرد أنكِ جميلة؟”
الجمال صك براءةٍ لموسمٍ واحد. غير أن موسم إرنست غوين كان طويلًا، لأنه رجلٌ عجوز عبر جميع الفصول ودخل شتاء العمر.
لكن ماذا عن دانيال غوين؟
عجزتُ عن كبح الضيق المتصاعد فعضضتُ لحم فمي من الداخل بقسوة.
‘لا داعي للخوف. لا داعي له إطلاقًا. فما زلتُ جميلة.’
“…إلى حدّ لا يمكن معه إلا أن أُحَب.”
كنتُ أودّ أن أسأل إيزابيل.
برأيكِ، هل هذا حب؟ أهو حبٌ حقًا؟ لستُ حمقاء. هل يُسمّى حبًا أن يترك المرء من يحبها وحدها في الغرفة أيامًا؟
“…….”
كنتُ أفكر في الأمر، فأدركتُ أن إيزابيل لم تأتِ منذ هذا الصباح، حين أيقظتني وبدّلت لي ملابسي المنزلية وربطت شعري بشريطٍ بني مائل إلى الصفرة، لم أرها مجددًا.
لا بد أنها تقضي يومًا حافلًا مع الخدم المكلفين بخدمة السيدة.
صحيحٌ أنها كانت مسؤولةً عني وحدي، لكنها أكثر من أقام في هذا القصر، وهي بمثابة كبيرة الخدم، ولديها الكثير لتدبيره.
‘نعم. لستُ أولويتها القصوى.’
وما إن خطرت لي هذه الفكرة، حتى ضقتُ حتى من مواصلة التفكير، فنهضتُ من مكاني. و ارتديتُ نعليّ المنزليين الناعمين، وبهيئة غير مرتبة، و خرجتُ من الغرفة.
سِرتُ في الممر الخالي بلا صوتً متجهةً نحو الدرج. و كنتُ أتأمل الدرج المظلم بلا أي إضاءة، فترددتُ وأنا أمسك بالدرابزين.
هل يجوز لي النزول؟ هل سيكون الأمر بخير؟
وبينما وقفتُ مترددة، كأن أحدهم لاحظني، أتى صوتٌ من أسفل الدرج.
“إليانور؟”
حين لم أجِب، يصعد المتحدث الدرج. و رأيتُ الشعر الأشقر يستعيد لونه تحت الضوء الذي يبدد ظلمة الدرج وينير ممر الطابق الثاني.
كان في عيني الرجل الذي يواجهني دفءٌ واضح. بينما تقدم نحوي، كأن هذا اللقاء كان مقررًا منذ زمنٍ بعيد.
ناداني باسمي دون أي لقبٍ أو صيغة احترام، كما لو كنا على ألفةٍ قديمة، وكأنه واثقٌ أننا سنغدو كذلك.
كنتُ أرى في هذا المشهد نوعًا من الجنون. ومصدر هذا الجنون واضح. رغبةٌ واهية، إيمانٌ أعمى بأنه يستطيع أن يملأ نقص الفراغ بي. وهمٌ، أشبه بعقدة.
ولأن هذا مألوفٌ لي جدًا، كنتُ أعرفه. وأستطيع أن أوقن مرةً أخرى. أنتَ لن تستطيع طردي من هذا القصر.
كان يرتدي قميصاً أبيض مكويٌ بعناية، و سترةٌ خضراء تتوسطها أقلام حبرٍ نحاسية مصقولة، و بنطالٌ رمادي، وحذاءٌ جلدي مصقول. مظهرٌ أنيق أكثر مما يليق بالبقاء داخل القصر.
أعاد ساعة الجيب التي كان يمسكها إلى جيب سترته الخضراء، وابتسم ثم سأل مجددًا،
“إليانور، إلى أين تذهبين؟”
كان يسأل بنبرةٍ هادئة متصنّعة، لكن من الواضح أنها ليست كذلك.
فنظرتُ إلى الرجل الذي كان ينتظر عند الدرج وأجبتُ.
“لا أرى إيزابيل.”
“….آه. تقصدين السيدة مارليير.”
الابتسامة الهادئة التي كان يرسمها، تلك التي توحي بأن لا شيء يحدث، كانت تهتز قليلًا.
هل خاب أمله؟ إن كان كذلك، فالأمر مضحك. فمن الواضح من كان ينتظره عند درج الطابق الثاني.
خطى دانيال غوين على الدرج مقتربًا مني.
“…….”
و لم أتراجع بينما يقترب، بل رفعتُ رأسي قليلًا لألتقي بنظره الذي علا مع صعوده الدرج.
وقد حدّق فيّ بإصرار، ثم تحدث مجددًا.
“حتى لو ذهبتِ للبحث عنها، فلن تتمكني من لقائها. السيدة مارليير ستكون مشغولةً اليوم.”
كأن المعنى أنه حتى لو لم تكن مشغولة، فسيجعلها كذلك كي لا يُقاطع وقته معي. لكنني لم أعر الأمر اهتمامًا.
“أهكذا إذاً؟”
حين أجبتُ و رفعتُ يدي عن الدرابزين، سألني بوجه لا مبالٍ. غير أن نظرته إليّ، ومشهد انتظاره لي أسفل الدرج، يجعل حتى هذا السؤال يبدو مضحكًا.
“إن لم تمانعي، هلّا تشربين الشاي معي؟”
“…….”
“لم يكن مقصودًا، لكن الظروف لم تكن مناسبةً لقضاء وقتٍ معًا.”
“حسنًا.”
ابتسمتُ وأنا أجيبه، فمدّ يده نحوي.
و كنتُ أسخر في داخلي من قلقي دون أن يدرك. فلم يكن هناك أي سببٍ يدعوني للقلق لأنه لم يأتِ. لقد كان هو من ينتظرني.
أمسكتُ بيده واتجهنا إلى مكتبه.
لعل من حسن الحظ أنه لم يكن جريئًا بما يكفي ليتجه إلى غرفة جلوس. ومع ذلك، لا يتغير كون هذا المكان نفسه كان حتى وقتٍ قريب مقر إقامة إرنست غوين.
وعلى المكتب، كما لو كان يتفحّصه للتو، وجد صندوقٌ مفتوح.
صندوقٌ واحد ممتلئٌ حتى آخره بزبرجدٍ بلونٍ أخضر فاتح كأنه لقي ربيعًا مبكرًا، وعقيقٌ أحمر داكن كأنه ثمرةٌ حُصدت في أواخر الخريف وشُطرت نصفين، وأحجارٌ أخرى من العقيق الأبيض تتلألأ بألوانٍ شتى فوق أرضيةٍ ناصعة.
“…….”
مشهدٌ يدل على أنهم لم يفكروا حتى في تناسق القساوة أو الألوان، إذ حُشرت جميعها بعشوائيةٍ داخل صندوقٍ واحد.
لم أستطع أن أشيح بنظري عن ذلك المنظر الذي لا يختلف كثيرًا عمّا كنت أراه بسهولةٍ في الأواني الموضوعة على مائدة الطعام.
وقد لاحظ الرجل ذلك، فسأل بنبرةٍ متلطفة.
“هل تحبين المجوهرات؟”
بينما بقيتُ صامتة، ترك يدي وتقدم بخطوةٍ واسعة إلى المكتب.
لم أجرؤ حتى على لمسها خوفًا من أن تحتك الأحجار ببعضها وتُخدش أو تتشقق، لكنه لا يبدو كذلك.
“يبدو أنها لم تعجبكِ؟”
حرك يداه بأناقة، تلك اليدا التي ترتديان القفازات منذ اليوم الأول بلا تغيير، و إلتقط حجرًا من الصندوق.
وأمام عينيّ، أمسك دانيال غوين بحجرٍ كريم أخضر داكن يشبه شجرةً دائمة الخضرة، يقلبه ببطءٍ بين أصابعه، ثم يقول وكأنه أدرك شيئًا، وبنبرةٍ مازحة.
“آه، صحيح. بما أن إليانور اعتادت رؤية مثل هذه الأشياء، فربما لا تثير لديكِ أي إحساس. كأنها لا تختلف عن صندوق وجباتٍ خفيفة.”
لم أستطع الإجابة.
“سمعتُ الكثير عن ذائقتكِ.”
ثم تلاقت نظراتنا. و حرّكتُ شفتيّ قليلًا قبل أن أختار الاستمرار في الصمت.
هل هذه الذائقة فطرية، أم مكتسبةً بدافع الظهور بمظهرٍ أكثر ندرة، أم أنها نتيجة ضغطٍ قهري فُرض عليّ؟
هل أستطيع هضمها حقًا، أم أنني فقط نجوت حتى الآن بالمصادفة؟ لا أعلم.
لكن الناس يصدقون أنني أهضم كل تلك الجواهر الباهظة والمتلألئة. وهكذا، وِفق الشائعات، لا أكون جميلةً للنظر فحسب، بل أكثر قيمةً لكوني غامضةً ونادرة.
“سمعتُ أن أكثر ما تحبينه هو اللؤلؤ. أهذا صحيح؟”
“لا أدري.”
هل أحبه؟ لا أكرهه. بل لأكون أدق، هو أقل ما أنفر منه مما يقدمونه لي طعامًا.
وربما كان ذلك طبيعيًا. فاللآلئ غالبًا ليست كبيرة الحجم، ومنحنيةً بلا زوايا حادة، وهي لينة.
لا تُقطع أو تُصقل بحدّةٍ لإبراز بريقها. وحتى إن ابتلعتها دون مضغٍ جيد، فلن يلسع فمي المجروح بما يكفي لأقضي الليل كله متألمة.
“…….”
تذكرتُ حديثًا دار بين عالِمٍ وأحدٌ من ضيوف إرنست غوين.
“تذوب في اللحظة التي تُبتلع؟ أحقًا؟”
“في الواقع، تذوب في المعدة. فمهما سُمّيت جوهرة، لا يختلف تركيبها كثيرًا عن الرخام.”
“تلين وتذوب في المعدة؟ هذا يجعلها تافهةً بالنسبة لجوهرة. أليست قيمة الجواهر في ثباتها؟”
“حسنًا، إن خرجنا من منظور العلم وتحدثنا برومانسية، أليس الأمر أشبه بأن يُستبدل جزءٌ من آكل اللؤلؤ باللؤلؤ نفسه؟”
على الأقل، إرنست غوين أعجبه كلام العالِم كثيرًا في ذلك اليوم.
ليست ذكرى سارة. و لسببٍ ما، شعرتُ وكأنني خاسرة حينها.
فقطّبتُ جبيني و حوّلتُ الحديث إلى الحجر الذي لا يزال في يده.
“هل استدعيتني لتُريني هذا؟”
طَق-
بعد سماع جوابي، وكأنه فقد اهتمامه بالحجر، أسقط دانيال غوين الزبرجد الذي كان يمسكه مجددًا داخل الصندوق، بين عددٍ لا يُحصى من الجواهر.
“آه، لا. ليس هذا هو السبب.”
وأنا أراقب الحجر وهو يسقط بلا اهتمام، قلقتُ مما إذا كان قد خُدش بسبب الأحجار الأخرى، أو ربما خدَش غيره.
____________________
لحظه لحظه كان يأكلها جواهر؟؟! مجنون وش ذاه البنت صدق قاعد تشرح ان اللؤلؤ احسن شي يوكل بعد😭 انفدا الغنوض عندهم
اما دانيال يا اني ضحكت طلع الاخ ينتظرها تجيه بنفسها ومسوي اوه يالصدفه هاي ياحبيبتي😭
وناسه يجننون كوبلي المريض😔
ترا كان بيكونون طبيعيين لو ذاك العجوز المجنون طبيعي
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"