⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
أمام القصر المطلي بلون أرجواني يشبه بتلات الليلك، وقفت امرأة في منتصف العمر، تبدو صارمة الملامح.
ألقت نظرة خفيفة فقط على رايكهارت وهو يهبط من العربة.
لم يكن ذلك تصرّفًا يليق بمقام العائلة الملكية.
لكن رايكهارت لم يعاقبها، ولم يُبدِ أي انزعاج.
“هيا ندخل.”
“إنهم بانتظارك.”
فتحت له المرأة، ذات الشعر الكستنائي الداكن والهيئة المتشددة، الباب.
ودخل رايكهارت خلفها إلى العقار.
لم يكن بمستوى منازل النبلاء في العاصمة الإمبراطورية، لكنه كان فيلا واسعة، أشبه بمصيفٍ هادئ.
كان على الاثنين أن يسيرا لأكثر من مئة خطوة.
ولم يتبادلا كلمة واحدة حتى وصلا إلى المدخل.
فتحت المرأة الصارمة، كاميل، الباب.
“يُقدَّم لكم صاحب السمو الدوق الأكبر.”
حين فُتح المدخل، انحنى جميع العاملين في القصر في آنٍ واحد.
لم تكن هناك خادمات يرتدين أغطية رأس بسيطة؛ بل نساء يرتدين أغطية صلبة منمقة.
كُنّ كاتبات تابعـات للمعبد الأكبر.
من دون أن يلتفت إلى هذه الأغطية البنفسجية، صعد رايكهارت الدرج الحجري على جانب القاعة.
كان القصر مكوّنًا من ثلاثة طوابق.
درجه الحلزوني ودرابزين الطابقين الثاني والثالث كانا مزدانين بانحناءات ناعمة تشبه تصميمه الخارجي.
سريعًا وصل إلى الطابق الثالث واتجه نحو الغرفة الموجودة في نهاية الممر.
فتحت كاميل الباب بحذر.
كانت الغرفة دافئة وأنيقة، مزينة بألوان زاهية.
السرير الذي يحتل معظم المساحة تحيط به ستائر دانتيلية متمايلة.
نسيم خفيف يدخل من النافذة نصف المفتوحة، فيُحرّك الحجاب الشفيف.
ومن بين الستار المتهادي برفق، امتدت يد امرأة نحيلة.
“صاحب السمو؟”
اقترب رايكهارت من السرير، وأمسك بثبات اليد الممدودة نحوه.
“نعم، لقد جئت.”
احتوت يده الكبيرة يد المرأة بلطف.
جثا رايكهارت قرب الستارة واقترب من السرير.
امتدت اليد الرقيقة لتطوّق عنقه.
“صاحب السمو… لقد اشتقت إليك.”
عند همسها، نظر رايكهارت إلى الوجه المستند على الوسادة، وابتسم.
ثم قبّل يدها.
“وأنا أيضًا اشتقت إليك.”
ضحكت المرأة ضحكة خفيفة، مليئة بالبهجة.
“لقد تأخرت في المجيء. أعلم أنك مشغول، لكن… لقد تألمت لغيابك. حتى رايكهارت لم يعد يزورني هذه الأيام. أرى أنه بدأ يكبر. إنه شقيّ بعض الشيء، لكنه يظل عزيز علي، لذا سأسامحه.”
كان وجهها، المستريح على الوسادة، يبتسم بود.
“هكذا قال رايكهارت…”
لم يتغير تعبير رايكهارت بينما ينظر إليها.
لكن في لحظة خاطفة، نظر إلى كاميل الواقفة قربه.
“……”
نظرت كاميل إليه بعينين ممتلئتين بالأسى.
“صاحب السمو.”
المرأة الراقدة خلف الستار الرقيق…
وصيفة لوار، كان الزمن قد ترك علاماته عميقة في تجاعيد وجهها.
شعرها كان أبيض بالكامل.
جسدها النحيل يرتفع ويهبط ببطء مع أنفاسها.
ولم يبقَ من حيويتها إلا بريقٌ ضعيف في عينيها الخضراوين.
“نعم، سيدتي.”
أجاب رايكهارت بصوت مفعم بالعطف.
“أرجوك اعتنِ برايكهارت. إنه فظّ بعض الشيء، لكنه فتى طيب.”
“سأفعل…”
“أشعر أنني أضعف يومًا بعد يوم. ذلك الطفل يعزل نفسه ويصادق الوحدة… وهذا يقلقني. يجب أن تكون صديقًا له، يا صاحب السمو.”
اكتفى رايكهارت بالإيماء.
ربتت الوصيفة على كتفه بيدها المتجعدة كما لو أنها تشجعه.
ثم سعلت قليلًا، وانسابت إلى النوم.
“……”
راقب رايكهارت وصيفة لوار النائمة بصمت.
حدّق مطولًا في التجاعيد التي تكسو وجهها، ثم خرج من الغرفة بهدوء.
“صاحب السمو.”
نادته كاميل وهو ينزل الدرج دون كلمة.
“متى بدأت حالتها بالظهور؟”
توقف رايكهارت.
استدار نحو كاميل، وملامحه ثقيلة بالحزن.
“لا نعرف بالضبط. أدركنا وجود مشكلة قبل عامين فقط.”
“لماذا لم تخبروني؟!”
رفع صوته، فسارعت كاميل للنظر خلفها، وهزّت رأسها ناهية.
“لم تفشل يومًا في تمييزك، يا صاحب السمو.”
“ومتى ساءت حالتها؟”
“ازدادت سوءًا خلال الأشهر الستة الأخيرة. لكن لم نتوقع ألا تتعرف عليك. قبل أن تأتي لأجل ياقوت مارغريت، كانت تخلط بين الماضي والحاضر… لكن عندما رأتك، بدا وكأنها استعادَت إدراك الزمن للحظة.”
كان وجه كاميل يقطر يأسًا.
صرامتها المعتادة ذابت، لتحل محلها مرارة صافية.
“لقد عانيتم كثيرًا.”
“أرجوك لا تزورها كثيرًا. في الأيام القليلة التي تستعيد فيها وعيها، تدرك اضطراب عقلها… وهذا يسبب لها ألمًا شديدًا.”
“فهمت. سأرحل الآن.”
قال الكلمات القليلة هذه، وتابع سيره.
وقبل أن تجيبه كاميل، كان قد خرج من القصر.
راقبته بعينين غائمتين بالعواطف المعقدة.
كان وجه رايكهارت متألمًا وهو يمشي نحو البوابة.
وبينما يتقدم نحو الخدم الذين ينتظرونه، توقف فجأة، ونظر خلفه.
ظهرت الفيلا، متواضعة لكنها جميلة.
“كل من يرتبط بقَسَم تيسّن يصبح تعيسًا…”
تمتم بها كأنها تنهيدة، ثم عاد للمشي.
في كل مرة يظهر فيها الوجه الذي ظل يطارده منذ دخوله العقار، كان يركز على ألم الحقد المرّ.
دمٌ لامع… لكنه ملعون.
وصاحب هذا الدم كان يعتبر نفسه وحشًا.
م.م: ممم لعنة، خلونا نستنى و نشوف…
مرّت أربعة أيام منذ عودة أليشيا إلى لوديرن.
وخلالها تغيّر الشهر فقد حلّ شهر مارس.
أصبحت الشمس أكثر دفئًا، لكن الفجر والليل ما زالا باردين بشدة، والهواء في منتصف النهار لا يزال يلسع الوجوه.
وفي هذا الصباح البارد، كانت هناك زائرة أمام أليشيا.
التعليقات لهذا الفصل " 50"