كانت معظم غرف القصر مُوصدة الأبواب. وحتى تلك التي صادفتُها مفتوحة، لم يكن فيها أثرٌ لحياة، باستثناء بعض الغرف التي رأيتُ فيها الخادمات وهنَّ منهمكات في التنظيف.
“تحية لسموّ الدوقة.”
كانت الخادمات، وهنَّ ينفضن الستائر أو يمسحن الأرضيات، يلقين التحية بملامح يكسوها الارتباك والتحفظ. لقد كانت تلك هي الاستجابة التقليدية المتوقعة تجاه ابنة الماركيز.
كم غرفةً تفقدتُ حتى الآن؟
طق، طق.
“تفضل بالدخول.”
استوقفني الصوت!
عند اقترابي من نهاية الرواق المقابل، وللمرة الأولى، جاءني ردٌّ على طرقي للباب.
فتحتُ الباب، فإذا بمجموعة من الأشخاص يجلسون خلف مكاتبهم، غارقين في أوراقهم. رفع أحدهم رأسه من وراء مكتبه القريب من الباب، ورمقني بعينين أرهقهما السهر، ترمشان بذهول.
“من أنتِ…؟”
نظرتُه كانت تشبه مَن رأى كائنًا غريبًا لا ينتمي لهذا القصر.
‘بماذا أجيب؟ الدوقة؟ أم أنَّ ذكر اسمي أفضل؟x
بينما كنتُ أتردد، اتسعت عيناه فجأة كأنه أدرك شيئًا.
“سموّ… الدوقة الكبرى؟”
عند سماع ذلك، هبَّ الجميع واقفين في ارتباكٍ تام.
“تحياتي لسموّ الدوقة.”
“ما… ما هذه الغرفة؟”
“هذا مكتب الإداريين المتدربين.”
“أوه.”
رسمتُ ابتسامة دافئة على وجهي وأنا أتأمل وجوههم المتصلبة من التوتر.
“إذًا أنتم الجنود المجهولون الذين يقع على عاتقهم العبء الأكبر في القلعة!”
قلتُ ذلك رغم جهلي بطبيعة عملهم، لكنَّ كلمات مثل “متدرب” أو “مبتدئ” تعني دائمًا أنَّ صاحبها في أدنى درجات السلم الوظيفي وأكثرها شقاءً.
تبادل الإداريون النظرات كأنهم يتدافعون من سيتقدم للحديث، حتى انبرى أكبرهم سنًا، وقال بلهجة ميتة من شدة التحفظ: “إنه لشرفٌ عظيم أن تشرفينا بزيارتكِ لهذه البقعة المتواضعة.”
“بل الشرف لي بوجود نوابغ مثلكم يسهرون على مصلحة القلعة.”
تصلبت ملامحهم أكثر، وكأنهم لا يعرفون كيف يتلقون الثناء. شعرتُ أنَّ بقائي سيسبب لهم مزيدًا من الضغط العصبي.
“العمل مهم، لكن لا تنسوا نصيبكم من الراحة. الصحة هي الكنز الأغلى.”
“سوف نضع نصيحتكِ نصب أعيننا.”
لوحتُ لهم بيدي بتكلف وأنا أنسحب ببطء.
“إذًا، طاب يومكم. سُررتُ بلقائكم.”
“رافقتكِ السلامة.”
ما إن أغلقتُ الباب خلفي حتى تعالت الهمسات من الداخل.
“لماذا أتت سموّها إلى هنا؟”
“أليست هذه مهمة تجسس؟”
“أنت! هل خبأتَ الوثائق المهمة جيدًا؟”
“حتى الدوق الأكبر لم تطأ قدماه هذا المكتب من قبل.”
“ألا ترون أنها تختلف تمامًا عما تخيلناه؟”
“بصراحة، لم أرَ في حياتي امرأة بهذا الجمال.”
شعرتُ بحرارة تسري في وجنتيّ، فمضيتُ نحو الغرفة التالية بخطواتٍ حذرة لا تكاد تُسمع.
***
“ماذا تقول؟ الإداريون المتدربون التقوا بالدوقة؟”
قطب رويك جبينه وهو يغادر غرفة الاجتماعات.
“ليس الإداريون وحدهم. بل خبير الشعارات، وسائس الخيول، وحتى خادمات الغسيل؛ الجميع رآها! يقولون إنها تجوب القصر طوال اليوم وتتفحص كل زاوية.”
“هل تتجسس؟”
تمتم فيريل بصوتٍ خفيض: “لا يبدو الأمر كذلك… بل أظنها تبحث عنك، أيها الدوق.”
التوى طرف فم رويك بسخرية.
منذ وصولها، لم تتوقف الأميرة عن إرسال الطلبات عبر ويتلي لمقابلته. في البداية، كان يوعز لويتلي باختلاق الأعذار، لكنها كانت تتسم بإصرارٍ عجيب، حتى أصبح كبير الخدم المحنك يشعر بالحرج من كثرة المبررات أمام صبية في عمرها.
لذا، سمح لها بزيارة بعض أجنحة القصر والحدائق المحيطة لتنشغل بها وتكف عن إزعاجه، لكنه لم يتوقع أبدًا أن تجعل القصر مضمارًا لسباقاتها.
على أية حال، كانت المسارات التي يسلكها رويك محظورة إلا على قلة مختارة؛ ومهما طافت الأميرة، فلن تتقاطع طرقها معه.
‘لن تجد فرصة لمقابلتي إلا إذا صادفتني وأنا أتنقل بين قاعات الاجتماعات الكبرى.’
بينما كان رويك ينزل الدرج المركزي مطمئنًا، توقف فجأة.
لقد استشعر حركة غريبة بالأسفل.
اختلس نظرة من خلف الدرابزين، فرأى قمة رأس مستديرة ولطيفة.
“لماذا توقـ…!”
كمم رويك فم فيريل بسرعة قبل أن يكمل جملته. شعر بنظرة تتجه نحو الأعلى، فسحب مساعده من فمه ودفعه بقوة نحو الحائط عند زاوية الدرج.
“…”
ساد صمتٌ مريب، وبعد لحظات، تلاشت تلك الطاقة المتوجسة مع صوت وقع خطواتها وهي تبتعد نحو الطابق السفلي.
حينها فقط، رفع رويك يده عن فم فيريل.
“لماذا… لماذا فعلتَ ذلك؟”
سأل فيريل بملامح يملؤها الحيف، وهو يلمس آثار أصابع رويك الحمراء حول فمه.
لم يجبه رويك، بل أخرج منديلاً بملامح منزعجة ومسح يده.
“هل كانت سموّ الدوقة؟”
تمتم فيريل بصوت خافت وهو يقرأ تعابير وجه سيده، ثم أضاف: “لماذا لا تقابلها لمرة واحدة فقط…؟”
رد رويك بنظرة حادة.
كان يرى أنَّ تجنبه لها هو قمة مراعاته لمشاعرها. فإذا افترقا دون لقاء، سيُقال عنه إنه “رجل سيء الحظ” وانتهى الأمر، أما إذا التقيا، فستصبح حياتها هي “سيئة الحظ” حقًا.
وفوق ذلك، لا يملك ما يقوله لها سوى كلمة واحدة: “ارحلي”.
‘ستكتشف حينها فقط أنَّ الرجل الذي تزوجته هو أسوأ زوج على الإطلاق.’
بعد أن رمق مساعده بنظرة مخيفة، انتظر حتى تأكد من اختفاء أي أثر لحركتها بالأسفل، ثم تابع مسيره.
ظنَّ أن الأمر انتهى عند هذا الحد، لكنه في المساء اضطر لاستخدام درج الخدم لأن الأميرة كانت تجوب بهو القصر ذهابًا وإيابًا بعد العشاء.
أن يضطر للاختباء في قصره الخاص…. إنه لأمرٌ يثير الحنق!
***
“آه، الجو قارص.”
ارتشفتُ الشاي وأنا أرتجف. لقد مضت ثلاث ساعات وأنا أجلس في الحديقة الخارجية أمام القصر.
كانت الثلوج المتراكمة على الأغصان العارية تتساقط مع كل هبة ريح، كأنها بتلات زهور بيضاء تذروها الرياح.
“ألا ترغبين في الدخول الآن؟”
تحدث الفارس نورتون الجالس بجانبي بحذر. هذا الفارس الذي أُلحق بحراستي مؤخرًا، ورغم ملامحه الهادئة، إلا أنه كان دقيقًا وصارمًا في عمله.
لقد أصرَّ اليوم على البقاء واقفًا طوال مدة حراستي، ولم يوافق على الجلوس إلا بعد أن حولتُ طلبي إلى ما يشبه الأمر العسكري.
“لا يمكن. يجب أن أقابل الدوق اليوم مهما كلف الثمن.”
عضَّ نورتون على شفتيه بصمت.
“إذا بقيتُ هنا، فلا بد أن يمر من أمامنا ولو لمرة واحدة. لو أعطيتني تلميحًا بسيطًا يا سيد نورتون، لما اضطررتُ لكل هذا العناء.”
“هذا…”
لم يتحمل نورتون تأنيبي له، فهبَّ واقفًا وقال: “سأذهب لإحضار المزيد من الشاي.”
بينما ذهب لاستدعاء الخدم، تأملتُ بناء القصر. كان يتوسطه قبة حجرية ضخمة، يحيط بها برجان متناظران يرتفعان بشموخ، وتصطف تحتهما نوافذ طويلة وواسعة. كانت جدران القلعة المزينة بالرخام الفاخر تفيض بالهيبة والقدسية.
‘أين تقع غرفة الدوق؟’
لا يعقل أن يسكن صاحب القصر في غرفة لا تطل على الحديقة، لذا فمن المرجح أنها إحدى الغرف ذات الشرفات الأمامية.
‘لا بد أنه وضع غرفتي في أبعد نقطة ممكنة عن غرفته.’
تقع غرفتي في أقصى الجناح الشرقي من الطابق الثاني، وهي غرفة مشمسة ومبهجة. وإذا كان يتبع منطق “الهروب”، فغرفته ستكون في الطرف الغربي. ورغم أنَّ سكن الدوق في الجهة الغربية أمر غير مألوف، إلا أنني لاحظتُ أنَّ ستائر إحدى الغرف في نهاية الطابق الثالث كانت مزاحة.
وفقًا لاستنتاجي، يجب أن يكون هناك… أوه؟
في تلك اللحظة، ظهر خيال رجل بقميص أبيض وشعر أسود خلف النافذة.
‘أليس هذا هو الدوق؟’
تلك البنية الضخمة التي تملأ إطار النافذة، والهيبة التي تفوح منه حتى من بعيد، والملامح الحادة الواضحة… لا يمكن أن يخطئه أحد.
وشعرتُ للحظة أنه ينظر نحوي.
‘أوه! هل التقت أعيننا الآن…؟’
وفجأة، أُسدلت الستائر بسرعة البرق.
هكذا إذًا.
نظرتُ نحو تلك الغرفة في نهاية الطابق الثالث، وارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة.
لقد وجدتُها.
الطريقة التي ستنهي لعبة الغميضة المملة هذه.
***
أمسك رويك بالستارة وهو يضع يده الأخرى على صدره.
‘كاد قلبي أن يتوقف!’
هل لاحظت وجودي؟
قبل ساعتين، بينما كان يمر عبر الرواق المؤدي لمكتبه، لمحها من وراء الأعمدة وهي تجلس وحيدة في الحديقة الخارجية. تعجب من بقائها في هذا البرد القارس.
وبينما كانت تلتفت يمنة ويسرة بفضول، بدا رأسها من الخلف مثل فرخ صغير، مما جعله يراقبها دون وعي منه.
‘صغيرة… وتلمع.’
كانت الأميرة أصغر وأرقَّ مما تخيله رويك. كان شعرها الذهبي يتلألأ تحت انعكاس ضوء الشمس على الثلوج، وعندما كانت الرياح تداعب خصلاتها، شعر بالقلق من أن تطير بعيدًا مع الريح.
بقي يراقبها من بعيد كأنه غرابٌ يطمع في شيءٍ يلمع، ثم مضى في طريقه. وعند عودته، اختار طريقًا طويلاً لا يطل على الحديقة، كي لا يشتت ذهنه برؤيتها مجددًا.
ورغم مرور الوقت، وظنه أنها غادرت المكان، إلا أنَّ عينه ظلت تتجه نحو النافذة فور عودته لغرفته.
‘سأتأكد من رحيلها فقط، ثم أنصرف لعملي.’
وبهذه النية، أطلَّ من النافذة، ليجدها لا تزال في مكانها!
شعر بموجة من الغضب تسري في رأسه. لماذا تفعل ذلك بنفسها في هذا البرد؟
‘ألا يوجد من يهتم لأمرها؟ ماذا لو أصيبت بالحمى، من سيكون المسؤول حينها؟’
وبينما كان يصب جام غضبه داخليًا، التقت عيناه بعينيها فجأة.
‘لا بأس، المسافة بعيدة. كما أنها لا تعرف شكلي أصلاً.’
التعليقات لهذا الفصل " 9"