مع اقترابنا من المَحطّة المنشودة، كرر فيريل عرضه بإلحاحٍ أن نتبادل العربات.
في الواقع، كان يساورني شيءٌ من الخجل وأنا أستعد للظهور للمرّة الأولى بصفتي زوجة الدوق الأكبر، مَحمولةً في عربةٍ مُتهالكة مُستأجرة، لا تكاد تقوى على المسير. بل إنَّ تسميتها “عربة ركاب” كان مَحض مُجاملة؛ فقد كانت في الأصل مُخصّصة لنقل الأمتعة.
‘وقد اخترتُ أرخصها ثمنًا بين الجميع.’
أتذكّر تمتمة هيدريك حين مرّ بجانبها قائلًا بسخرية: ‘يا لها من ألواح خشبية بائسة…’. ومع اقترابنا من بلينهايم، بدأت الرياح الباردة تتسلل عبر شقوقها كأنها نِصالٌ حادّة، حتى تجمّدت أطرافي تمامًا.
في النهاية، استسلمتُ وصعدتُ مع فيريل إلى العربة التي تحمل شعار عائلة الدوق.
حين بدأت العربة بتجاوز الجبل الأخير، انبسطت أمامي أراضي الدوقية المغطاة بالثلوج في مشهدٍ يسلب الألباب. كانت قلعة الدوق تتوسط المَشهد، محاطة بأسوار رمادية حصينة، وتنتشر حولها القرى الكبيرة والصغيرة فوق السهول الفسيحة والروابي المُمتدة.
“تلك الجبال التي تلوح في الأفق هي حدودنا مع مملكة روندوريس، أمّا من جهة الجنوب، فعلينا عبور تلك السلسلة الجبلية الثانية هناك.”
اتسعت عيناي بذهول ولم أستطع منع نفسي من الهمس: “لم أتخيل أبدًا أن تكون الدوقية بهذا الاتساع.”
“سكان العاصمة نادرًا ما يزورون هذه الأنحاء، لذا يظنُّ الكثيرون أنها مُجرد إقطاعية صغيرة منسية على الأطراف.”
لقد كنتُ حبيسة القصر في العاصمة، ولم أرَ طوال رحلتي سوى الغابات الكثيفة. لذا، خفق قلبي بحماس حين علمتُ أنني سأشاهد أخيرًا القرى النابضة بالحياة والشوارع التجارية.
سألتُه وعيناي تلمعان بالفضول: “هل سأتمكن من التجول في القرية قريبًا؟”
بينما كنتُ غارقة في انبهاري، تردد فيريل قليلًا قبل أن يقول بنبرة حذرة: “عفوًا… سموّ الأميرة.”
وتابع بملامح يكسوها الارتباك: “لقد أرسلتُ خبرًا للدوق الأكبر يُفيده بوصولكِ اليوم، ولكن نظرًا لانشغاله الشديد في الآونة الأخيرة، فقد لا يتمكن من الخروج لاستقبالكِ.”
رأيتُ القلق جليًّا على وجهه، فرسمتُ على شفتيَّ ابتسامةً هادئة.
“لا بأس، لا تشغل بالك بهذا الأمر.”
‘في الحقيقة، سأكون محظوظة لو لم يطردني فور وصولي، فكيف لي أن أحلم باستقبالٍ حافل؟’
يبدو أن فيريل أساء فهم كلماتي، فارتسمت في عينيه نظرة شفقة وهو يتمتم: “ولكن…”
“حقًّا، لا بأس. نحن نتحدث عن رجلٍ لم يحضر حتى حفل زفافه من شدة انشغاله، أليس كذلك؟”
رفع فيريل طرف فمه بابتسامة مُرتبكة.
“يسعدني أنكِ تتفهمين الأمر.”
أشحتُ بنظري عنه وأنا أقول في نفسي: ‘مَن يصمدُ حتى النهاية هو الفائز.’
***
“يُشرفني لقاء سموّ الدوقة الكبرى، أنا ويتلي، كبير خدم قلعة بلينهايم.”
انحنى أمامي رجلٌ بملامح وقورة وشعرٍ أبيض كالثلج، يبدو عليه الوقار والرقي.
“أنا ممتنة لك، أتطلع للعمل معك.”
“لابد أنكِ مُنهكة من وعثاء السفر، سأقودكِ إلى غرفتكِ أولًا.”
رغم أنني لم أتوقع استقبالًا من الدوق، إلا أن رؤية رئيس الخدم وحيدًا أمام القلعة أصابني بشعور طفيف بالخيبة. ومع ذلك، قلتُ لنفسي إنَّ مُجرد السماح لي بالدخول دون طرد هو نصرٌ بحد ذاته.
كانت القلعة من الداخل تمتاز بأسقفٍ شاهقة، تجعل لصدى خطواتي رنينًا يملأ المكان. وبينما كنتُ أصعد الدرج خلف ويتلي، سرت قشعريرةٌ في جسدي من البرودة التي تنبعث من الجدران الحجرية.
لم يكن هناك أيُّ أثرٍ لدفء بشري داخل القصر؛ فالصمت المُطبق كان يضفي جوًّا من الوحشة، مما جعلني ألتصق بكبير الخدم كي لا أبتعد عنه.
لحسن الحظ، كانت الغرفة دافئة، ويبدو أنهم أوقدوا النار فيها مُسبقًا.
قال ويتلي وهو يهمُّ بالمغادرة: “سأرسل الخادمة لخدمتكِ فورًا.”
“عفوًا……”
ستوقفتُه بسرعة. كان الرجل يتمتع ببنية ضخمة تميز أهل الشمال، وبدت عليه هيبةٌ طاغية رغم تقدمه في السن.
“هل قلتَ إن اسمك ويتلي؟”
“نعم يا سموّ الأميرة، هل تأمرين بشيء؟”
كان صوت ويتلي ناعمًا وهادئًا، على عكس مَظهره المهيب.
“أين يوجد الدوق الأكبر الآن؟”
“لقد غادر سموُّه القلعة مُؤقتًا لمباشرة بعض المهام الرسمية.”
“ومتى سيحين موعد العشاء؟”
“إذا كنتِ تشعرين بالجوع، فبإمكاني إحضار الطعام الآن. هل تفضلين تناوله في قاعة الطعام؟”
“لا، كنتُ أسأل فقط لأعرف إن كنتُ سأتمكن من رؤية الدوق وقت العشاء.”
“لم يترك لي سموُّه موعدًا محددًا لعودته.”
“أممم… حسنًا، هل يمكنكَ إخباره بأنني أرغب في لقائه حين يعود؟”
رسم ويتلي على وجهه ابتسامة مِهنية مثالية، تذكرني بأفضل مُوظفي العلاقات العامة الذين تعاملتُ معهم في حياتي السابقة؛ لم يكن بها شائبة واحدة.
“بكل تأكيد، سأبلغه بطلبكِ فور وصوله.”
“وأريد تناول العشاء في غرفتي.”
“سأجهزه لكِ حالًا. هل هناك صنفٌ معين لا ترغبين في تناوله؟”
“لا، ولكنني متعبة قليلًا اليوم، لذا أفضل وجبة خفيفة.”
“سأعدُّ لكِ ما هو خفيفٌ وشهيّ.”
خرج ويتلي من الغرفة بحركة انسيابية ولباقة عالية.
‘إنه كبير خدمٍ محنك حقًّا.’
كانت الغرفة مريحة ودافئة، رغم أنها بدت خالية بعض الشيء مقارنة بقصر الماركيز. كنتُ أخشى أن يضعني الدوق في غرفة متهالكة أو باردة ليطردني، لكن يبدو أنه ليس بذلك الرجل الصغير الذي يلجأ لهذه الحيل الطفولية.
‘يجب أن أتزين جيدًا إذا أردتُ لقاءه الليلة.’
طوال الطريق، كنتُ أرتب أفكاري حول كيفية إقناعه ببقائي في القلعة. قضيتُ لياليَّ أتدرب على كل السيناريوهات المُحتملة.
من يدري؟ ربما تكون آنيت جميلة بما يكفي ليقع الدوق في حبها من النظرة الأولى!
‘لا، يبدو أن خيالي قد جمحَ بعيدًا هذه المرة.’
استلقيتُ على السرير الوثير وأنا أبتسم لنفسي، يراودني شعورٌ بأن لقائي الأول بالدوق لن يكون سيئًا.
***
“هذا… هذا كثيرٌ جدًّا!”
حدّق رويك في فيريل الذي كان صوته يرتجف، ثم قطب حاجبيه وقال بنبرة باردة:
“أعتقد أن هذا الكلام يجب أن يخرج مني أنا، أليس كذلك؟”
أمال رويك رأسه بجفاء وتابع بصوتٍ منخفض جعل فيريل يرتعد.
“أيها الفارس فيريل أوتيس. لقد كانت أوامري بسيطة وواضحة للغاية.”
كان يتحدث عن أمرٍ بديهي وهو إعادة الأميرة من حيث أتت، فما بال هذا الموقف المُتمرد من مساعده؟ شبك رويك ذراعيه ببطء وهو جالس خلف مكتبه الواسع وسأل: “هل فقد مُساعدي عقله أخيرًا؟”
“الأمر ليس كذلك…”
شبك فيريل يديه كأنه يتوسل إليه.
“ولكن، لقد وصلت بالفعل إلى هنا. كيف يمكننا إعادة عروسٍ فور وصولها؟ لقد عانت الكثير في طريقها إلى هنا.”
ارتفع طرف فم رويك بابتسامة ساخرة.
“لماذا؟ هل تباكت الأميرة العزيزة واشتكت من تعب الطريق؟”
“الأميرة العزيزة؟”
نظر إليه فيريل بنظرة مظلومة وقال: “لو رأيتَ ما الذي كانت تركبه لتصل إلى هنا، لما قلتَ هذا الكلام أبدًا.”
في الواقع، كان رويك قد لمح موكب الأميرة من نافذة مكتبه عند وصولهم. كل ما تذكره هو لمحة من شعرها الأشقر الباهت الذي ذكّره بجبال بلينهايم الثلجية.
تذكر الآن أن هناك عربة أخرى كانت تتبعهم.
‘هل أتت حقًّا في ذلك الشيء؟’
حين استرجع صورة تلك الألواح الخشبية المتهالكة التي كانت تتبع عربة الشعار، لم يشعر بالارتياح.
شعر بضيقٍ لا مبرر له، فالتفت إلى ويتلي الذي دخل لتوّه بعد أن أوصل الدوقة إلى غرفتها.
“وماذا عن الأميرة؟”
“لقد أرسلتُ لها العشاء إلى غرفتها. وقالت إنها ترغب في لقائك فور عودتك.”
لقاء؟ أيُّ لقاء؟
تجاهل لويك الطلب كأنه لا يستحق الرد وقال بصرامة: “أخبرني حين تتحسن حالتها قليلًا. سأعيدها إلى العاصمة فورًا.”
“أمرُكَ سيدي.”
أومأ ويتلي برأسه بهدوء، بينما خرج فيريل وهو يغلق فمه بإحكام. وحين خيم الصمت على المكتب، وضع لويك يده على جبينه الذي بدأ يؤلمه.
‘هل تنوي حقًّا العيش هنا؟’
كان يعلم أنها تمتلك بعض القوة، ولكن أن تأتي إلى بلينهايم في عربة بائسة كهذه… فهذا يعني أنها تمتلك إرادة صلبة لا يستهان بها.
‘يا لها من مُزعجة.’
لكنَّ هذا لن يحدث. مهما حاولت الصمود، فلن تلبث إلا أيامًا قليلة. الأفضل لها أن تستسلم وتعود إلى رغد العيش في العاصمة؛ فهذا أصلح لها.
***
‘يا له من رجلٍ فظ!’
كان عليَّ أن أغير تقييمي السخي للدوق تمامًا.
هذا الدوق الضيق الأفق والمراوغ لم يقابلني منذ عدة أيام.
في البداية، لم أشك في قوله إنه مشغول، فمن الطبيعي أن يكون دوق الشمال غارقًا في محاربة الوحوش وإدارة شؤون إقطاعيته ورعاية شعبه.
لكن مرّ يوم، ثم يومان، ثم ثلاثة.
حينها فقط أدركتُ أن ردود ويتلي كانت مُجرد صياغة مُهذبة لرفض الدوق مقابلتي.
حاولتُ التردد على قاعة الطعام في أوقاتٍ غير متوقعة لعلي أصادفه، ووقفتُ طويلًا أمام مدخل القلعة، بل إنني كنتُ أخرج للمشي ثلاث مرات في اليوم!
ومع ذلك، لم ألمح منه حتى طرف ثوبه.
ـ “أرغب في التجول داخل القلعة قليلًا.”
ـ “سموّ الأميرة، مع كامل احترامي، تصميم القلعة يُعدُّ سرًّا عسكريًّا، لذا يتطلب التجول فيها إذنًا مباشرًا من الدوق الأكبر.”
ـ “وأين هي غرفة الدوق؟ سأذهب إليه بنفسي لطلب الإذن.”
ـ “موقع غرفة سموّه يندرج أيضًا تحت بند المعلومات التي لا يحق لي إفشاؤها.”
‘إذًا ما الذي يحق لكَ إخباري به بحق الجحيم؟’
ورغم كل شيء، كان ويتلي بارعًا جدًّا في امتصاص غضبي.
ـ “عوضًا عن ذلك، يبدو أن الشاي قد برد، سأحضر لكِ كوبًا آخر. أو ربما أُعجل بموعد الغداء؟ لقد وصلت شحنة طعام طازجة اليوم، والطباخ يُعدُّ أطباقًا مَوسمية رائعة.”
ـ “أطباق مَوسمية؟”
ـ “لقد وصلتنا كميات جيدة من الصدفيات من روندوريس.”
ـ “آه… تبدو لذيذة… حسنًا، فلنبدأ بالغداء إذًا.”
كان الأمر يسير دائمًا على هذا المنوال.
ومهما حاولتُ الضغط على ويتلي، كان ينسلُّ من الأسئلة كما تنسلُّ الشعرة من العجين. لدرجة أنني فكرتُ في نفسي لو كان في عالمي الحقيقي، لكان نموذجًا يُحتذى به لموظفي الوكالات الكبرى.
ولكن، لم يعد بإمكاني الانتظار أكثر.
إنَّ بقائي هكذا لا يختلف أبدًا عن كوني حبيسة قصر الماركيز. في القصة الأصلية، ضاعت الأيام هكذا حتى انتهى الأمر بإعلان بطلان الزواج.
لقد جئتُ إلى هنا لأمنع حدوث ذلك، ولا يمكنني السماح للتاريخ بأن يعيد نفسه.
إذا كان الدوق يتبع هذا الأسلوب، فعليَّ أن أتحرك بدوري.
بعد الغداء، استغللتُ خلوَّ المكان وتسللتُ خارج غرفتي. رأيتُ ممرات لا تنتهي، تصطفُّ على جانبيها أبوابٌ لا حصر لها.
‘إذا طرقتُها واحدًا تلو الآخر، فسأصل حتمًا إلى غرفة الدوق في النهاية، أليس كذلك؟’
الغرف كثيرة حقًّا، لكنَّ الوقت هو الشيء الوحيد الذي أملكه بوفرة.
أخذتُ نفسًا عميقًا، وبدأتُ أطرق الأبواب بابًا تلو الآخر بلا تردد.
التعليقات لهذا الفصل " 8"