تلكَ النَّظرةُ التي ارتسمت في عيني الدُّوقِ قبلَ قليلٍ لم تكن ازدراءً أو كراهيَّةً لي، بل كانت أقربَ ما يكونُ إلى الخوفِ؛ خوفٌ يسكنُ مُقلتيهِ من أن يتسبَّبَ هو في أذيَّةِ أحدٍ ما.
‘لِهذا كانَ يتجنَّبُني.’
اليومَ فقط أدركتُ ذلكَ بوضوحٍ. هروبُ الدُّوقِ المستمرُّ —وإن كانَ جزءٌ منهُ بسببِ نفورِهِ منِّي— إلا أنَّ جوهرَهُ كانَ خشيةً من أن يمسَّني سوءٌ بسببهِ.
تتكاثرُ مانا التِّنينِ ذاتيًّا داخلَ الجسدِ، لذا يجبُ تفريغُها بانتظامٍ. وإذا فاتَ الأوانُ أو لم يتمَّ تحريرُ الطَّاقةِ الكافيةِ، فإنَّ المانا المتراكمةَ تنفجرُ داخليًّا، مسبِّبةً حالةً من الهياجِ ترافقُها آلامٌ تمزِّقُ الجسدَ تمزيقًا.
يستهلكُ الدُّوقُ مانا التِّنينِ باستمرارٍ من خلالِ حملاتِ تطهيرِ الوحوشِ، لكنَّ هذا ليسَ سوى حلٍّ مؤقَّتٍ. الطَّريقةُ المثلى لتخفيفِ هذا العبءِ هي نقلُ المانا عبرَ التَّلامسِ الجسديِّ معَ شخصٍ آخرَ.
والمعضلةُ تكمنُ في طبيعةِ التِّنينِ التي تميلُ للنِّساءِ، لذا فالنِّساءُ وحدهنَّ القادراتُ على استقبالِ مانا التِّنينِ وتوزيعِها. وفوقَ ذلكَ، إذا لم تكن المرأةُ بارعةً في التَّحكُّمِ بالمانا، فإنَّ الطَّاقةَ تتعقَّدُ داخلَ جسدِها مسبِّبةً آثارًا جانبيَّةً قاتلةً فورًا.
وفي عالمِ الرِّوايةِ، لم توجد سوى امرأةٍ واحدةٍ تملكُ القدرةَ على ترويضِ مانا الدُّوقِ، وهي القدِّيسةُ “كونستين”.
لذا، فإنَّ أيَّ امرأةٍ أخرى غيرَها ستُعاني آلامًا مبرحةً بمجرَّدِ لمسِ يدِ الدُّوقِ، بل قد يودي بها الأمرُ إلى الموتِ إذا طالَ التَّلامسُ.
بمعنى آخرَ…. حينَ احتضنني الدُّوقُ، كنتُ على شفا الموتِ.
‘لماذا لم أفكِّر في هذهِ الحقيقةِ الجوهريَّةِ قبلَ أن أُقْدِمَ على فِعلتي؟’
كدتُ أودِّعُ هذا العالمَ لسببٍ في غايةِ الحماقةِ.
لكنَّ الأمرَ الأكثرَ غرابةً هو أنَّني لم أشعر بشيءٍ رغمَ التَّلامسِ الطَّويلِ معَ الدُّوقِ. كانَ من المفترضِ أن أواجهَ ألمًا حادًّا بمجرَّدِ اللَّمسِ، لكنَّني احتضنتُه لوقتٍ ليسَ بالقصيرِ دونَ أن أشعرَ بأيِّ انزعاجٍ، بل على العكسِ، شعرتُ بالرِّضا والارتياحِ بينَ ذراعيهِ القويَّتينِ….
على أيِّ حالٍ، جرحُ كفِّي هذا يؤلمُني أكثرَ بكثيرٍ ممَّا شعرتُ بهِ معَهُ.
لا أظنُّ أنَّني أملكُ براعةَ كونستين في إدارةِ المانا، فهل يعقلُ أنَّ قوَّتَهُ لا تؤثِّرُ في القادمينَ من عوالمَ أخرى؟
‘ربَّما لو أمسكتُ يدَهُ مرَّةً أخرى سأعرفُ الحقيقة….’
هذا طبعًا إن وافق الدُّوقُ على مقابلتي، فبعدَ ما حدثَ الليلةَ، سيُصبحُ الوصولُ إليهِ أصعبَ من نيلِ النُّجومِ.
‘تُرى، هل ذراعهُ بخيرٍ؟ ماذا لو كانَ الجرحُ غائرًا؟’
تذكَّرتُ قطراتِ الدَّمِ التي كانت تنسابُ من ذراعِهِ كالمطرِ.
‘أحسنتِ صُنعًا يا أنيت، لقد تركتِ أسوأَ انطباعٍ أوَّلٍ ممكنٍ.’
كانت تفوحُ من جسدِهِ بعدَ الاستحمامِ رائحةُ شتاءٍ باردةٌ ومنعشةٌ، بينما كانت رائحةُ النبيذِ والطَّماطمِ تفوحُ منِّي بالتَّأكيدِ. كانَ يجدرُ بي الذَّهابُ إليهِ وأنا في كاملِ وعيي على الأقلِّ.
ركلتُ اللَّحافَ بضيقٍ غارقةً في لومِ نفسي الذي لا ينتهي.
وعلى الرَّغمِ من كلِّ هذا القلقِ، غلبني النَّعاسُ بشكلٍ غريبٍ. أرسلتُ دعواتِ اعتذارٍ حارَّةً في سرِّي للخدمِ الذينَ سيضطرونَ لتنظيفِ تلكَ الفوضى في جوفِ اللَّيلِ بسببِ الدُّوقةِ الحمقاءِ، ثمَّ غططتُ في نومٍ عميقٍ.
***
رويك بلينهايم، سيِّدُ القلعةِ وحاكمُ المقاطعةِ، غرقَ في نومٍ هانئٍ.
حينَ استيقظَ رويك في الصَّباحِ الباكرِ، لم يصدِّق نفسَهُ، وظلَّ يرمشُ بعينيهِ في ذهولٍ. لم يكن يتوقَّعُ أنَّ الصَّباحَ قد حلَّ بهذهِ السُّرعةِ…. كانَ ضوءُ الشَّمسِ يتسلَّلُ على استحياءٍ من وراءِ النَّافذةِ.
ألم يكن روتينه المعتادُ هو التَّقلُّبُ في فراشِهِ حتَّى الفجرِ، ولا يزورهُ النَّعاسُ إلا حينَ تبزغُ خيوطُ الضَّياءِ؟
‘أيعقلُ أنَّ السَّببَ هو ابنةُ الماركيزِ حقًّا؟’
قليلونَ جدًّا هم من يعرفونَ سرَّ لعنتِهِ، ومنهم ويتلي. وبسببِ جهلِ فيريل بالأمرِ، كانَ رويك في حالةِ توتُّرٍ دائمٍ منذُ أن أحضرَ هذه الآنسـة إلى بلينهايم.
بل إنَّ فيريل حاولَ إقناعَهُ بأنَّها ليست جاسوسةً للماركيزِ، مُستشهدًا بتلكَ العربةِ المتهالكةِ التي وصلت بها. وكلَّما زادَ إصرارُ فيريل، زادت رغبةُ رويك في إعادتِها من حيثُ أتت في أسرعِ وقتٍ.
فمجرَّدُ لمسِ رويك لها قد يؤذيها، وهذا نوعٌ من التَّفوُّقِ غيرِ العادلِ والمرفوضِ لديهِ.
ماذا لو خانهُ الماركيزُ فجأةً؟ هل سيستطيعُ رويك كبحَ غضبهِ وعدمِ صبِّهِ على هذهِ الفتاةِ؟
كانت قوَّةُ التِّنينِ تجعلُ رويك في حالةٍ من عدمِ الاستقرارِ الدَّائمِ، ولم يكن يثقُ في ثباتِ عقلِهِ ورزانتِه. فلو مسَّها بدافعِ نزوةٍ أو اندفاعٍ، لن يغفرَ لنفسهِ أبدًا، لأنَّ ذلكَ سيكونُ بمثابةِ مجزرةٍ بحقِّ كائنٍ ضعيفٍ.
ورغمَ أنَّ ويتلي يعتني بكلِّ شؤونِها، إلا أنَّ العيشَ هنا ليسَ بالأمرِ الهيِّنِ؛ فهي في منطقةٍ حدوديَّةٍ نائيةٍ، بلا أهلٍ ولا أصدقاءٍ. تمنَّى لو ترحلُ بسرعةٍ بدلاً من أن تجلبَ لنفسِها الشَّقاءَ.
ربَّما كانَ عدمُ اكتراثِهِ بجمالِ النِّساءِ سابقًا نابعًا من جهلِه، أو غطرستِه لكونِهِ لم يرَ امرأةً بهذا السِّحرِ من قبلُ.
وحينَ انزلقت قدماها، لم يشعر بنفسِهِ إلا وهو يضمُّها إليهِ. تحرَّكَ جسدُهُ قبلَ عقلِهِ خوفًا من أن تُصابَ بأذىً، وهو فعلٌ جنونيٌّ؛ لأنَّ لمستَهُ هي الخطرُ الأكبرُ عليها. كانَ ذلكَ الموقفُ هو تجسيدٌ لمخاوفِهِ من أن يفقدَ عقلُهُ السَّيطرةَ.
لكن ثمَّةَ شيءٌ واحدٌ خالفَ توقُّعاتِه؛ وهو أنَّ دافعَهُ لم يكن الغضبَ، بل كانَ القلقَ المحضَ.
وبمجرَّدِ أن تلامسَ جسداهما، انسابت المانا المتراكمةُ في جسدِ رويك نحوها بلمحِ البصرِ، تمامًا كما يتسرَّبُ الماءُ من شقٍّ في زجاجةٍ.
في تلكَ اللَّحظةِ، غمرَ رويك شعورٌ بالأمانِ لم يذق طعمَهُ منذُ وُلِدَ.
تلاشتِ الآلامُ التي كانت تنهشُهُ ببطءٍ، وكأنَّها لم تكن موجودةً قطُّ. ولأوَّلِ مرَّةٍ منذُ وقوعِه تحتَ تأثيرِ اللَّعنةِ، شعرَ رويك بأنَّهُ حيٌّ تمامًا.
في الوقتِ ذاتِه، تسلَّلت إلى أنفهِ رائحةٌ حلوةٌ؛ عبيرٌ خفيٌّ لا يمكنُ تجاهُلُه، غلَّفَ المكانَ بجاذبيَّةٍ لا تُقاومُ.
تمنَّى في سرِّهِ لو يظلُّ محتضنًا إيَّاها للأبدِ، ولم يستفق من تلكَ النَّشوةِ العميقةِ إلا بعدَ فواتِ الأوانِ.
‘ماذا فعلتُ بحقِّ خالـق السَّماءِ؟’
بدأ قلبُهُ الذي كانَ ينبضُ بالرَّاحةِ يخفقُ الآنَ بجنونِ الخوفِ. سألها بصوتٍ يرتجفُ لدرجةٍ أثارت سخريةَ نفسِه:
― “أنا بخيرٍ. وأنتَ.. هل أنتَ بخيرٍ يا سموَّ الدُّوقِ؟”
حينَ رأى قلقَها عليهِ وكأنَّ شيئًا لم يكن، اجتاحت رويك موجةٌ من الارتباكِ العارمِ.
وحتَّى بعدَ رحيلِها، ظلَّ يسألُ ويتلي مرارًا وتكرارًا عن حالِها.
لم يكن يدري أكانَ نجاةُ أنيت من لمستِهِ أمرًا يدعو للارتياحِ أم للقلقِ. وبعدَ أن طمأنَهُ ويتلي عشرَ مرَّاتٍ، وضعَ رويك رأسَهُ على وسادتِه.
لقد جُنَّ جنونُه بالتَّأكيدِ. كانَ قابَ قوسينِ من قتلِها.
لكنَّ تلكَ الرَّائحةَ كانت حقًّا عذبةً؛ كانت تُشبهُ الرَّائحةَ التي يشمُّها في صوبةِ والدتِه حينَ كانَ صغيرًا، رائحةٌ تبعثُ السَّكينةَ في النَّفسِ تِلقائيًّا.
هل سيتمكَّنُ من معرفةِ سرِّ تلكَ الرَّائحةِ لو احتضنَها مرَّةً أخرى؟
غرقَ رويك في دوَّامةٍ من المشاعرِ المتناقضةِ التي أرَّقت مضجعَه.
ولكن، لدهشتِهِ الشَّديدةِ، لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتَّى استسلمَ لنومٍ عميقٍ وكأنَّهُ أُغميَ عليهِ من التَّعبِ. وكانت تلكَ المرَّةَ الأولى التي ينامُ فيها حتَّى الصَّباحِ دونَ استيقاظٍ منذُ ورثَ اللَّعنةَ.
ومهما حاولَ عقلهُ إيجادَ تفسيراتٍ، لم يجد سوى فرضيةٍ واحدةٍ:
[المرأةُ التي لا تؤثِّرُ فيها لعنةُ التِّنينِ.]
‘هل يعقلُ أن تكونَ هي المُنقذةَ التي ستُنهي آلامي؟’
كانت اللَّعنةُ قدرَهُ المحتومَ. وكذبَ إن قالَ إنَّهُ لم يسبق لهُ أن تذمَّرَ منها، لكنَّهُ تعايشَ معها كجزءٍ لا يتجزَّأُ من كيانهِ منذُ أمدٍ بعيدٍ، ولم يجرؤ حتَّى على الحلمِ بظهورِ مخلِّصٍ لهُ.
بل في الحقيقةِ، لم يكن يريدُ مُنقذًا؛ فقد كانَ يرفضُ أن يتحكَّمَ أيُّ إنسانٍ في مصيرِه، ولا يرغبُ في أن يكونَ مدينًا لأحدٍ بحياتِه. يكفيهِ التِّنينُ واحدًا يكبِّلُ حريَّتَه.
إنَّ فكرةَ أن يكونَ تابعًا لشخصٍ ما، يتوقُ لمستِهِ ويتوسَّلُ نوالَ عطفِه طوالَ العمرِ، كانت فكرةً مرعبةً. والأدهى من ذلكَ…. هو ألا تكونَ تلكَ المرأةُ سِوى ابنةِ الماركيزِ.
التعليقات لهذا الفصل " 13"