ارتقيتُ درجاتِ السُّلَّمِ نحو الطَّابقِ الثَّالثِ، ثمَّ اتجهتُ بخطًى وئيدةٍ نحو الغرفةِ القصيَّةِ في الجناحِ الغربيِّ.
كانَ الرِّواقُ غارقًا في سكونٍ تامٍّ. وعلى طولِ الممرِّ المظلمِ الذي لم يكسر عتمتَهُ ضياءٌ، تردَّدَ صدى وقعِ أقدامي ثقيلًا وموحشًا.
ربَّما بسببِ البرودةِ التي كانت تفوقُ برودةَ الطَّابقِ الثَّاني، أو لعلَّه الخوفُ من ردَّةِ فعلِ الدُّوقِ تجاهَ زائرةٍ غيرِ مرغوبٍ فيها، وجدتُ جسدي يرتجفُ قسريًّا.
‘ما هذا الشُّعورُ المزعجُ بالألفةِ معَ هذا الموقفِ؟’
فجأةً، قفزت إلى ذاكرتي حادثةٌ من أيامِ بداياتي المهنيَّةِ.
أتذكَّرُ حينَ قرَّرت إحدى العارضاتِ التَّوقُّفَ عن التَّصويرِ واختبأت في غرفتِها رافضةً الخروجَ. وحينَ لم تفتحِ البابَ رغمَ كلِّ المحاولاتِ، اضطررتُ للتَّظاهرِ بأنَّني منسقةُ ملابسٍ لأتمكنَ من الدُّخولِ إليها.
‘لقد توسَّلتُ إليها يومَها بقلبٍ يرتجفُ حتَّى كدتُ أجثو على ركبتيَّ….’
― “أرجوكِ! مشهدُ تناولِ البيتزا، مشهدٌ واحدٌ فقط! أتوسَّلُ إليكِ!”
― “يا للهولِ، تبذلينَ جهدًا شاقًّا. وبما أنَّكِ تطلبينَ بهذا الإصرارِ، فلا يسعُني الرَّفضُ. هيَّا، أحضروا الملابسَ.”
هكذا عادتِ العارضةُ لموقعِ التَّصويرِ وكأنَّها تمنُّ علينا بفضلِها.
وهل انتهى الأمرُ على خيرٍ؟ كلا، بل أرسلَ وكيلُ أعمالِها في اليومِ التَّالي احتجاجًا رسميًّا لشركتِنا. كانت الحجَّةُ كما أذكرُ: “المطالبةُ بالتَّصويرِ القسريِّ دونَ احترامِ خصوصيَّةِ العارضةِ”. وبسببِ ذلكَ، كُتبَ بحقِّي لفتُ نظرٍ، واقتُطِعَ من راتبي لثلاثةِ أشهرٍ كاملةٍ.
‘هل أعودُ الآنَ قبلَ فواتِ الأوانِ؟’
بينما كنتُ أتفكَّرُ فيما إذا كنتُ سأوقِّعُ هذهِ المرَّةَ أوراقَ طلاقٍ بدلًا من أوراقِ لفتِ النَّظرِ، وجدتُ نفسي أمامَ البابِ.
كانَ عليَّ الطَّرقُ، لكنَّ يديَّ كانتا مشغولتينِ بحملِ صينيَّةِ الشَّايِ. وحينَ هممتُ بدفعِ البابِ برفقٍ، انزلقَ الدَّفاتُ وكأنَّهُ لم يُغلق بإحكامٍ، فاندفعَ جسدي للداخلِ قسرًا. ترنَّحتُ قليلاً وأنا أجتازُ العتبةَ:
“سموَّ الدُّوقِ؟”
كانت غرفةُ الاستقبالِ خاويةً، سوى من ضوءٍ خافتٍ ينبعثُ من مصباحٍ سحريٍّ موضوعٍ فوقَ الطَّاولةِ.
ألا يوجدُ أحدٌ هنا؟
وبينما كنتُ أتردَّدُ في الرَّحيلِ، تناهى إلى مسامعي صوتُ خريرِ ماءٍ بسيطٍ قادمٍ من جهةِ الحمَّامِ، وليسَ من غرفةِ النَّومِ.
‘أيعقلُ أنَّهُ يستحمُّ؟’
اقتربتُ بحذرٍ وأنا أحملُ صينيَّةَ الشَّايِ، كانَ هدفي التَّحقُّقَ من وجودِ أحدٍ ثمَّ الانصرافُ فورًا. وضعتُ أذني على بابِ الحمَّامِ بترقُّبٍ، وفجأةً… انقطعَ صوتُ الماءِ تمامًا.
لحظةً، ماذا سيحدثُ لو خرجَ الدُّوقُ الآنَ؟
“……!”
في تلكَ اللَّحظةِ، وكأنَّ إبرةً وخزت ضميري، استيقظَ عقلي فجأةً ليمسكَ بتلابيبِ فكري.
ابنةُ العدوِّ التي تتسلَّلُ إلى غرفتِهِ في وقتٍ متأخرٍ من اللَّيلِ وهي تحملُ صينيَّةَ شايٍ مشبوهةً…. حتَّى لو اتُّهمتُ بمحاولةِ القتلِ بالسمِّ الآنَ، فلن أجدَ ما أدافعُ بهِ عن نفسي.
وحتَّى لو نُظرَ للأمرِ بأكثرِ الطُّرقِ تسامحًا، فسأبدو كمنحرفةٍ جاءت لتتلصَّصَ على الدُّوقِ وهو يستحمُّ.
‘يجبُ أن أرحلَ فورًا!’
كانت غريزتي تصرخُ بي للفرارِ، لكنَّ قدمايَ تجمَّدتا وكأنَّهما خذلتا إرادتي.
حفيف—
سمعتُ صوتَ دثارِ الحمَّامِ وهو يُلفُّ حولَ جسدِه في الدَّاخلِ.
بدأ إبريقُ الشَّايِ والأكوابُ يهتزَّانِ فوقَ الصينيَّةِ اهتزازًا مفضوحًا؛ فالهروبُ الآنَ دونَ إحداثِ جلبةٍ باتَ مستحيلًا.
تجمَّدت أفكاري وصارَ عقلي صفحةً بيضاءَ.
فجأةً….
انفتحَ بابُ الحمَّامِ على مِصراعيهِ، ووقفتُ أنا مكاني، متصلِّبةً بصينيَّتي.
من بينِ سحبِ البخارِ الكثيفةِ، خرجَ رجلٌ ببنيةٍ جسديَّةٍ مهيبةٍ، ملتفًّا بدثارِ حمَّامٍ رقيقٍ فوقَ جسدِه المبلَّلِ.
من خلالِ فتحةِ الدِّثارِ التي انسدلت بتراخٍ، ظهرَ كتفاهُ العريضانِ وصدرُه القويُّ، وفوقَ عظمِ التَّرقوةِ الغائرِ، امتدَّ خطُّ عنقِه بجمالٍ أخَّاذٍ.
ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ وارتجفَ حلقي.
رفعتُ نظري ببطءٍ حتَّى التقت عينايَ بوجهِهِ، وفي سرِّي، انطلقت صرخةُ إعجابٍ مدويَّةٍ:
‘أهذا ما يقصدونَه بجمالٍ مصوغٍ بعنـاية؟’
عينانِ حادَّتانِ، وأنفٌ شامخٌ، وشفتانِ رقيقتانِ يميلُ لونهما للحمرةِ… كانَ وجهًا فاتنًا لدرجةٍ تجعلُ كلمةَ “وسيمٍ” تبدو قاصرةً بحقِّه.
كانَ الماءُ يقطرُ من خصلاتِ شَعرِهِ السوداءِ التي غطَّت جبينَهُ، لتشكِّلَ تلكَ القطراتُ جداولَ صغيرةً تنسابُ فوقَ تقاسيمِ صدرِه المشدودِ.
‘يا… يا لروعتِه…’
أيعقلُ أن يكونَ هذا وجهَ شخصيَّةٍ ثانويَّةٍ فقط؟
لقد رأيتُ في حياتي السَّابقةِ رجالاً وسماءً لدرجةِ السَّأمِ، لكنَّني لم أشهد قطُّ وقارًا يخلبُ اللُّبَّ مثلَ هذا الجمالِ.
في تلكَ اللَّحظةِ، تجمَّدَ الدُّوقُ حينَ رآني وسطَ الضَّبابِ الأبيضِ.
عقدَ ما بينَ حاجبيهِ وكأنَّهُ يشكُّ في صحَّةِ ما تراهُ عيناهُ . “…….”
ظللنا نتبادلُ النَّظراتِ في صمتٍ مذهولٍ، قبلَ أن تتَّسعَ عينا الدُّوقِ دهشةً ويسارعَ إلى إغلاقِ دثارِه بإحكامٍ.
“كيـ.. كيفَ وصلتِ إلى هنا؟!”
صحيحٌ، لقد اقتحمتُ هذهِ الغرفةَ دونَ إذنٍ.
استعدتُ وعيي فجأةً ورحتُ أتمتمُ بأعذارٍ مرتبكةٍ:
“أنا.. أنا آسفةٌ! لم أكن أعلمُ أنَّكَ.. أعني، أردتُ فقط أن أراكَ لمرَّةٍ واحدةٍ….!”
وبينما كنتُ أتراجعُ للوراءِ بخطًى متعثِّرةٍ، انزلقت إحدى قدمي فوقَ بقعةِ ماءٍ على الأرضِ.
“آآه!”
في لمحةِ بصرٍ، فَقَد جسدي توازنَهُ واندفعَ للخلفِ، بينما طارت صينيَّةُ الشَّايِ في الهواءِ.
‘انتهى أمري.’
أغمضتُ عينيَّ وأنا أرى الصينيَّةَ تُحلِّقُ، أيقنتُ أنَّ ارتجاجًا في المخِّ ينتظرُني لا محالةَ. وكمشهدٍ سريعٍ، مرَّت أحداثُ يومي أمامَ ناظريَّ.
‘لو كنتُ أعلمُ أنَّ نهايتي ستكونُ هكذا، لكنتُ أكلتُ طبقًا آخرَ من حساءِ الطَّماطمِ.’
استسلمتُ لقدري، لكن في تلكَ اللَّحظةِ، رأيتُ الدُّوقَ يمدُّ ذراعَهُ نحوي. وسرعانَ ما أحاطت يدهُ الكبيرةُ بخصري بقوَّةٍ، بينما احتضنت يدهُ الأخرى رأسي ليحميهِ.
دوى في الغرفةِ صوتُ ارتطامٍ ثقيلٍ، تلاهُ صوتُ تحطُّمِ الإبريقِ والأكوابِ واحدًا تلوَ الآخرِ.
“أوه!”
‘ماذا حدثَ؟’
كنتُ بينَ أحضانٍ مبلَّلةٍ ودافئةٍ، وشعرتُ بضغطٍ رقيقٍ يحيطُ بجسدي لدرجةِ أنَّني لم أستطعِ الحراكَ. وعلى عكسِ توقُّعاتي بأنَّني سأودِّعُ الحياةَ، لم أشعر بأيِّ ألمٍ في رأسي.
‘إنَّهُ ثقيلٌ.’
سقطت قطرةُ ماءٍ فوقَ وجهي.
فتحتُ عينيَّ ببطءٍ لأرى خصلاتِ شَعرِهِ السوداءِ تتدلَّى أمامي، ومن بينِها، كانت عيناهُ السَّوداوانِ كاللَّيلِ اللُّؤلؤيِّ ترمقانِني.
للمفارقةِ، كانت حدقتاهُ تتأرجحانِ بقلقٍ واضطرابٍ، وكأنَّهُ هو الخائفُ هنا.
‘يا لهُ من مشهدٍ، عينانِ تشبهانِ عيني ذئبٍ جريحٍ.’
تسلَّلَ الدِّفءُ من جسدِهِ الملاصقِ لجسدي ليسري في عروقي. أكانَ خيالًا؟ تلكَ الحرارةُ التي ظننتُها مجرَّدَ حرارةِ جسدٍ، بدأت تتغلغلُ في داخلي بنعومةٍ.
يا لَهُ من شعورٍ مريحٍ.
غرقتُ في تلكَ النَّشوةِ اللَّحظيَّةِ، ولم أستفق إلا حينَ سقطت قطرةُ ماءٍ أخرى فوقَ وجهي.
كنتُ ممدَّدةً تمامًا وقد احتضنني الدُّوقُ، أو بالأحرى، كنتُ مستلقيةً تحتَهُ.
ويبدو أنَّ رأسِيَ نجا بفضلِ يدهِ التي كانت تتوسَّدُه.
“…… هل.. هل أنتِ بخيرٍ؟”
كانَ صوتُ الدُّوقِ يرتجفُ بوضوحٍ.
ورغمَ الموقفِ، كانَ لصهيلِ صوتِهِ الرَّخيمِ في أذني وقعٌ جعلني أشعرُ وكأنَّني حبيسةُ كهفٍ مسحورٍ.
“أنا بخيرٍ. وأنتَ…. هل أنتَ بخيرٍ يا سموَّ الدُّوقِ؟”
حملقَ فيَّ بنظراتٍ عاريةٍ من أيِّ قناعٍ وكأنَّهُ لا يصدِّقُ ما يحدثُ، ثمَّ فجأةً، أطبقَ شفتيهِ بإحكامٍ.
‘أهو غاضبٌ؟’
انتفضَ واقفًا وابتعدَ عنِّي بسرعةٍ خاطفةٍ.
‘حقًّا؟ أعلمُ أنَّهُ خطئي، لكن أليسَ من الأدبِ أن تمدَّ يدَكَ لتساعدَ سيِّدةً ملقاةً على الأرضِ؟”
أردتُ أن أرمقَهُ بنظراتٍ قاسيةٍ، لكن نظرًا لجسامةِ ذنبي، قرَّرتُ النُّهوضَ بصمتٍ.
“آه!”
صرختُ بوجعٍ حينَ وضعتُ يدي على الأرضِ. وحينَ رفعتُها، وجدتُ أنَّ شظيةً قد جرحت كفِّي فبدأت قطراتُ الدَّمِ تظهرُ.
“يا إلهي!”
لكنَّ صرختي الثَّانيةَ كانت أقوى حينَ التفتُّ نحو الدُّوقِ. تحتَ ضوءِ القمرِ، كانت ذراعُ الدُّوقِ اليُمنى ملطَّخةً بالدِّماءِ. ومن تحتِ دثارِه الممزَّقِ، لم يكن الماءُ هو ما يقطرُ، بل كانَ دمًا قانيًا.
“سموَّ الدُّوقِ! أنتَ تنزفُ!”
هممتُ بالاقترابِ منهُ من فرطِ ذعري، لكنَّهُ تراجعَ للخلفِ بجفلةٍ واضحةٍ.
“لا…. لا تتحرَّكي. المكانُ خطرٌ.”
تذرَّعَ بالأمانِ، لكن كانَ جليًّا للعيانِ أنَّهُ يشعرُ بعدمِ الارتياحِ من اقترابي.
“سموَّ الدُّوقِ؟”
في تلكَ اللَّحظةِ، اندفعَ ويتلي من البابِ المفتوحِ، وتجمَّدَ مكانَهُ حينَ رآنا.
“سموَّ الأميرةِ؟”
“…… خُذِ الأميرةَ إلى غرفتِها. لقد أُصيبت بجرحٍ في يدِها، فليستدعوا الطَّبيبَ فورًا.:
غطَّى الدُّوقُ جبينَهُ بيدهِ التي لم تُصب، وكانت أطرافُ أصابعِهِ ترتعدُ بشدَّةٍ.
“هيَّا بنا، يا سموَّ الأميرةِ.”
“لحظةً! الدُّوقُ هو المُصابُ الأكبرُ، يجبُ….”
“ويتلي.”
قاطعَ الدُّوقُ كلماتي بحدَّةٍ قاطعةٍ.
“صـاحبة السمو، سأعتني أنا بسموِّ الدُّوقِ. تفضَّلي بالنُّزولِ الآنَ.”
كانَ المشهدُ عبارةً عن فوضى عارمةٍ.
غرفةٌ يسكنُها الصَّقيعُ ويغمرُها ضوءُ القمرِ، أرضيَّةٌ يملؤها حطامُ الأطباقِ، ودوقٌ يقفُ مبللاً بدمائِه ودون أن يجفِّفَ جسدَهُ، وأنا…. السَّببُ في كلِّ هذا الدَّمارِ.
‘كيفَ لي أن أخرجَ وأتركَهُ هكذا!’
تردَّدتُ في اتباعِ ويتلي، والتقت عينايَ بعيني الدُّوقِ اللَّتين غطَّت الظِّلالُ حوافَّهما تحتَ يدهِ الموضوعةِ على جبهتِهِ.
كانت عيناهُ الحادَّتانِ تشيَّانِ بشعورٍ بالذَّنبِ والخوفِ، وكأنَّهُ هو من جنى عليَّ وليسَ العكسُ.
لماذا يرتسمُ هذا التَّعبيرُ على وجهِ الدُّوقِ؟
رمقني بنظرةٍ مهتزَّةٍ قبلَ أن يشيحَ بوجهِهِ عنِّي. وأمامَ مظهرِهِ الذي بدا وكأنَّهُ واقعٌ تحتَ وطأةِ صدمةٍ كبيرةٍ، لم أستطع أن أنطقَ بحرفٍ آخرَ، فتبعتُ ويتلي بصمتٍ.
حتَّى والطَّبيبُ يلفُّ الضِّمادةَ حولَ يدي، والخادمةُ ترتِّبُ فراشي، لم أنطق بكلمةٍ واحدةٍ.
أمَّا ويتلي، فقد حافظَ على هدوئِهِ المعتادِ وكأنَّ شيئًا لم يكن، وسألني عدَّةَ مرَّاتٍ إذا كنتُ بخيرٍ قبلَ أن ينسحبَ من الغرفةِ.
‘لا بدَّ أنَّهُ ذهبَ للاطمئنانِ على الدُّوقِ.’
تبدَّدت نشوةُ الخمرِ تمامًا.
لا أعرفُ أيُّ جُنونٍ دفعني لاقتحامِ غرفتِه.
تذكَّرتُ صورةَ الدُّوقِ وهو يبتعدُ عنِّي بذعرٍ، وتلكَ الحدقتينِ اللَّتينِ اضطربتا بوضوحٍ.
لم أشعر بالإهانةِ، لأنَّني بدأتُ أفهمُ لماذا كانت ردَّةُ فعلِهِ على ذلكَ النَّحوِ.
التعليقات لهذا الفصل " 12"