1 - المرآة التي لا تعكس شيئًا
المرآة التي لا تعكس شيئًا
كم سيكون جميلًا أن نحلق مثل الطيور…
أن نكون سربًا واحدًا من المخلوقات المتناغمة، حرّاتٍ ومحبّباتٍ للجميع.
عندها سأهاجر مع المواسم، من مدينة إلى أخرى، ومن قارة إلى أخرى.
أتخيل ذلك وأنا أركض حافية القدمين، بلا حذاء يؤلم قدميّ ويضغط على أطراف أصابعي حتى تتورم.
أركض وذراعاي ممدودتان كأنهما جناحان طويلان يسمحان لي بالتحليق.
أركض، لا هربًا… بل لأجلي أنا.
الخطوات بسيطة:
تنفسي السكون…
خذي شهيقًا عميقًا…
وأغمضي عينيكِ بقوة.
ستكون الأمور على ما يرام.
✧ ✧ ✧
“آنستي… آنستي!”
اخترق صوت روز كوين الهواء. كانت المربية رفيعة المستوى القادمة من الطبقة النبيلة، تتبعها حلقة من الخادمات بفساتين متناسقة وأكمام رفيعة ترفرف خلفهن.
“آنسة يوجيني!”
اشتدت نبرة صوتها، فغدت أقرب إلى العتاب.
لم تتوقف يوجيني عن الركض.
ليس لأنها لم تسمع… بل لأنها لم ترغب في الالتفات.
وحين وصلت إلى نهر غرينتون، القريب من ملحق الدوقية — المكان الذي أصبح قفصها الذهبي — همّت بالمضي قدمًا، لكنها شعرت بذراعين قويتين تلتفان حول خصرها النحيل بإحكام كاد يسحقه.
اختل توازنها، وارتفع جسدها قليلًا قبل أن يُعاد توجيهه قسرًا. صعد الغثيان إلى حلقها.
كانت روز تلهث خلفها.
“ماذا تفعلين؟ هل أصبتِ بالجنون؟”
ظلت يوجيني صامتة، مستسلمة لاحتضان المرأة الأكبر حجمًا.
“ألا تنصتين إلى القوانين؟ إنه يوم السبت، يوم حفلة الشاي الأسبوعية للآنسة ماري هروين!”
لم تُجب. رفعت رأسها قليلًا، ثم حاولت أن تخطو خطوة إلى الأمام، لكن الخادمة أمسكت بها مساندة. فهي لن تستطيع العودة وحدها كما جاءت عشوائيًا إلى هذا المكان.
كان الأمر بسيطًا في ظاهره…
يوجيني فتاة حادة الذهن.
لكنها عمياء منذ ولادتها.
أُعيدت إلى غرفتها المصونة، بينما اشتدت قبضة الخادمة حول ذراعها.
سيكون من العار أن تُرى تتجول قرب الغابة في يوم حفلة الشاي التي تقيمها ابنة عمها ماري.
ليس لأنها مبعثرة الهيئة…
بل لأنها يوجيني هروين.
النبيلة التي تعيش خلف الظلال،
التي وُلدت بين الشموع المنطفئة،
وقد تموت كذلك…
وحيدة في العتمة.
✧ ✧ ✧
كانت تظن نفسها إنسانة سيئة الحظ…
ثم أدركت أنها لم تمتلك حظًا أصلًا.
تتعاطى تعاستها اليومية كما لو كانت تُحتسى مع الشاي صباحًا ومساءً.
ملعقة ذهبية في فمها… لكنها مقلوبة.
دُفعت إلى الغرفة الواسعة التي لم تعتدها.
كان الأثاث الخشبي عدوها الصامت؛ ترتطم به مرارًا وتتعلّم حدوده ببطء.
كانت تحتاج إلى لمس الجدران، والخزانة، وحافة السرير، لتتجنب صدمات جديدة.
والمفارقة؟
مرآة كبيرة تتوسط الغرفة الباردة.
اقتربت ولمست إطارها المزخرف بأطراف أصابعها الرقيقة، ثم وقفت أمامها مستقيمة.
أزاحت خصلة من شعرها إلى الأمام ولوَتها قليلًا.
“كيف يمكن أن أكون… جميلة أم قبيحة؟”
خطت خطوات قصيرة وهي تهمهم:
“ما لون خصلاتي؟
ما لون فستاني؟
وماذا عن لون عينيّ؟”
قالت ماري إن شعرها أسود.
سألتها: ما هو الأسود؟
فأجابت: “لون الغراب.”
لكنها لم ترَ غرابًا قط.
فسألت عنه.
قالت ماري إنه كائن بشع، وأن رؤيته تدفعها إلى الاشمئزاز.
يومها شعرت يوجيني بالخوف…
خوفًا من أن تكون ابنة عمها تشعر بالإحساس ذاته تجاهها.
ربما… كانت تلك هي الإجابة المختصرة.
✧ ✧ ✧
استلقت على السرير الناعم المدعّم بأطراف خشبية تمنع سقوطها، خاصة بعد الحوادث المتكررة التي تركت كدمات زرقاء في جسدها الضعيف.
أغلقت جفنيها…
لكنها لم ترَ شيئًا.
حتى السواد الذي يتحدث عنه المبصرون لم يكن موجودًا لديها.
أخبرها صديقها رين عن الألوان.
جعلها تلمس العشب وقال إنه أخضر، رقيق المظهر.
قال إن السماء مثل نهر غرينتون…
أزرق لامع، فاتح، يمنح الروح شعورًا بالتدفق والراحة.
أدخل قدميها في الماء البارد، ثم همس:
“لونه يشبه لون عينيك تمامًا.”
ابتسمت يومها ابتسامة ملأت وجهها الصغير.
لكنها لم تفهم كيف يمكن لعينين لا تبصران شيئًا أن تمتلكا لونًا جميلًا.
حتى روز أخبرتها يومًا أنها ليست كاملة المظهر.
“يا له من أمر غريب…”
أن تمتلك عينين ولا ترى،
مثل أولئك الذين يمتلكون قلوبًا…
ولا يشعرون.
✧ ✧ ✧
تحركت يوجيني فوق الملاءات الناعمة بلا اتجاه واضح.
تجعدت البطانية التي رتبتها الخادمة هذا الصباح بعناية، كأنها تعكس اضطرابها الداخلي.
لم تعرف يوجيني معنى الترفيه طوال حياتها، لكن الملل الذي داهم أيامها مؤخرًا كان مختلفًا… أثقل، أعمق، خانقًا حتى كاد يسحق صدرها.
كان شعورها بأنها مقيدة هو الأسوأ.
خصوصًا بين الجدران الأربعة الفاترة التي لم تعترف يومًا بوجودها.
لكن لم يكن بين يديها خيار فعلي.
توقف تخبطها لحظة، ومدّت ذراعها نحو طاولة السرير الجانبية، تتفحصها بخفة مدروسة.
تحسست سطحها بأطراف أناملها الرقيقة.
كانت تقصد قراءة الكلمة المنحوتة عليها.
فقد كتب رين، ببقايا زجاج مكسور، اسم “يوجيني” على سطح المنضدة — لأنها الكلمة الوحيدة التي تتقنها.
كلما تحرك إصبعها السبابة بين الحروف، هجّتها في رأسها المرهق:
“ي… و… ج… ي… ن… ي…”
كانت بحاجة إلى وقت طويل لتعتاد القراءة والكتابة، لكن رين أخبرها أن أفضل سبيل للتعلم في حالتها هو أن تشعر بكل شيء… مهما كان صغيرًا.
ومؤخرًا بدأت تصدقه.
ومع ذلك، كانت لا تزال تتمنى لو أمكنها أن ترى كل شيء حولها — حتى مع استحالة الفكرة.
حتى التخيل كان رفاهية بعيدة، لأنها لا تمتلك صورة عن العالم برمّته.
عندما شعرت بتعقيد أفكارها، تنفست بعمق وطردتها بعيدًا كأنها سراب.
“تك… تك…”
تجمدت.
خطوات متباطئة على الأرضية الخشبية.
وقع خافت يتردد بعد كل خطوة.
صوت أنفاسها المضطربة ملأ المكان.
ثم…
اختل توازن السرير فجأة.
كأن أحدًا جلس عليه.
جف حلقها، وامتنعت عن النطق.
شعرت بيدين باردتين تمسكان بذراعها، لسعتا جلدها الحساس كنسمة شتوية مفاجئة.
كانتا صغيرتين… وناعمتين… ومألوفتين.
رُفعت يدها نحو الوجه المقابل.
تحركت أصابعها على سطح ناعم، عبر الخد، كأنها مواساة صامتة.
تزعزعت يوجيني قبل أن تهمس، بعد أن أدركت هوية الجالس بقربها:
“رين…”
ضحك رين بصوت خفيف كسر الحاجز الثقيل في الغرفة.
“رائع يا يوجيني! لقد كانت دروسنا ذات مغزى… لقد تمكنتِ من تمييز ملامحي بسهولة.”
وأحكم قبضته الصغيرة حول يدها، فخورًا بها.
Chapters
Comments
- 1 - المرآة التي لا تعكس شيئًا منذ 17 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 1"