1
أستغفر الله العظيم واتوب اليه
⚠️لا تجعلوا قراءة الروايات تلهيكم عن الصلاة وعن ممارسة الشعائر الدينية😁
“هوو…….”
أطلقتُ زفرةً لا أعرف كم مرّة كرّرتها، وخفّضتُ رأسي.
أصابع ممتلئة مستديرة، أطراف قصيرة غليظة، وبشرة ناعمة كالقطن.
وبالمقابل، بطن نحيل بسبب قلّة الأكل، وشعر منفوش أشعث.
لم أستطع التصديق.
‘عودة بالزمن؟ عدتُ إلى الخامسة من عمري…!’
أم لعلّ الأدقّ أن أقول إنني “تلبّستُ” جسدًا؟
تلفّتُّ حولي بوجه كئيب.
قبل أن أغادر المعبد.
أي قبل أن أبلغ الثامنة.
حين وقعت عيناي على تلك الغرفة الضيّقة البالية التي كنت أستخدمها حتى ذلك الحين، شعرتُ بذهولٍ أشدّ.
تنفّستُ بعمق مرةً أخرى، ثم رفعتُ جسدي بتثاقل.
“أوباه!”
لا أستطيع تصديق هذا الوضع قيد أنملة، لكن لا يمكنني أن أبقى مكتوفة اليدين.
قرقرة!
بمجرّد أن اعتدلتُ جالسة، دوّى صوت جوعي عاليًا، فتجاهلته.
طَق!
قفزتُ من السرير بخفّة وهرعتُ بخطواتٍ سريعة نحو المكتب في زاوية الغرفة.
كان عليّ أولًا أن أرتّب الوضع.
وضعتُ ورقةً جديدة فوق دفتر التمرين الذي كنتُ حتى الأمس أملأه بحروفٍ كتبتها بكل جدّ واجتهاد دون أن أفهم شيئًا.
ثم قبضتُ القلم بإحكام بيدي الصغيرة التي تشبه ورقة القيقب.
لماذا عدتُ بالزمن؟
ما إن خططتُ تلك الجملة على الورقة حتى اندفع البكاء متأخرًا.
لأنني في حياتي السابقة…
متُّ موتًا بائسًا للغاية.
المكان الذي تلبّستُ فيه
كانت “إيرِيا” دولةً مقدّسة.
من النبلاء إلى العامة، الجميع دون استثناء كانوا يؤمنون بالإلهة.
وكانت هيبة المعبد عاليةً إلى حدّ أن كتب التاريخ امتلأت بمعجزاتٍ صنعها القديسون.
وفي مثل هذه الدولة الدينية، لا بدّ من وجود عنصرٍ لا يمكن الاستغناء عنه.
زهرة المعبد!
القدّيسة.
وكان لِقدّيسات إيرِيا عبر العصور قاسمٌ مشترك.
جميعهنّ كنّ من دار الأيتام التابعة للمعبد في العاصمة.
حتى إن لم تصبحن قدّيسات، كان أطفال الميتم يُظهرون مواهب استثنائية في شتّى المجالات.
الرقص، الرسم، الموسيقى، المبارزة بالسيف… إلخ.
وكان الناس يقولون عنهم إنهم نالوا “بركة الحاكم”.
‘يبدو أن الحاكم أشفق على من وُلدوا وتُركوا، فمنحتهم على الأقل موهبة يعيشون بها.’
حتى سخريتي بدافع الضيق لم تُجدِ نفعًا.
فأنا أيضًا كنتُ واحدةً من أولئك الأطفال المبارَكين.
قوة الشفاء.
امتلاكي لها جعلني أُذكر حتى كمرشّحةٍ لمنصب القدّيسة.
لكنني بقيتُ “مرشّحة” فقط، لأن هناك طفلةً أخرى تملك قوة الشفاء كذلك.
كانت “ديانا”.
بنفس عمري، ومهجورة في الميتم في الفترة نفسها.
كانت الشائعات تقول إنها ابنة غير شرعية لأحد النبلاء الكبار، ولذلك كانت محبوبة بسهولة من الجميع.
لم أكن مثلها.
أنا ابنة عامة، لا يُعرف حتى من يكون والدَيّ.
“يا معلمة! بيلزيث ضربتني مرةً أخرى!”
“بيلزيث! هل قلبتِ صحن الطعام مجددًا؟ قلتُ لكِ إن المدير سيضربك إن واصلتِ هكذا!”
أنا، التي كان يُنظر إليّ دومًا كمشكلةٍ تمشي على قدمين.
“آه يا لها من ديانا لطيفة وذكية.”
“ديانا! تعالي نلعب! بيلزه ابتعدي! بَـه!”
أما ديانا، فكان الجميع في الميتم يرفعونها كأنها ملاك.
من خلالها، أدركتُ بمرارة أن الأيتام ليسوا سواء.
‘وفوق ذلك، حتى القوة التي تميّزنا بها هي نفسها…!’
كنتُ أُقارن بها في كل شيء.
وأخسر في كل شيء.
صحيح أنني أستطيع استخدام الشفاء مثلها، لكن أقصى ما أفعله هو علاج خدوشٍ صغيرة.
وبعد أن اختفت قدرتي الخاصة الأخرى غير الشفاء، صرتُ أقلّ شأنًا.
وفوق ذلك، كانت طباعي سيئة.
بينما كانت ديانا تعالج الجروح العميقة والكبيرة في لحظة،
كما فعلت القدّيسات العظيمات في النصوص المقدّسة.
ثم استدعانا المعبد بعد أن سمع بخبر قوة الشفاء.
“الأخت بيلزيث والأخت ديانا تحملان قوة الإلهة المقدّسة.”
“عليكما أن تتعلّما وتصلّيا بجدّ في المعبد لتستخدما هذه القوة للخير. مفهوم؟”
لكن لم يمضِ شهرٌ على انتقالنا إلى المعبد حتى غادرت ديانا.
إذ تقدّمت أسرةٌ نبيلة لدعمها.
كان النبلاء يرعون أيتام المعبد ذوي المواهب الفذّة، وأحيانًا يصل الأمر إلى التبنّي.
الأسرة التي أخذت ديانا كانت عائلة الماركيز “باريلوتّه”،
وهي نفسها التي انتشرت شائعات بأنها من تخلّت عنها في الميتم.
لا أعلم إن كانوا أشفقوا على ابنتهم غير الشرعية،
أم طمعوا في مرشّحة القدّيسة.
المهم أن صفقةً ما عُقدت بين المعبد والماركيز، وغادرت ديانا فورًا إلى قصرهم.
وبقيتُ أنا وحدي في المعبد.
مرشّحة قدّيسة أم لا،
فأنا يتيمة مجهولة الأصل، وقوتي أضعف من ديانا.
ظننتُ أنه لن توجد عائلة تدعمني…
لكن…
“بيلزيث، هناك من يرغب في رعايتك.”
“أحيي الدوق كاليوس وصاحب السمو الابن الصغير.”
لن أنسى ذلك.
الدوق الشاب الوسيم الذي ظهر أمامي كمعجزة.
و…
و…
“إذن أنتِ بيلزيث؟ هل تذكرينني؟ رأيتكِ العام الماضي في نشاطٍ تطوّعي…”
خاطبني الدوق.
لكن نظري كان مسلوبًا بالكامل نحو ذلك الفتى بجانبه الابن الصغير للدوق.
لم أجرؤ على الردّ جيدًا.
ماذا قلتُ حينها؟
“يلمع… جميل.”
“أريد هذا! سيكون لبيلزيث!”
م.م: مركزة على أهدافها 🤭🤣
أشرتُ إلى عينيه الذهبيتين وصرختُ بصوتٍ عالٍ، مما أربك كبير الكهنة.
ضحك الدوق بخفّة،
بينما رمقني الفتى بنظرة استهجان.
ولا تزال صورته حيّة في ذاكرتي كأنها تُلمس.
لاحقًا علمتُ سبب رعايتهم لي.
كنتُ قد عالجتُ الابن الثاني للدوق حين تعثّر خلال نشاطٍ تطوّعي.
لكن للأسف، لم يمضِ وقت طويل حتى مات.
قيل إن موته كان متوقّعًا بسبب مرضٍ مزمن وُلد به.
بصراحة، لا أتذكر جيدًا حادثة علاجه.
ففي كل مناسبة في الميتم كان كثيرون يطلبون مني الشفاء.
لكن لم أستطع تفويت الفرصة.
“نعم يا سيدي الدوق، أنا فعلتُ ذلك! بيلزيث تجيد الشفاء!”
وهكذا حصلتُ على عائلةٍ جديدة.
غير أن الواقع لم يكن كما توقعت.
“سمعتُ أن الآنسة بيلزيث أفسدت حفلة الشاي مجددًا؟”
“حتى الآنسة تريانا قالت إنها لا تريد دعوة بيلزيث إلى أي اجتماع.”
“ابنة عامة، بعد كل شيء…”
لم أكن مرحّبًا بي في ذلك البيت.
كنتُ عبئًا عليهم دائمًا.
ولم يتوقف الأمر عند هذا.
“هل سمعتِ؟ السيدة ديانا عالجت جرح الإمبراطورة بإتقان!”
“ألن تصبح قدّيسة حقًا بهذا المعدّل؟”
“وماذا تفعل الآنسة بيلزيث إذن؟ كم يدفع الدوق لرعايتها؟”
ديانا… ديانا…
أينما ذهبتُ كانت تلاحقني.
لم أستطع مهما حاولتُ أن أصل إلى معجزاتها.
وفوق ذلك
“انظري! السيد إدوين مع الآنسة ديانا!”
“هل صحيح أنهما سيتخطبان قريبًا؟”
“حتى أنهما ذهبا للتسوّق مع كبيرة الوصيفات!”
لم أستطع تحمّل أن يُنتزع مني حتى أعزّ الناس.
وقبيل بلوغي الثامنة عشرة، حين كنتُ غارقة في الحسد والغيرة، اقترب مني شخص.
“ألا تريدين منع خطوبة الآنسة باريلوتّه والابن الصغير للدوق، وتنتزعين منصب القدّيسة؟”
كان أحد أتباع وليّ العهد.
“الماركيز باريلوتّه يتآمر مع الأمير الثاني على التمرّد. يخططان لتسميم جلالة الإمبراطور. هذه هي الأدلة.”
أراني رسائل بين الماركيز والأمير الثاني.
“ضعي هذه في منزل الماركيز بطريقةٍ ما، وسيحدث كل ما تتمنينه.”
وأعطاني…
سمًّا.
لو فكرتُ قليلًا للاحظتُ غرابة الأمر.
لكنني كنتُ غبية وساذجة، فانطلقتُ إلى قصر باريلوتّه بحجّة زيارة صديقتي القديمة ديانا.
“بيلزيث! أهلاً بكِ.”
بالطبع، لم تسر الأمور كما أردت.
“كح… بيلزه… لماذا… لي…؟”
سقطت ديانا، التي كانت تقدّم لي الشاي، تتقيأ دمًا فجأة.
كنتُ أحمل السمّ الذي أعطاني إياه تابع وليّ العهد، فاعتُقلتُ متلبّسة فورًا.
وفي الوقت نفسه، وُجد في غرفتي أثناء غيابي السمّ ذاته وأدلة الخيانة.
لكن أسماء الماركيز والأمير الثاني في الرسائل كانت قد استُبدلت بدهاء باسم الدوق كاليوس ووليّ العهد.
لم يكن الحرس يداومون قرب غرفتي بسبب سمعتي السيئة.
وهكذا اختُرق أمن قصر الدوق، الذي كان يُظنّ حصنًا منيعًا، بطريقة عبثية.
بعد ذلك، جرت الأحداث بسرعة.
عائلة الدوق كاليوس، التي كانت من أبطال تأسيس الدولة وقادت الحرب الدينية إلى النصر، سقطت فجأةً بتهمة الخيانة.
أما أنا، فسُجنتُ في سجن القصر بتهمة الشروع في القتل.
حتى لحظة إعدامي، ظللتُ أفكر.
‘لماذا يحدث لي هذا فقط؟’
كلما فكرت، بدوتُ أكثر حماقةً وبؤسًا.
كأنني شريرة من رواية رديئة.
‘مستحيل…!’
وعند موتي، أدركت.
هذا العالم كان فعلًا داخل رواية.
رواية رومانسية خيالية بعنوان
<قدري أن أصبح قدّيسة>.
كنتُ قد قرأتها في حياتي السابقة في كوريا الجنوبية.
بطلتها كانت ديانا.
وإدوين، الأمير الثاني، وريث البابا…
كل شخصية ذكورية ذات شأن كانت تقع في حبّها.
أما أنا…
أنا…
‘أنا الشريرة، أليس كذلك!’
نعم، كنتُ الشريرة.
ابنة عامة تغار من ديانا وتضايقها بإصرار.
‘لكن في الرواية لم تسقط عائلة الدوق كاليوس!’
صحيح.
إدوين كان أحد المرشحين الرئيسيين للبطولة، وكانت خطوبته لديانا على وشك الحدوث.
إلغاء خطوبتهما يطابق الرواية.
‘لكن لماذا يموت إدوين أيضًا؟!’
سقوط الدوق، وأزمة إدوين لم تكن موجودة في الأصل.
في الرواية، كانت عائلة الدوق تتبرأ من بيلزيث ببرود.
بكلمةٍ واحدة…
‘لقد تورّطتُ بشدّة!’
أنا، الشريرة الحقيرة، تسببتُ في مقتل أحد أهم المرشحين للبطل، ودمّرتُ مسار الرواية بالكامل.
ربما لهذا عدتُ بالزمن.
‘لأنني لم أتبع مجرى القصة الأصلي؟!’
وما إن أدركتُ ذلك كالصاعقة
دفع!
فُتح الباب بعنف مع طرقٍ خشن.
“الأخت بيلزيث! هل اغتسلتِ واستعددتِ؟”
كانت إحدى الراهبات اللواتي يشرفن علينا أنا وديانا.
“ما زلتِ أمام المكتب؟ تأخرتِ مجددًا، أليس كذلك؟!”
اقتربت مني بوجهٍ متجهّم.
“لم أتأخر…”
‘بل أنتِ من أتيتِ متأخرة.’
لكنني نهضتُ مسرعة حين حدّقت بي بحدة.
“ح، حاضر! ذاهبة!”
خبّأتُ الورقة التي كتبتُ عليها بين رزمة أوراق قبل دخولها بلحظة.
وما إن دخلتُ الحمام حتى ندمت.
‘يا غبية! كان عليكِ أخذها معكِ!’
ربما لأن الجسد عاد طفلًا.
ذكرياتي من حياتي السابقة واضحة، لكن تصرفاتي كانت كطفلةٍ فعلًا.
‘لا بأس. لم أكتب شيئًا مهمًا.’
ومع ذلك، خشية الطوارئ، قررتُ غسل وجهي بسرعة.
المغسلة كانت مرتفعة جدًا عليّ.
عادةً أستخدم كرسيًا، لكنني كنتُ على عجلة.
“أوووه… فوه! أوووه…!”
وقفتُ على أطراف أصابعي بأقصى ما أستطيع، بللتُ يدي ومسحتُ وجهي على عجل.
“هيو…”
مرتان فقط واستُنزفت قواي.
“جسد الأطفال مزعج فعلًا…”
أذرع قصيرة، أرجل قصيرة، وخدود ممتلئة لينة بلا سبب!
عدتُ إلى الغرفة متذمّرة، والحمد لله أن الراهبة لم تلمس المكتب.
أخرجتُ الورقة لأطمئنّ…
فتجمّدت.
“م، ما هذا…؟!”
‘حتى لو وجدتها الراهبة، لما استطاعت فهمها!’
Sel
للدعم :
https://ko-fi.com/sel08
أستغفر الله العظيم واتوب اليه
التعليقات لهذا الفصل " 1"
حلوة البداية ..استمري !