لا زال الغضب يتفجّر في داخلي كلما تذكّرت أولئك الأوغاد من تُجّار العبيد الذين اختطفوني أنا وفرانز.
أولئك الحثالة، كانوا يختطفون الوحوش البشرية السوين ويبيعونهم للنبلاء كما لو كانوا سلعة.
سمعت أن كاردين وفُرسان الشمال قبضوا على جميعهم وزجّوا بهم في السجن وفقًا لقوانين الحرب. ومع ذلك، لم يتمكّنوا أبدًا من الإمساك بذلك الرجل المقنّع الذي حاول جَرّي قسرًا.
حتى مع تحقيقات فرسان الشمال المستمرة، وحتى بعد أن تحرّكت يوديث بنفسها مستخدمةً شبكتها الاستخباراتية في العاصمة، لم يُفلح أحد في معرفة هوية الرجل المقنّع.
منذ ذلك الحين، شدّد كاردين الحراسة في قلعة الشمال، ولحسن الحظ، لم يقع أي حادث آخر.
لكنني بدأت أفكر: إن كان هناك تاجر عبيد للوحوش البشرية في العاصمة، فربما… ربما يمكننا أخيرًا معرفة هوية ذلك الرجل المقنّع.
مرّ بيردين بجانبي بهدوء، وتوجّه إلى أحد رفوف الكتب، ثم انتقى عددًا من المجلدات.
قال وهو يناولني أحدها:
“أنصحكِ بقراءة هذا الكتاب أيضًا. يتناول أسلوب حياة الوحوش البشرية الذين يعيشون في العاصمة، بالإضافة إلى الأساطير المتوارثة في ثقافتهم.”
“آه، شكرًا جزيلًا لك، يا دوق.”
كان كتابًا سميكًا مغطى بجلد قديم. تساءلت، هل يمكن أن يتضمن هذا الكتاب معلومات عن قبيلة “ولفِس”؟
عانقتُ الكتاب، ثم رفعت رأسي لأنظر إلى فيردين الواقف بجانبي.
رغم أنها المرة الأولى التي ألتقيه فيها، إلا أنني شعرت وكأنني أعرف هذا الرجل منذ زمن… كم هو غريب ذلك الإحساس بالطمأنينة.
لماذا لا أشعر بالحذر تجاه هذا الرجل…؟ لم أجد إجابة.
وفجأة، ساد الصمت، كما لو أن الزمن توقف.
انحنى بيردين قليلاً نحوي، وهو مستند إلى رف الكتب، وعندما التقت عيناي بعينيه الذهبيّتين، تجمّدت في مكاني.
كأنني فراشة عالقة في شبكة عنكبوت، غير قادرة على الحراك.
لماذا خطر لي الآن تشبيهُه بعنكبوتٍ يتلاعب بفرائسه عبر وهجٍ ساحر وجاذبية مميتة؟
هل هو بسبب العطر العميق الذي يعبق من حوله…؟ كانت رائحة الزنابق البيضاء تفيض منه، خفيفة لكنها آسرة، كأنها تلامس القلب مباشرة.
ربما بسبب حاستي القوية في الشم، شعرتُ أن الرائحة كانت أقوى مما ينبغي… وبدأ رأسي يدور وجسدي يسترخي، حتى شعرت بشيء من الخدر.
إنه يستخدم عطرًا قويًا للغاية… والمكتبة مكان مغلق، لذا أثره مضاعف.
أغمضت عيني ببطء، واستجمعت تركيزي، ثم أطلقت قدرًا خفيفًا من البرودة حولي، شكلت به حقلًا واقيًا غير مرئي.
لم يكن بنفس القوة التي أتمتع بها على هيئة الثعلب، ولم يكن ثلجًا أو عاصفة، لكنه يكفي لحماية جسدي من تأثيرات خفية.
وبمجرد أن أحطت نفسي بهذا الحاجز البارد، تلاشت الرائحة الثقيلة، وشعرت برأسي يعود إلى صفائه.
وحين فتحت عيني مجددًا، كان فيردين قد ابتعد قليلًا عني، يرمقني بابتسامة هادئة.
ومع ذلك، لمع في عينيه شيء غامض… قبل أن يتوارى سريعًا.
قال بصوت لطيف:
“آنسة شوفيليا، إن لم تجدي في هذا الكتاب ما تبحثين عنه حول قبيلة الوحوش، هلّا فكّرتِ في زيارة ملجأ الوحوش البشرية؟”
“ملجأ؟ تقصد مكانًا يؤويهم؟”
“نعم. يقطن فيه عدد كبير من الوحوش البشرية. من الممكن أن تجدِي من بينهم من يملك المعلومات التي تبحثين عنها.”
توجّه إلى أحد المكاتب القريبة حيث وُضِع ورق بريدي وأقلام ريشة فاخرة.
أخذ القلم، وكتب على الورقة بخط يده، خطّ أنيق، جميل كالرسم.
ناولني الورقة قائلًا:
“هذا عنوان الملجأ. يمكنكِ زيارته في أي وقت.”
مددتُ يدي لأخذ الورقة… ثم توقفت فجأة.
“أشكرك يا دوق… لكننا التقينا لتوّنا، فهل من اللائق أن أقبل منك كل هذه المجاملة؟”
ربما بدا سؤالي وقحًا… لكنني لم أكن بارعة في المجاملات الاجتماعية.
فضّلت قول الحقيقة على التلميحات الملتفّة.
بيردين لم يغضب، بل انحنت عيناه بابتسامة دافئة، وقال:
“فكّري في الأمر على أنه مساعدة من صديق يقدّر قلبكِ.”
“صديق؟! معذرة، لكننا التقينا للتو…”
“الصداقة لا تُقاس بطول الزمن، بل بصدق اللحظة. وقد سرّني كثيرًا أن أتحدث إليك بهذا الانفتاح الصادق، آنسة شوفيليا.”
قال كلماته الأخيرة وهو يرسم ابتسامة ساحرة، جميلة كزهرة نادرة… جعلتني، بلا وعي، أومئ برأسي موافقة.
“…وأنا أيضًا، شعرت بأن حديثنا كان ذا مغزى.”
طويت الورقة ووضعْتُها بين صفحات الكتاب.
ثم توجّهتُ إلى قسم الاستعارة لأُعير الكتب. ساعدتني بطاقة الهوية التي منحتني إياها يوديث كثيرًا.
وما إن هممت برفع الكتب مرة أخرى، حتى بادر بيردين بخطوة للأمام قائلاً:
“دعيني أساعدكِ. وإن لم يكن لديك مانع، يمكنني أن أوصلكِ إلى منزلك بعربتي.”
“آه؟! لا، لا داعي. عربتي بانتظاري في الخارج.”
‘تبًا… لا أريد التورط معه أكثر.’
كنت أفكر في طريقة مهذبة لرفض عرضه، حين دخل رجلٌ في منتصف العمر إلى المكتبة، وما إن رأى بيردين حتى اتسعت عيناه من الدهشة.
أسرع نحونا بانحناءة مبالغ فيها.
“دوق ألِرِد! يا له
من شرف أن ألتقي بك في مكتبتنا الملكية!”
“المسؤول جوزيف، لا حاجة لكل هذا، رجاءً.”
“ولكن… ألن تتفضل بكوب من الشاي على الأقل؟ لقد مر زمن طويل منذ آخر زيارة لك…”
أصرّ مدير المكتبة على دعوة الدوق إلى مجلس الشاي، فيما بدا بيردين حائرًا بين الإحراج والرفض المهذّب.
انتهزتُ تلك اللحظة وهربتُ من المكان بخفّة.
“آنسة شوفيليا…!”
سمعت صوته خلفي، يناديني، لكنني تجاهلتُه وصعدتُ إلى عربتي.
“آنسة! هل حدث شيء؟”
سألني السائق بقلق حين رأى وجهي المشدود.
“لا، لا بأس. فقط، أسرع إلى محل الخياطة. يوديث تنتظرني.”
“حسنًا، ننطلق فورًا.”
بدأت العربة في التحرك على الطريق الرئيسي.
استندت إلى المقعد، أتصفّح الكتب التي جلبتها، لكن أفكاري كانت كلها مشغولة بـبيردين
بيت دوق ألرد معروف بوقوفه إلى جانب حقوق الوحوش البشرية. لا بد أن أطلب من يوديث أن تخبرني أكثر عن هذا الدوق.
حين تحدّث عن الملجأ، تذكّرت قبيلة “ولفِس”. كنت قلقة بشأن كيفية مقابلتهم منذ وصولي إلى العاصمة.
ربما، فقط ربما، أستطيع أن ألتقي أحدهم هناك… وربما حتى فرانز.
انطلقت العربة تشق طريقها وسط العاصمة، والمشهد من النوافذ بدا كلوحة فنية تمرّ أمامي.
التعليقات لهذا الفصل " 80"