الفصل 79 – لقاء غير متوقع في المكتبة الملكية <1>
المكتبة الملكية كانت غارقة في سكون عميق.
لا الموظفون بدَوا ظاهرين، ولا حتى الزوّار، وكأن المكان ابتلع ضجيج العالم بأسره. صعدتُ بهدوء إلى الطابق الثاني من قاعة الكتب.
ذلك الصمت المهيب، الذي ينسجه عبق الكتب العتيقة الممتدة لقرون، وعبير الخشب الجاف المتسلل من الورق المصفر، بعث في نفسي طمأنينة هادئة، وأزاح عني ثقل التوتر.
أشعة الشمس المتسللة برفق من النوافذ الواسعة داعبت جبهتي، وهي تنفذ بين رفوف الكتب الكثيفة.
ولحسن الحظ، كانت هناك قاعة مخصصة بالكامل للكتب المتعلقة بقبائل “السوإين” – شعب المستذئبين.
أخذت أتنقّل بين الرفوف، أراجع عناوين الكتب بتمعّن، وأقرأ على عجالة بعض المجلدات التي تتناول هذا الشعب الغامض.
كانت معظمها تقارير ميدانية عن أوضاع “السوين”، أو دراسات عن تنوع فصائلهم وطرائق عيشهم في العاصمة.
لكن… لم أجد أي شيء يتعلق بعشيرة “أولفِس”.
هل كنتُ فقط أبحث بطريقة خاطئة؟ شعرت بالقلق يتصاعد داخلي، وبدأت أفتّش الكتب بارتباك شديد.
في خضم انهماكي، شعرت بتغير طفيف في الهواء خلف رفوف الكتب.
لم يُسمع صوتُ خطوات، لكن أنفي التقط رائحة غريبة… رائحة زهور الزنبق البيضاء، نفّاذة، آسرة.
رغم أنني كنت في هيئة بشرية، إلا أن حواس الثعلب في داخلي ما زالت تعمل بحساسية حادة. التفتُّ بحذر دون أن أخفض حذري.
وهناك… بين الممرات، وقف شابٌ وسيم بشعر أشقر كأنما نُسج من خيوط الشمس، مظهره أشبه بلوحة حيّة.
من هذا الشخص؟ ومنذ متى وهو واقف هناك؟
كان يرتدي معطفًا ناصع البياض من طراز النبلاء، ونظرته الثابتة تتسلل إليّ بثبات.
عينيه… نادرتان للغاية، عينان ذهبيتان تشعان وهجًا دافئًا كالذهب المصفّى، لا تملك إلا أن تسقط فيهما.
سُحرت للحظة بنظراته، ثم تداركت الأمر حين ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، أكثر رقة من ابتسامة أي امرأة.
أدركتُ أنني كنت أحدّق فيه بوقاحة، فأشحت نظري على الفور.
اقترب الشاب الأشقر من الرف الذي كنت أقف عنده، ثم انحنى بتحية لطيفة:
“أرجو أنني لم أُفزعكِ، آنستي.”
“آه، لا… لا بأس. أنا بخير.”
أجبت بسرعة، وأنا ألوّح بيدي نفيًا. ألقى نظرة خفيفة على الكتب التي كنت أُمسكها، وابتسم مجددًا.
“أرجو أنني لم أُعِق قراءتك.ِ”
“أبدًا، كنت على وشك المغادرة.”
رددت بأدب، وحاولت التملّص، لكنه سألني مجددًا بصوتٍ رصين:
“أنا هو دوق بيردين أليرد. هل لي بمعرفة اسمكِ يا آنسة؟”
دوق؟! من طبقة النبلاء العليا؟ ولماذا يوجد في المكتبة الملكية؟!
والأغرب… أن هذا الاسم لم يظهر في الرواية الأصلية إطلاقًا.
تفاجأت لدرجة أنني لم أجد الكلمات المناسبة.
بل الأسوأ من ذلك… أنني وقعت في ورطة حقيقية.
هل سبق وأن تعلمتُ قواعد الإتيكيت الأرستقراطي؟!
في قلعة الشمال، لم أكن سوى “الثعلبة المدلّلة”، تتلقى الحب والدلال فقط، ولم أُخضع لأي دروس نبيلة!
علاوة على ذلك، الحياة في الشمال كانت بسيطة وعفوية، لا تهتم كثيرًا بالبروتوكولات.
أسرعت باستحضار كل ما قرأته سابقًا من روايات الفانتازيا والويب كومكس التي تتناول حياة الأرستقراطيين.
نعم… يبدو أن كل شيء قرأته كان له فائدة فعلية!
أمسكت بطرف فستاني، وانحنيت انحناءة خفيفة وأنا أقول بلباقة:
“إنه لشرف لي أن ألتقي بك يا دوق أليرد. اسمي شوفيليا.”
“آه، آنسة شوفيليا، إذن.”
نظرًا لعدم انتمائي لعائلة، لم أذكر اسمًا للعائلة. أعرف أن النسب في مجتمع النبلاء مهم، لكن الدوق لم يبدُ مهتمًا بذلك.
بل ابتسم لي بابتسامة بريئة صافية كالأطفال.
يا له من دوق غريب الأطوار. أليس من المفترض أن يكون أمثاله مستشارين في القصر أو أعضاء في مجلس النبلاء؟!
لكنه من الخارج بدا وكأنه نبيل شاب شغوف بالعلم.
شعره الأشقر لمع تحت أشعة الشمس المنبعثة من نوافذ المكتبة، وعيناه الذهبية تلمعان كالأحجار الكريمة.
“أعتذر، يا دوق، لكن عليّ أن أواصل بحثي. أحتاج لإيجاد بعض الكتب.”
كنت أبحث عن عذر مناسب للانسحاب، فلم أعد أعرف ماذا أقول.
لكن قبل أن أستدير، خاطبني من جديد:
“هل تسمحين لي بمساعدتكِ؟ لا بد أن البحث في هذا الكم الهائل من الكتب بمفردك أمر شاق.”
يا له من دوق كريم حقًا.
لكن… هل من الحكمة قبول مساعدة غريب، حتى وإن كان دوقًا؟
في الوقت الراهن، لم يكن هناك أي موظف في المكتبة ليساعدني، وكنت مضطرة للذهاب إلى متجر الخياطة بعد هذا.
“أشكر لك لطفك يا دوق، هل يمكنني… الاستعانة بك قليلًا؟”
“بالطبع، يسعدني ذلك. فأنا أيضًا أبحث عن بعض الكتب، وسيوفر لنا هذا بعض الوقت. إذن، ما نوع الكتب التي تبحثين عنها؟”
ثم وقعت عيناه على الكتب التي كنت أحملها.
“آه… إنها عن قبائل السوين.”
“نعم، لديّ اهتمام خاص بها.”
لم أرغب في الكشف عن حقيقتي بعد، لذا لم أذكر أنني أنتمي إليهم.
لقد تلقيت تحذيرات صارمة من “كاردين” و”يوديث” ألا أكشف هويتي في العاصمة.
فبينما يعامل الناس في قلعة الشمال “السوين” بود واحترام،
فإن سكان العاصمة يضطهدونهم، بل ويخطفونهم لبيعهم كعبيد!
“سُعدت بلقائك حقًا. أنا أيضًا لديّ شغف كبير بقضية السوين.”
بمجرد أن سمعت كلمة “شغف”، انتبهت حواسي.
فأغلب من عبّروا عن “اهتمام” سابقًا لم يكونوا جديرين بالثقة.
لكن تعابير بيردين كانت مختلفة.
وجهه الأبيض كزهور الزنبق اكتسى بظل حزن.
أخفض رموشه الطويلة وتنهد بلطف:
“لطالما أحزنني ما يتعرض له السوين من معاملة قاسية.”
كنت قد سمعت من “يوديث” القليل عن أوضاعهم في العاصمة، فبعضهم يعمل مزارعًا أو تاجرًا، لكن الغالبية يعيشون في فقر مدقع، وقد يُباعون كعبيد!
لم أرَ مثل هذه الأمور في الشمال، حيث كنا نعيش جميعًا بمحبة وسلام.
لكن ماذا لو كان أبناء عشيرتي “أولفِس” يعانون كذلك؟ ماذا لو كان فرانز في خطر؟
“لم أكن أعلم أن أوضاعهم سيئة إلى هذه الدرجة…”
كدتُ أن أبكي وأنا أتخيل معاناتهم.
“أعتبر السوين أصدقاء لي.”
قالها بيردين بصوت دافئ، يحمل صدقًا لا لبس فيه. رفعت رأسي أنظر إليه.
شعره الذهبي تحت الشمس يلمع بهالة ملائكية.
“لذلك أسستُ مأوى لحمايتهم. مكان يجمع المطرودين والمظلومين، نقدم لهم علاجًا، ونساعدهم في الاستقرار، بل ونوفر لهم تدريبات مهنية لبدء حياة جديدة.”
يا إلهي…
رغم أنني أعيش كثعلبة، لم أفكر يومًا في حقوق السوين أو كرامتهم. كنت أريد فقط أن أعيش كإنسانة.
لكن هذا النبيل… لم يكتفِ بالتفكير، بل بذل جهده لتغيير الواقع!
“ما تقوم به أمر عظيم… شكراً لك… على اهتمامك الصادق.”
“لا شكر على واجب. فعلتُ ذلك من أجل صديقي.”
“صديقك؟”
أجاب وقد شردت عيناه في لحظة ذكريات:
“أول صديق لي كان من قبيلة الذئاب. كان صادقًا ومخلصًا بحق. قضينا معًا أوقاتًا رائعة… ومنذ ذلك الحين، قررت أن أمدّ يدي لشعبه.”
ثم نظر إليّ بنظرة دافئة، رغم أننا التقينا للتو.
“أنا أحترمهم كثيرًا، لصفائهم وبساطتهم. البشر يخدعون بعضهم، أما هم فلا. إنهم الأرواح الحرة في الطبيعة… بينما نعيش نحن مكبّلين بالقوانين والمصالح.”
كلمات لم تخطر ببالي من قبل، رغم أنني منهم.
بيردين… يفهمهم أكثر من أي “سوين” عرفته.
كلماته لامست قلبي.
لكنه بدا مرتبكًا فجأة، وأطرق رأسه باعتذار لطيف:
“آسف… ربما أطلتُ الحديث وأزعجتكِ.”
هززت رأسي بسرعة:
“أبدًا. يسعدني سماعك. إنك تفعل أمرًا عظيمًا… دوق بيردين، أنت حقًا شخص رائع.”
ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة، ثم قال:
“يسعدني التحدث مع آنسة مثلكِ. للأسف، في مجتمع النبلاء لا يزال البعض يراهم عبيدًا لا أكثر.”
“يا لهم من أناس سيئين… كيف يمكنهم فعل ذلك…”
قبضتُ على الكتاب في يدي بقوة.
تذكرتُ تاجر العبيد الذي حاول خطفي… واشتعلت الدماء في عروقي من الغضب مجددًا.
التعليقات لهذا الفصل " 79"