أرسلت إشارة خفيفة إلى يوت، فأغمض جفنيه البيضاوين ببطء وفتحهما، ثم غطّى فمه وأنفه بيده على نحوٍ طبيعي.
لم يكن بوسعنا أن نظل هنا مقيدين بالوقت.
هوووش!
انتشر مسحوق أبيض كالدقيق أسفل الدرج.
قبل أن يتمكن الجنود من اتخاذ أي إجراء، استدرنا وبدأنا بالجري نحو الأعلى.
كان يُسمع خلفنا صوت الأجساد وهي تهوي واحدًا تلو الآخر.
“هل ما زال معك ذلك الشيء؟”
“ما حدث قبل قليل كان آخر ما لدي!”
“حسنًا أني قلت لك أن تحضريه.”
صدقت.
‘لم أكن أظن أنني سأحتاج لاستخدامه بهذه الكثرة.’
كما توقعت، عندما صعدنا الدرج الحلزوني، أضاءنا ضوء الفجر الأزرق الشاحب.
‘هل انتبه الدوق الآن؟’
إن كان قد فعل، فلا شك أنه أصدر أوامره للخدم على الفور. مثلًا—
“هل ترون أي أثرٍ لهم؟”
“مستحيل. إلى أين فرّا وسط ذلك السجن الواسع؟”
“لحسن الحظ أن لون شعر أحدهما مميز. بنفسجي فاتح، والآخر بني.”
تمامًا هكذا.
“اللعنة.”
رجلٌ مجنون وسريع الحركة أيضًا.
بدأنا نتحرك في اتجاهٍ خالٍ من الناس ونحن نناقش طريق الهروب.
“كفى، لو مضينا أكثر سنصل إلى مبنى السكن الرئيسي.”
“إذًا المخرج إلى الخارج قريب.”
“لكن لا نعلم إن كنا سنتمكن من الوصول إليه.”
الطريق كان واسعًا بما يكفي لمرور العربات، أي أن المارة من غير العربات سيكونون ملفتين للأنظار لا محالة.
أعدتُ في ذهني ذكرى الأيام الماضية وبدأت أعدّ بأصابعي.
“من البوابة إلى القصر استغرقت العربة أكثر من عشرين، لا، ثلاثين دقيقة.”
“إذًا مشيًا سيستغرق الأمر ساعتين على الأقل؟”
“هل يمكننا الخروج من هنا حتى المدينة من دون أن يكتشفنا أحد إطلاقًا؟”
والدوق أطلق الخدم ليبحثوا عنا بهذا الشكل؟
حتى لو حالفنا الحظ وبلغنا البوابة، فقد يُمسك بنا الحارس بسهولة.
ثم… ستشرق الشمس بعد قليل.
‘حينها ستزداد الأمور سوءًا.’
الظلام كان آخر غطاءٍ يمكن الاعتماد عليه.
الوقت يداهمنا، والمشي عشوائيًا خطر جدًا، ومواصفاتنا أصبحت معروفة…
عندها قطعت طريقنا عربة ضخمة.
“صحيح، العربة.”
“هاه؟”
“لنأخذ عربة، أي عربة كانت.”
تقصير الوقت وتقليل المخاطر، لا طريقة أفضل من هذه.
لحسن الحظ كانت هناك عدة عربات تنتظر لنقل أسيادها. لو تمكنا من ركوب واحدة منها فقط…!
“انتظري، لحظة! سونِت، سونِت، اهدئي أولًا.”
كنتُ أستعدّ للركوب بسرعة، بل لسرقة العربة إن لزم الأمر، لكن يدًا كبيرة أمسكت بكتفي وسحبتني للخلف.
كان وجهه متوترًا، لكن صوته ظل هادئًا ومنخفضًا.
“أتعلمين، لو ركبنا الآن فلن يتحرك السائق بالعربة. سيصرخ بنا لننزل منها على الأرجح.”
“لهذا علينا أن نضع قدمنا فيها قبل أن تتحرك تمامًا.”
“سونِت، حتى لو تحركت العربة، يمكنها التوقف مجددًا.”
كانت تلك الطريقة الأكثر سلمًا، لكن حتى من دون أدوات، لا تخلو الدنيا من حلول.
فردتُ أصابعي المغطاة بالقفاز الدانتيل ثم قبضتها من جديد.
“في أسوأ الأحوال، أضربه على مؤخرة عنقه…”
“على مؤخرة…؟”
“هل لديك طريقة أخرى؟”
“لا، لكن… لا، لحظة، أنا طبيب، لا يمكن… لا، في الحقيقة، المهم أن نعيش أولًا!”
“بل كونك طبيبًا هذا أفضل.”
“هاه؟”
“يوت، فكّر بهدوء. أنت طبيب، أليس كذلك؟”
“بلى…؟”
“إذًا من منظورٍ واسع، هذا مجرد تدريبٍ جراحي يتم تحت إشراف طبيب.”
طرفت رموشه البنية بسرعة، وانقبض جبينه المستوي ثم ارتخى مرارًا، قبل أن يصفق بيديه بخفة.
“…منطقي نوعًا ما.”
“والجميل أن الطبيب بجانبي، فيمكنه التدخل فورًا لو ظهرت أي استجابة غير طبيعية.”
أومأ يوت موافقًا تمامًا.
وحيث اتفقنا بلا خلاف، كان واضحًا ما علينا فعله بعدها.
مددنا أقدامنا إلى داخل إحدى العربات الخالية من الشعار.
“عذرًا! سننضم إليكم قليلًا!”
“آه، آسف، آسف جدًا…”
على الأقل نحن ما زلنا أحياء.
ربما بسبب الريح الباردة التي عصفت بنا طوال الوقت، كان هواء العربة دافئًا حتى يكاد يبعث على النعاس.
ولحسن الحظ، لم تتوقف العربة فجأة، ولم يلتصق سيفٌ بحلقنا.
لكن…
“لماذا أنت هنا يا عمّ؟”
“أليس هذا ما يجدر بي أنا أن أسأله، يا ابنتي العزيزة؟”
كان الرجل الجالس في أبعد مقعدٍ عن الباب يرفع حاجبيه، متنقلًا بنظره بيني وبين يوت.
شعره الأحمر الذي بللته العتمة بدا بلونٍ كستنائيٍّ قاتم.
“ذاك، أها…”
من الناحية الموضوعية، كان الموقف أفضل بكثير من المتوقع. فصاحب العربة التي اختطفناها مصادفةً لم يكن سوى شخصٍ يحمل لي قدرًا من الود.
صحيح أنّه من المؤسف أننا لم نتمكن من إفقاده الوعي والتظاهر بالجهل فحسب… لكنّني بدأت ألعن في داخلي، متسائلة من أين أبدأ الشرح وأين أنتهي، حين قطعت صوتًا عالٍ من الخارج مجرى الحديث.
“انتظروا، انتظروا قليلًا! أوقفوا جميع العربات!”
—
مرّت عشرة أعوامٍ كاملة.
المرأة التي عملت لعشر سنواتٍ في قصر دوق بيكويوم كانت الآن منهكة إلى أقصى حد.
‘لقد فقد صوابه تمامًا.’
صحيح أنّ السيد لم يكن بكامل وعيه منذ مرض سيدتها، لكنّ المرأة لم تستطع إلا أن تمسك رأسها بأسى وهي تلعن حظها.
‘اللعنة! اللعنة! اللعنة!’
وكأنّ التحضيرات المرهقة للحفلات في الأسابيع الماضية لم تكن كافية!
أما اليومين الأخيرين؟ فقد أمضتهما تركض في كل مكان وهي تستقبل الضيوف بنفسها حتى تورمت قدماها.
وبعد كل هذا، ما الذي ينتظرها الآن؟
‘ابحثوا عن فأرين. اثنين.’
لم يكن الأمر صادرًا من كبير الخدم ولا من المستشار، بل من الدوق نفسه، الذي أمر الخدم مباشرة.
‘لم يبتعدا كثيرًا بعد. بالتأكيد…’
كان شكل عينيه المحمرتين وهو يطحن أسنانه ما زال يطاردها في كوابيسها.
لقد شرح بنفسه ملامح الفارين، وقد بدا من طريقة حديثه أنه يشتعل غضبًا.
تنهدت المرأة بعمق، واضعة يدها على صدرها لتسكّن دقات قلبها المتسارعة.
‘منذ عودة السيدة إلى القصر، ظننت أنه عاد إلى حاله الطبيعي.’
لكن ما الفائدة من محاولة قراءة ما يدور في رأس السيد؟
مسحت المرأة وجهها بكفيها العاريتين مرارًا، ثم طرقت باب العربة التي توقفت أمامها بتردد.
‘كيف انتهى بي الأمر إلى هذا؟’
من ذا الذي سيفرح إن أوقفه أحد في منتصف الطريق وطلب أن يفتش عربته؟
خصوصًا إن كان أغلب من يغادرون القصر من كبار النبلاء ذوي الأنوف العالية.
بل حتى وإن لم يكونوا نبلاء، فمن يُدعى إلى القصر لا بد أن يكون ذا شأنٍ كبير.
“حتى وإن كان الدوق نفسه من أمر بهذا، فحقًا، ما هذا الجنون…؟”
بطبيعة الحال، لم يخفِ الناس انزعاجهم.
“وما السبب في ذلك؟”
“ذاك… سرّ رسمي، أعذروني بشدة!”
“هاه، دعوتنا بلُطف في وقتٍ مزدحم، ثم تعاملنا بهذا الجفاء؟ مؤسف حقًا.”
‘أتفق تمامًا معكم…’
العرق البارد كان يتصبب من ظهرها.
كانت قد أعدت نفسها نفسيًا، لكن في كل مرة تفتش فيها عربة، تسمع من الشتائم ما يكفي لعامٍ كامل.
“هذا جنون فعلاً…”
ما بال العربات الخارجة في هذا الفجر كثيرة إلى هذا الحد؟
صحيح أنها لا تشكل عُشر تلك التي دخلت القصر الليلة، لكنها رغم ذلك كادت تتمنى لو تلغي الأوامر كلها وتعود لغرفتها.
لكنها لم تستطع.
فما كان منها إلا أن طرقت باب عربةٍ أخرى، متمنية أن يكون راكبها سكرانًا أو نائمًا.
“ما الأمر؟”
صوتٌ مهذبٌ ناعم.
ارتجف كتف المرأة حين سمعت نبرة الاحترام تلك لأول مرة منذ بداية عملها الليلة.
“أ… السيد أمر بأن نتفقد كل من يغادر القصر.”
“همم… حسنًا.”
حين خطت داخل العربة، تجلّى وجه الرجل أمامها بوضوح.
شعرٌ أحمر مجعد، ملامح لا تشبه أبدًا ملامح سكان السيلسنغ الأصليين، بشرةٌ بنية لا يُدرى أهي طبيعية أم لوحتها الشمس.
وكانت عيناه المنفرجتان تلمعان بودٍّ هادئ، يبعث الطمأنينة في نفس من يراه.
“لكن ما سبب هذا الأمر من الدوق يا ترى؟”
“أعتذر، لقد أمرنا بالكتمان مؤقتًا…”
“همم، لعلّ البضاعة التي أُحضرت لم ترقه؟”
كانت كلماته ممزوجة بابتسامة، لكنها لم تكن مزحةً خالصة.
‘الآن تذكرت، هذا الرجل…’
كان أحد كبار تجار السيلسنغ، من بين العشرة الأوائل في تلك البلاد.
وقد سبّب قراره المفاجئ بقطع التعامل معنا قبل أشهر ارتباكًا كبيرًا للسادة في الأعلى.
لعنت المرأة ذاكرتها الرديئة، وحركت يديها بسرعةٍ وهي تنحني.
“أعتذر.”
“هاه؟ لا عليكِ، يا آنسة، ما الذي يجعلك تعتذرين؟”
كانت كلمة “آنسة” غريبة في هذا السياق، لكنها لم تلتقط أي نغمةٍ مريبة في صوته، واكتفت بتحويل نظرها جانبًا.
التعليقات لهذا الفصل "117"