“طبعًا يجب أن نبلّغ. نحن مجرد أناسٍ عاديين، ومهما فكرنا أو قلقنا فلن نتمكن من فعل شيء بأنفسنا.”
“……”
“لماذا تظنّ الدولة تأخذ منا الضرائب؟ أليس لكي تحمينا في مثل هذه المواقف؟”
“همم، أنا أيضًا من الذين يؤمنون بضرورة أخذ كل ما يمكن أخذه من الدولة، لكن… هل سيجدي ذلك نفعًا فعلًا؟”
“بمجرد أن نقدّم البلاغ، سواء كانت فرقة الأمن أو أي مؤسسة أخرى، لا بدّ أنهم سيتحرّكون للتحقيق.”
“هناك مشكلتان.”
رفع يده، وبدأ يثني إصبعيه السبابة والوسطى ثم يفردهما بلُطف.
أشار يوت إلى كل إصبع على التوالي وهو يقول:
“الأولى، أن الطرف المقابل من النبلاء ذوي المناصب العليا. من المحتمل جدًا أن تكون فرقة الأمن متواطئة مع جهة أعلى منهم.”
“والأخرى؟”
“أن هؤلاء هم الأبطال الرئيسيون.”
“أبطال؟ تقصد أبطال رواية رومانسية؟”
“نعم.”
“البطل يخطف البطلة؟! وأين الرومانسية في هذا؟”
لو أن فتاةً وقعت في حبّ من احتجزها، فذلك لا يستدعي عزف نشيد الزواج السعيد، بل جلسةً عاجلة في عيادة الطب النفسي.
‘يا له من قمامةٍ يمسك بشعر الناس ويجرّهم عنوة.’
ليس غريبًا أن يطارد امرأةً لسنواتٍ وهو بهذه القذارة.
من هذه النقطة بالذات، سقطت كل ذريعة للرومانسية.
لكن يبدو أن يوت كان له رأي آخر.
“لا، بالعكس. لأن القصة رومانسية، فذلك هو ما يجعل هذا الإطار ممكنًا.”
“لماذا بحق السماء؟”
“لأنها رومانسية. فحتى لو كان هناك خطف وحبس، يبقى الرجل هو البطل.”
ارتسمت على شفتي ابتسامة مرّة.
كنت أعلم من قراءتي المتفرقة للروايات الرومانسية أن هناك نوعًا فرعيًا يسمى ‘القصص القاتمة’.
‘لم أقرأ منها كثيرًا، لكني أعرفها.’
البطلات فيها يعانين دومًا.
الإهانة عادةٌ يومية، وصفعة الوجه أقل ما يحدث، أما العنف الجماعي وما هو أبعد فليس نادرًا أبدًا.
وأولئك الذين يُسمَّون “الأبطال” جميعهم مختلّون، لا يملكون ذرة عقل، وغالبًا ما تكون النهايات…
“لا يمكن!”
“هاه؟”
“أي إنسان يخطف من يحب ويحبسه لا يمكن أن يكون طبيعيًا! أتزعم أن آيريس بطلة كهذه؟!”
مهما حاولت التفكير بإيجابية، فالأمر له حدوده.
وضعت أصابعي على صدغي واقترحت احتمالًا آخر.
“لا دليل على أن آيريس هي البطلة أصلًا. أنت لم تلتقِ بها بنفسك.”
“وهل تظنين هناك نوعًا آخر تظهر فيه شخصية رجلٍ أسود الشعر، أحمر العينين، يبحث بجنون عن زوجته لسنوات؟”
“……”
“وفوق ذلك، لديه ابنة؟”
“اللعنة…!”
لم أجد ما أردّ به.
عندها فقط أدركت سبب تشاؤم يوت طوال الوقت.
‘إن كانت القصة تسير هكذا، فلا مخرج منها…’
في مثل هذه القصص، البطل لا يتردّد في ارتكاب الجرائم إن تعلق الأمر بالبطلة.
بل إن مفهومه للأخلاق يختلف تمامًا عن الناس العاديين.
ومصير امرأةٍ ترتبط برجل كهذا واضح لا لبس فيه.
“آه، صحيح! لكن آيريس شعرها بني! أما الدوق فشعره أسود، وفلورا شعرها ورديّ، فربما لا علاقة لهم، أليس كذلك؟”
“سونِت، حتى لو وضعنا جانبًا قولكِ بأن هذا الرجل هو زوجها…”
“……”
“فربما صبغت شعرها. أو ربما كان لون الشعر ميراثًا بعيدًا من أحد الأسلاف، لكن عادةً أبناء الأبطال لا يكونون مختلفين عن والديهم.”
مرّر يوت أصابعه في شعره الفاتح بلون الفضة، وكان الضوء ينعكس عليه كأنه من عالمٍ آخر.
“امرأة تهرب من زوجها فتغيّر مظهرها بصبغ الشعر؟ هذا مسارٌ مألوف جدًا.”
“صحيح، هذا منطقي…”
“واللون البني هو الأكثر شيوعًا في سيلسينغ، لذا يسهل أن تختبئ وسط الناس.”
“حسنًا، ما مضمون القصة بالضبط إذًا؟”
“لا أعلم.”
جاء صوته ناعمًا مترددًا بعض الشيء.
“سبق وقلت لكِ، كل الروايات هنا كانت مما قرأته أختي الصغرى.”
“نعم.”
“لكنها لم تذكر شيئًا كهذا أبدًا.”
‘يا أختَ يوت، ما الذي كنتِ تقرئينه بالضبط…؟’
هل لم تعد القصص الوردية تشبعها، فصارت تبحث عن الإثارة القاتمة؟
وجدت نفسي أكره فتاةً لم أرها في حياتي.
“قلتَ إن أختك تحب النهايات السعيدة!”
“قالت إنها لا تستطيع تناول الطعام إن لم تنتهِ القصة نهاية طيبة.”
“لكن كيف يمكن لقصة كهذه أن تنتهي بـ’وعاشا في سعادةٍ أبدية’؟ هذا غير منطقي إطلاقًا!”
“همم، طالما عاشا معًا بطريقةٍ ما، فذلك يُعدّ نهاية سعيدة.”
“ما هذا المنطق؟”
“طالما أن لديهما ابنة تشبههما تمامًا، فربما بعد سلسلةٍ من سوء الفهم والندم من جانب البطل، ستسامحه البطلة… شيء من هذا القبيل، على الأرجح.”
“وهل يُمحى سجلّه لمجرد أنه ندم قليلًا بعد أن حبس امرأة؟”
كيف يُعتبر الندم الحقيقي أن يجلس في قصره الفخم ويقول: “أخطأت”؟
‘لم يُسجن في زنزانةٍ مظلمة ولم يُجبر على العمل الشاق حتى.’
حتى لو كان نادمًا فعلًا، فكيف يمكن تقبّل ذلك؟
تذكّرت سونِت وجه صديقتها التي كانت تبتسم بخفة.
وجنتاها الشاحبتان، يداها النحيلتان على غير عادة من تعمل خادمة، والتطريز الذي تعلّمته ليلًا حتى أدمتها الإبر.
وجهها الجانبي وهي تُقبّل قمة رأس طفلها متمنّية لو أن الحياة بقيت هادئة هكذا.
“هل هناك شيء كهذا في الدنيا؟”
كانت تلك الفتاة في غاية السعادة يوم قبضت أول راتب لها.
شعرت بالفخر حين صنعت بيديها ثياب الطفل، وكانت تقول إن غمس الخبز الأبيض في العسل الذي يوزّع في الأيام المميّزة كفيل بأن يُذهب عنها تعب أسبوع كامل.
كانت تحلم بأن تطوف العالم يومًا مع ابنتها وحدهما.
قالت إنها ستخصّني بغرفة منفصلة عندما ننتقل إلى بيت جديد.
أحبّت قيلولة النهار في العطل.
قالت إن الغسيل متعب، لكن التنظيف يناسبها على نحوٍ غير متوقّع.
‘أنا سعيدة جدًّا الآن.’
‘مع أنكِ مرهقة وليس لديكِ طاقة؟’
‘ومع ذلك. لا أفكر في أي شيء مزعج، وفلورا تنمو بصحة جيدة، وأنتِ هنا أيضًا.’
تلك الفتاة، آيريس كانت…
“هل مجرد اجتماع الأسرة الثلاثة كفيل بأن يجعل كل شيء بخير؟ هكذا ببساطة؟”
“…….”
“أي سعادةٍ هذه؟”
سعادة آيريس لم تكن هناك.
أقسم أن الأمر كذلك، دون أدنى شك.
—
بفضل مساعدة الآنسة، استطعت أن أعتني بفلورا عن قرب.
بل في الحقيقة، بدا أن الأمر لم يكن مجرد مساعدة، بل كان مشوبًا بشيء من رغبتها الخاصة.
“فلورا، ماذا تفعلين؟ ترسمين لوحة؟”
“آنِسة!”
“مم، لا تقولي آنسة. فقط قولي روبي، روبي.”
“لكن العرّابة والطبيب كلاهما يناديانكِ بالآنسة!”
“لقد قلت لهما ذلك مرارًا وهما لا يسمعان، لا، لا. فلورا، يعجبني أن تناديني روبي، هل يمكن؟”
“روبي؟”
يا إلهي، كادت ابتسامتها تمزّق شفتيها.
جلست الآنسة والطفلة في حجرها، تمسح خدّها على شعر الطفلة الوردي.
“وماذا ترسمين إذًا؟”
“أمي والعرّابة!”
“واو، رسم جميل! سترسمينني أيضًا؟”
“حسنًا… لكن قولي لي، متى ستعود أمي؟”
“هاه؟ ماذا؟”
“قالت إنها ستعود بعد مئة ليلة، لكن ربما تعود أبكر من ذلك؟ أنا أضع علامة كل يوم كي لا أنسى…”
“أه، ذلك يعني… يعني…”
ارتجّت حدقتاها السوداوان بعنف.
نظرتها المُلِحّة طعنت قلبي، لكن للأسف، لم يكن الوقت مناسبًا للجواب.
سمعت صوت رجائها الملتهف، لكن لم يكن بوسعي شيئ.
والهرب من دوّامة السؤال لم يجعل قلبي أكثر راحة.
‘يجب أن يُحلّ الأمر قبل أن يمتلئ التقويم كله بعلامات المقصّ.’
مئة يوم.
فلورا مؤمنة تمامًا بأن أمها ستعود بعد مئة يوم بالضبط.
أن أواجه ذلك الوجه الصغير بالاعتذار والعزاء… مجرد الفكرة كانت مؤلمة.
ضغطت صدري بقوة ووقفت في مكاني المخصص. كان معظم الخدم قد حضروا القاعة.
“الجميع حاضر.”
دخل كبير الخدم في تمام الموعد.
كانت تلك أول مرة أراه فيها منذ ذلك اليوم.
وعيناه الزرقاوان خلف النظارات لم تمسّاني حتى مصادفة.
“ربما سمع بعضكم بالفعل، هناك حفل كبير سيقام قريبًا في قصر تاونهاوس الخاص بعائلة بيكويوم. يُقال إنه احتفال بشفاء دوقة بيكويوم، وسيكون فخمًا على نحوٍ غير مسبوق.”
عائلة دوق بيكويوم…
رفعت رأسي الذي كان يميل إلى الأسفل فجأة.
“بعد مرض الدوقة قلّ عدد الخدم هناك كثيرًا، وقد طلبوا منا المساعدة. يريدون خدمًا متمرّسين في إعداد الحفلات.”
“متى يبدأ ذلك؟”
“بعد أربعة أيام.”
“وكم شخصًا سيذهب؟”
“بين خمسة وعشرة أشخاص. من يرغب بالتطوع فليأتِ إليّ قبل الغد. أي استفسارات أخرى؟”
بعد بضع أسئلة قصيرة، انتهى الاجتماع بسرعة.
كنت على وشك أن أتبعه فورًا.
لو لم يمسكني يوت.
“سونِت، انتظري لحظة. هل ستتقدّمين الآن فورًا؟”
“نعم. وأنت؟ هل ستأتي معي؟ الطبيب لا يمكنه التقديم، أليس كذلك؟”
“ليس هذا ما أقصده…”
نظراته الهادئة بدت – على غير عادته – غير راضية.
التعليقات لهذا الفصل "108"