101
في شتاءٍ كانت فيه البرودة تتسلّل من أرض الغرفة، كانت عائلة جيبرايت أكثر انشغالًا من أي وقتٍ مضى.
فقد دُعيت الأسرة بأكملها إلى حفلٍ ملكي سيُقام في نهاية العام.
‘في العام الماضي، ذهب السيّد والابن الأكبر فقط.’
أما الابن الأصغر فكان وقتها منفيًّا في الجزيرة، وقبلها لم يكن سوى طالب، وأما الآنسة فهي…
‘الكثير تغيّر خلال أقل من عامٍ واحد.’
فتلك التلميذة الضعيفة التي بقيت في صفّ التخرّج لسنواتٍ متتالية تذكر الآن بين المتفوّقين الأوائل.
لقد دُعيت العائلة بأسرها إلى مكانٍ لا يُدعى إليه إلا أهل الشرف والطبقة الرفيعة. إنه حقًّا أمرٌ سارّ.
حقًّا، أمرٌ سارّ… ولكن…
“ألم يقل أحدهم إنّ ذلك الذئب المشؤوم سيحضر هذه المرّة؟ ذلك الابن الثاني؟ ما رأيك يا سيج؟”
“سيّدي، الابن الثاني من أسرة وِير لم يتجاوز الرابعة عشرة بعد.”
الرابعة عشرة؟ إنه رجلٌ ناضج إذًا! يا أبي، أنا قلقةٌ أكثر بشأن هذا الآخر. إنه ممثلٌ شهير بين النساء، وقد شاع في الآونة الأخيرة أنه…”
“لكن ذاك الممثل معروفٌ بأن له تاريخًا طويلًا في العلاقات، وسمعتُ مؤخرًا عن امرأةٍ حملت منه.”
“ومن أين لك أن تعرف ذلك أيها رئيس الخدم! ربما يقع فريسةً لسحر ابنتنا روبي و يصبح وفيًا لها!”
‘لا أظن أن مثل هذا الشخص يبدّل طباعه بهذه السهولة.’
ابتلعت ما يدور في خاطري، متجاهلةً معاناة رئيس الخدم الظاهرة على وجهه.
‘ذلك المسكين يعاني كثيرًا هو الآخر.’
كان لابيس، الذي كان يسأل بكل برود: “كم عدد النساء هناك؟”، أفضل حالًا على الأقل من هؤلاء.
أما الأب والابن، فكانا غارقَين في جدٍّ وقلقٍ غير مفهومين، بينما خيّم جوٌّ احتفالي بين الخدم.
وأنا كنتُ من بينهم.
‘يا للروعة، إجازة طويلة!’
فبما أن جميع أفراد العائلة ذاهبون إلى القصر الملكي، لن يبقى سوى عددٍ قليل من الخدم.
وكانت الخادمة الخاصة للآنسة على رأس قائمة المستفيدين من الإجازة.
وبينما كنتُ أمشّط شعرها المنسدل المستقيم وأخطّط لإجازتي، قالت الآنسة بمرحٍ:
“سونت، لمَ لا تأخذين إجازةً أطول هذه المرّة؟”
ثم التفتت بجسدها لتواجهني بابتسامةٍ مشرقة.
“على أيّ حال، الحفل الملكي طويل بما يكفي، وغيابك لبضعة أيامٍ لن يسبب لي أي مشكلة.”
“همم.”
“ما رأيك برحلة؟ المدة كافية حتى للسفر إلى الخارج!”
“…….”
“كارنيليان اقترح عليّ مؤخرًا جزيرةً مشهورة كمنتجعٍ سياحي، الوصول إليها لا يحتاج سوى رحلةٍ قصيرةٍ بالقارب.”
“…….”
“أو ربما إلى المملكة المجاورة؟ سمعتُ أن هناك قطارًا مباشرًا من العاصمة إليها. يقولون إن فيها من أماكن اللهو أضعاف ما هنا!”
رحلة في نهاية العام؟ فكرة غريبة بحق، تُشبه مَن لم يعتد على ثقافة سيلسين.
‘صحيح أن الناس أصبحوا يقضون عطلتهم بهذه الطريقة مؤخرًا، لكن…’
عادةً ما يقضي المرء تلك الفترة في البيت مع أقرب أحبّته.
‘فحتى المتاجر لا تفتح أبوابها في تلك الأيام.’
“آه، أليس موطنك قرب البحر؟ هل ستذهبين إلى الجنوب؟”
“لا أدري، أنا…”
لو كانت الظروف كما كانت دائمًا، لما تردّدتُ لحظة.
لكنّني تذكّرتُ حديثي الأخير مع رئيس الخدم.
‘كيف تنوين قضاء نهاية العام هذه المرّة؟’
‘أوه، لا تقلق، يمكنك أن تكلّفني بما تشاء.’
‘هاه؟’
‘هل عليّ مرافقة الآنسة؟ حتى لو كان في آخر العام أو أوّله فلا بأس.’
‘لا، لم أقصد هذا……’
تردّدٌ غير معتاد على وجهه الجاد، وصمتٌ قصير.
ثم رفع نظارته مرتين متتاليتين وقال بنبرةٍ واضحة:
‘ما رأيك أن نقضي الإجازة معًا هذه المرّة؟’
‘هاه؟ معك، سيّدي رئيس الخدم؟’
‘لديّ منزلٌ غير بعيدٍ من هنا. لا أذهب إليه كثيرًا، لكنه نظيف، وواسع أكثر مما يحتاجه اثنان.’
‘آه…….’
‘لنذهب معًا؟ نعدّ الحساء، نلعب الورق، أو نقرأ إن رغبتِ. عندي مكتبة كبيرة جدًا. أتحبين الكتب؟’
‘أم، أنا…….’
‘فكّري بالأمر على الأقل. لديّ الكثير من الأسرّة الإضافية.’
كانت يده حين ربتت على كتفي هذه المرّة أكثر عفويةً من المعتاد.
مرّرتُ يدي على كتفي المرتفع بخفةٍ وهمستُ:
“لا أدري حقًّا كيف سيكون الأمر.”
—
……ولا أزال حقًّا لا أدري.
ولم تكن تلك الحيرة هي الوحيدة.
‘ظننت أن الأمر سينتهي حين أقرّر بخصوص رئيس الخدم.’
لكنّني كنتُ متسرّعة في الحكم.
فبعد أيامٍ قليلة من تلقي دعوته، قابلتُ مرشّحين آخرين لدور “الأب”،
وسمعتُ منهم الكلام نفسه بالضبط.
‘ما رأيك أن نقضي نهاية العام معًا؟’
‘أودّ على الأقل أن أتناول العشاء مع ابنتي في تلك الليلة. ما رأيك؟’
كيف يمكن أن تتزامن لقاءات كهذه بدقّة؟
‘هل هذا أيضًا جزء من تطوّر القصة الأصلي؟’
الأشخاص الذين يجب أن ألتقيهم… لا مفرّ من لقائهم.
“إذن، مع من ستقضين نهاية العام هذه المرّة؟”
سألني يوت وهو يخلع نظارته، ويدلك ما بين حاجبيه.
وبين أصابعه ظهر خال صغير أسفل عينه، بدا واضحًا.
“من سيشاركك نهاية العام… قد تكون حلقةً محورية بحدّ ذاتها، لكن المهم في النهاية هو رأيك أنت.”
“وماذا عنك؟ ماذا ستفعل؟”
“سأبقى هنا. لا مكان محدّد أذهب إليه.”
كان جوابه جافًّا، كأنّه لم يفكّر بغير هذا الاحتمال أصلًا.
عيناه، المكسوتان بلونٍ يشبه غابةً رطبة، ظلّتا هادئتين كما اعتدتُ دائمًا.
في سيلسين، يُقضى آخر العام في دفء المنزل برفقة أقرب الناس.
لمستُ إطار نظّارته الملقاة فوق المكتب بأطراف أصابعي، ثمّ قلتُ بهدوء:
“يوت.”
“همم؟”
“ما رأيك أن نقضي هذه الإجازة في منزلي؟”
“……هاه؟”
“لنقضِها معًا في بيتي.”
—
“هذه أوّل مرّةٍ لك في الجنوب، أليس كذلك؟”
“أجل. أشمّ رائحة الملح منذ الآن.”
ما إن نزلنا من القطار حتى لفحنا نسيم البحر المشبع بالملوحة.
“هذا المكان مزدحم دائمًا. إن لم ننتبه، سنضيع وسط الناس.”
أمسكتُ معصم يوت وسحبته بخفّة عبر الحشود.
لم يتغيّر مسقط رأسي كثيرًا منذ آخر زيارة.
“أمّي!”
“نيتي!”
ما إن التقت عيوننا أمام الحديقة حتى هرعت نحوي ثلاث خطواتٍ سريعة، لتطوّقني بذراعيها.
“ابنتي الحبيبة، عدتِ أخيرًا.”
كانت هذه أوّل مرّة نلتقي فيها منذ تسريحي من الخدمة.
ظللتُ بين ذراعيها حتى كدتُ أختنق، ثمّ تراجعتُ ببطء.
“أمّي، هذا صديقي يوت.”
“تشرفتُ بلقائكِ يا خالة، أنا يوت بيلفيت.”
“أن تأتي بابنتي ومعها صديق؟ يا للعجب.”
دخلنا المنزل مرورًا بالحديقة التي تفيض بالزهور المتجاورة.
وكان البيت دافئًا كما هو دائمًا منذ أن سُدِّد الدَّين بالكامل.
“أمّي، اشترينا بعض الحاجات من السوق.”
“كل هذا؟ ومن سيأكل كل هذه الكمية؟”
‘من سيأكل؟’ يا لسخريّة السؤال.
لم أجب، بل انشغلتُ بإعداد العشاء، بينما كانت أمي تضحك قائلةً إنّ يدي أصبحتا كيدَي ربّة قصرٍ كبيرة بعد عملي هناك.
“حسنًا حسنًا، سنأكل اليوم، وما يتبقّى نكمله غدًا وبعده. تفضّل يا صديق ابنتي، كُل.”
“شكرًا جزيلًا.”
دفأ الحساء الساخن تسلّل ببطء إلى أجسادنا. شعرتُ بأنّ اللحظة مناسبة بما يكفي.
فتحتُ الحديث قائلة:
“أمي، لديكِ شيءٌ تودّين قوله لي، أليس كذلك؟”
“هاه؟”
“عن… أبي.”
“أه، ذلك يعني… ولماذا تسألين عن هذا ونحن على المائدة؟”
“قلتِ إنّك ستخبرينني، لكنّك لم تفعلي. أريد أن أسمع الحقيقة.”
“همم، هذه قصّة طويلةٌ وقصيرةٌ في آنٍ واحد…”
“لدينا متّسع من الوقت.”
“يا لكِ من فتاة، وهناك ضيف بيننا أيضًا.”
“يوت يعرف كل شيء.”
“إن كنتُ أسبّب حرجًا، يمكنني أن أترككما.”
سحبتُ ذراع يوت قبل أن ينهض حقًّا.
ساد الصمت طويلًا. انتظرتُ.
ثمّ ابتسمت أمّي، مبدّلةً الموضوع تمامًا:
“على كل حال، يوت، هل رأيتَ الأزهار في الحديقة؟ يا لها من روعة، تنمو بسرعةٍ مذهلة!”
‘تغيير موضوعٍ غير متوقّع تمامًا.’
“قبل مدّةٍ قصيرةٍ التقطت مجلّةٌ صورًا لها. قال بعض الناس إنهم يريدون شراءها مع المنزل!”
“أمّي، الشتلات التي في الحديقة، يوت هو من أعطاني إياها.”
“حقًا؟ على أيّ حال، إنها أزهارٌ غريبة. ألوانها تختلف من البرعم إلى التفتّح إلى الذبول. تخيّلي، حتى وهي تذبل…!”
تبادلتُ النظرات مع يوت ببطء.
‘كنت أعلم أنّ هذا سيحدث.’
كانت على الأقل أقلّ تظاهرًا باللامبالاة من ذي قبل، وهذا يُعدّ تقدّمًا.
لكنّها ما زالت، كعادتها، تتجنّب الحديث عن “الأب” — أو بالأحرى “الآباء”.
‘لا بأس. لم يَعُد الأمر يهمّني.’
لأنّ…
طرقٌ متتابع دوّى عند الباب.
توقّفت أمّي عن حديثها المبعثر، وأشرقت ملامحها وهي تهرع نحو المدخل.
“نعم، أنا قادمة! من الطارق…؟ أأنتم… كلكم هنا؟ كيف…؟!”
إن لم تكن لديها نيةٌ للكلام، فسنُجبرها على ذلك.
ابتسمتُ بلطفٍ وأنا أتقدّم خطوةً نحو الزائرين.
“شكرًا لحضوركم جميعًا.”
التعليقات لهذا الفصل "101"