أشعر بقلق شديد حيال تعابير وجهي البلهاء التي أرتسمت عليّ الآن.
عادت عينا “روبيلوس” الأرجوانيتان الداكنتان لتتقوسا بلطف. ولكن مهلاً، لماذا.. لماذا يبتسم لي بهذه الرقة؟
على حد علمي، كان وجهه يتصلب ببرود دائماً بمجرد رؤيتي. وبالحديث عن ذلك، يبدو أنه لا يتوقف عن الابتسام منذ قليل. ربما هو سعيد لأنه اليوم الذي سيصبح فيه إمبراطوراً.
“هل فهمتِ ما أعنيه يا آيرا؟”
‘في الحقيقة لا أفهم……’
رمشتُ بعينيّ مرة أخرى، حينها أمال رأسه جهة اليسار وظل يحدق في عينيّ بهدوء.
ثم، حرك شفتيه الجذابتين مجدداً ليتمم حديثه بنبرة خافتة جداً، كأنه يهمس:
“أقصد سري.”
آه.
اتسعت عيناي في تلك اللحظة.
صحيح. أنا أعرف السر الوحيد لسمو الأمير “روبيلوس”.
نظرتُ إلى سواري مرة، ثم نظرتُ إلى وجهه مرة أخرى. إنه السر الذي لم أبح به لأي أحد منذ أن عرفتُه لأول مرة وأنا في الرابعة من عمري.
تلك العينان الأرجوانيتان الجميلتان اللتان تشبهان زهور البنفسج ليستا لون عينيه الحقيقي.
بدقة أكثر، هي عدسات مصنوعة من زجاج رقيق صنعها ساحر. أما لون عيني “روبيلوس” الحقيقي فهو……
أحمر قاني، تماماً مثل حجر “الروبيلايت” المتدلي من معصمي.
“……”
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
شعرتُ أنني استعدتُ قدرتي على الكلام الآن، لكنني لم أرغب في التحدث.
بالطبع، لقد طويتُ صفحة حبي من طرف واحد؛ طويتها منذ زمن بعيد. لا أعني أنني لا أزال أحبه الآن، لكنني فقط أردتُ تأمل وجه سموه الذي أراه هكذا لبرهة أطول.
ألم يمر وقت طويل حقاً منذ أن رأيتُ هذا الوجه؟ كما أنني لا أدري، فقد تكون هذه هي المرة الأخيرة.
فكم مرة سيتسنى لي لقاء إمبراطور البلاد مستقبلاً؟ آه، ولكن لا بد أنني سأراه لمرة واحدة على الأقل.
ربما…… حين يصبح جلالة الملك، ويقيم مراسم زفافه مع امرأة أخرى.
حينها ستعرف تلك المرأة سر “روبيلوس” أيضاً، أليس كذلك؟ وستعتني به من مسافة أقرب بكثير…… شعرتُ بوجع مفاجئ يلوى صدري.
“إذاً، هل فهمتِ الآن؟”
في تلك اللحظة، مدَّ “روبيلوس” يده نحوي بلطف.
هاه؟
نظرتُ إلى اليد الممدودة نحوي بذهول.
هل غاب عني شيء بينما كنتُ غارقة في أفكاري؟ عماذا يسألني “روبيلوس” إن كنتُ قد فهمت؟
ولماذا مدَّ يده؟ هل يريدني أن أمسكها؟ ولأي سبب؟ هل هناك داعٍ يجعلني أمسك بيد جلالته؟
أنا لستُ واقعة على الأرض، لذا لم أفهم تماماً لماذا يمد جلالته يده لأمسك بها.
بينما كنتُ أرمش بارتباك وأنا أنظر إلى اليد الممدودة أمامي، ابتسم “روبيلوس” وهو ينظر إليّ.
لم يكن مجرد وهم، بدا لي أن سمو ولي العهد يبتسم لي كثيراً اليوم بشكل استثنائي.
وفي ظل الصمت المحرج الذي خيم بيننا، قطب “روبيلوس” حاجبيه للحظة، لكن ابتسامته ظلت كما هي. واستمر في حديثه وهو لا يزال مبتسماً:
“أسألكِ إن كنتِ قد فهمتِ الآن ما الذي يعنيه ذلك السوار، يا آيرا.”
عن ماذا يتحدث؟
غامت رؤيتي للحظة.
لم أفهم شيئاً مما قاله “روبيلوس”. هل…… هل أنا غبية؟
لكن “روبيلوس” كان يبدو واثقاً تماماً من أنني سأفهم كلامه.
انظروا إلى وجهه المليء بالتوق الخفي. يبدو أن عليّ أن أظهر علامات المفاجأة وأقول: ‘يا إلهي، سمو الأمير روبيلوس……!’ حتى لو لم أكن أفهم شيئاً.
لكنني حقاً لا أعرف لماذا يجب أن أبدي رد فعل مندهشاً.
ما الذي يعنيه هذا السوار؟
‘أبي، أمي. يمكنكما سحب طلب استرداد الرسوم من السيدة أومايل الذي ذكرتُه سابقاً. يبدو أن السبب هو انخفاض مستوى ذكائي الدراسي فقط.’
حسناً، لقد فهمتُ العلاقة بين سمو الأمير “روبيلوس” وحجر “الروبيلايت”.
هذا السوار يحتوي على حجر “روبيلايت”.
ولكن هذا السوار أعطاني إياه أخي إلفاين هو من أهداه لي.
إذا كان يربط فجأة بين سوار أهداه لي أخي وبين نفسه ويبحث عن معنى لذلك، فكيف يفترض بي أن أتفاعل؟
في تلك اللحظة، تجمد وجه “روبيلوس” الذي كان يبدو متوقعاً لشيء ما، واستحال فجأة إلى تعبير خالٍ من المشاعر. كان وجهاً يشي بأنه أدرك وجود شيء لم يكن يتوقعه.
“آيرا؟”
نادى اسمي بنبرة أكثر حذراً من ذي قبل.
‘آه، لا أريد أن أحبطه. لكنني لا أستطيع الكذب وأنا لا أفهم السبب.’ عضضتُ شفتي مجدداً وأخذتُ نفساً عميقاً.
“…… بخصوص ذلك! …… أنا لا أفهم حقاً.”
يا إلهي، يا له من تعبير ظهر على وجه “روبيلوس” في تلك اللحظة! شحب وجهه تماماً وكأن الدماء قد هربت من جسده بالكامل.
رمش بعينيه للحظة وكأنه يحاول استيعاب الأمر، ثم سأل ببطء:
“…… لا تفهمين؟”
ترددتُ قليلاً ثم رفعتُ السوار أمامه بوجه عابس ليريد بوضوح.
“أنا أعلم أن حجر هذا السوار هو الروبيلايت.”
“صحيح.”
“وأعلم أيضاً أن لون الروبيلايت هو نفس لون عيني سموك. إنه جميل حقاً.”
“هذا صحيح.”
“ولكن هذا السوار، قد أعطاني إياه أخي.”
“…… هاه؟”
في تلك اللحظة، تشوه وجه “روبيلوس” الذي كان يومئ برأسه قبل قليل.
يا إلهي. أصبحت هالة “روبيلوس” مخيفة جداً لدرجة أنني لم أستطع النظر إليه مباشرة.
لم أدرِ أين أوجه بصري. وبعد أن تشتتت نظراتي هنا وهناك، انتهى بي الأمر بخفض رأسي تماماً.
“هذا السوار هو هدية عيد ميلادي، لذا…… سموك، لا، يا من ستصبح جلالة الملك…… سأناديك بسموك فقط. لا أفهم…… لماذا له علاقة بسمو الأمير روبيلوس……”
“……”
“هل تعرف إلفاين؟ إنه أخي…… لا بد أنك رأيته في حفل الترسيم، أليس كذلك؟ لذا……”
لكنني شعرتُ بالأمر حتى وأنا خافضة الرأس. كلما حاولتُ جاهدة أن أشرح بتمتمة، زادت الهالة المنبعثة أمامي حدة.
أنا متأكدة من أن وجه “روبيلوس” الذي ينظر إليّ الآن مشوه كوجه الغول.
“يا إلهي.”
تمتم بصوت منخفض للغاية. ورغم انخفاض صوته، إلا أنه وقع على أذني كأنه الرعد.
لماذا؟
لماذا يتصرف سموه هكذا؟
هل ارتكبتُ خطأً آخر؟
بدأتُ أرمش بجفوني بسرعة وأنا خافضة الرأس.
هذه هي عادتي عندما أرتبك بشدة. لقد انتهى أمري. لو كنتُ أعلم أن هذا سيحدث، لما أتيتُ إلى هنا من الأساس.
بالتفكير في الأمر الآن، لم تكن هذه الغابة العظمى هي المكان الوحيد للتهرب……
“…… أنا آسفة.”
في النهاية، اعتذرتُ له وأنا أحني كتفيّ بإحباط.
في الحقيقة، لا أعرف لماذا يجب عليّ الاعتذار، لكنني لم أرغب في أن يغضب.
قبل ثلاث سنوات، كان دائماً ينظر إليّ بوجه خالٍ من التعبيرات، لكنه اليوم ابتسم لي بشكل طبيعي.
ولم أكن أريد أن أفقد تلك الابتسامة بسبب خطئي.
فجأة، غامت الرؤية أمام عيني.
‘آه، لا. سأبكي.’
تملكني الخوف. إذا بكيتُ هنا، سأبدو حقاً كفتاة طائشة لا تعرف قدر نفسها وتنفجر بالبكاء فحسب.
‘لا، لا تبكي. البكاء ليس جذاباً أبداً. لا يمكنني ترك انطباع باهت هنا. لقد قابلتُه بعد ثلاث سنوات، يجب أن أتصرف بنضج.’
“أنا آسفة يا سموك. أرجوك لا تغضب.”
“آيرا.”
“لقد كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها سموك يبتسم، لذا…… شعرتُ بالارتباك. في العادة، تكون ردود فعلي أفضل من ذلك…… ربما لو كنتُ في حالتي الطبيعية، لكنتُ فهمتُ سبب غضبك الآن.”
ارتجف صوتي في النهاية. أي نضج هذا؟ أنا أعرف أكثر من أي شخص آخر أنني أتحدث بكلام متداخل وطويل بلا داعٍ.
دائماً ما يحدث هذا. لسبب ما، أتحول إلى حمقاء غبية أمام سموه فقط. أنسى الأشياء التي أعرفها يقيناً، وأخطئ في الأمور التي كنتُ متأكدة منها.
بمجرد النظر إلى تعابيره وهو يحدق بي بصمت، أشعر وكأن عقلي قد تم غسله تماماً. ربما هذه هي “الصدمة” بعينها.
“آيرا، الأمر ليس كذلك. لا داعي لاعتذاركِ. لذا، أنا لماذا غضبتُ……”
“لا- لا بأس.”
هززتُ كتفيّ واستنشقتُ الهواء بقوة. كنتُ أحاول يائسة كتم دموعي.
“أنا أفهم حتى دون أن تشرح لي. آه، أظنني أفهم؟ أنا…… سأذهب الآن.”
حتى الكلمات بدت تخرج مني متعثرة ومنكسرة. حاولتُ جاهدة كبح ملامح وجهي التي كادت تنهار.
‘يجب أن أعود لأركل اللحاف الذي اشترته لي الأخت بيآنكا. إنها عبقرية حقاً؛ كيف عرفت أن مثل هذا الموقف سيحدث اليوم وأحضرت لي لحافاً؟ من الآن فصاعداً، سأصدقها حتى لو قالت عن القمح إنه شعير.’
“آيرا.”
حدث ذلك في تلك اللحظة.
أدركتُ أن وجه “روبيلوس” بدأ يظهر في مجال رؤيتي رغم خفضي لرأسي. فتحتُ عينيّ المليئتين بالدموع على وسعهما ونظرتُ إلى سموه.
في البداية، ظننتُ أنني أتوهم. فكيف لسموه، الذي يفوقني طولاً بمراحل، أن ينظر إليّ من الأسفل إلى الأعلى؟
“شهقة.”
مهلاً لحظة.
إن سموه يجثو على ركبة واحدة!
اتسعت عيناي من شدة الذهول. ومن فرط مفاجأتي، نسيتُ كتم بكائي، فسقطت عبرة كبيرة كانت محبوسة في عيني لتستقر على الأرض. ظننتُ أنه حلم، لكنه لم يكن كذلك.
كان يجثو على ركبة واحدة وهو يحدق بي.
وقد جمع ما بين حاجبيه، وأمسك بإحدى يديّ بكلتا يديه وكأنه يتوسل إليّ. كانت نظرة عينيه ناعمة، وحدقتاه الأرجوانيتان المرتجفتان تحملان قدراً هائلاً من الشجن والأسى.
ثم نطق بصوت يفيض بالتحسر:
“آيرا، لا تبكي. أرجوكِ، أنا لا أغضب منكِ.”
‘لا بد أنني جننت.’
حتى إنه يتحدث بنبرة تبدو كالتضرع.
“أرجوكِ.”
‘هل يجدر بي فحص حاسة السمع لدي أولاً؟’ رمشتُ بعينيّ وأنا لا أفهم شيئاً مما يحدث أمامي على الإطلاق.
إن الموقف سريالي تماماً. لم أستطع النطق بكلمة، وظللتُ محدقة في سموه وهو يراقبني. شعرتُ أنني لو تكلمتُ الآن، فسأستيقظ من هذا الحلم فوراً.
‘سموك، هل أنت حقاً سمو الأمير؟’
“سمو…”
“صاحب السمو الملكي، ولي العهد روبيلوس آه دي زاهارد.”
في اللحظة التي كنتُ أفتح فيها فمي لأتحدث، دوت خشخشة قوية من بين الشجيرات. التفتُّ بسرعة نحو مصدر الصوت.
لكن سموه انتصب واقفاً قبل ذلك، ووقف حائلاً أمامي ليحجبني.
“من هناك؟”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"