قطبتُ حاجباي دون شعور مني. هل قدرتي على الاستيعاب ضعيفة إلى هذا الحد؟ لقد كان ما يقوله جلالته منذ قليل غريباً بعض الشيء.
بحديثه ذاك، بدا الأمر وكأنه ليس نادماً على ظهوره في ذلك المكان ومناداتي بخطيبته. وكأنه تعمد تسميتي بالخطيبة لأنه أراد ذلك حقاً…
“جلالتك، بخصوص ذلك الأمر…”
‘ألا يوجد سوء فهم هنا؟ أليس من المفترض تصحيح تلك القصة المتعلقة بالخطيبة أولاً؟’
بمجرد أن فتحتُ فمي لأستفسر، رفع جلالته يده اليمنى بسرعة. كانت إشارة منه بألا أقاطعه. ‘آه، صحيح. لقد قال إنه سيتحدث أولاً’.
أطبقتُ شفتيّ بصمت، لكنني شعرت وكأن عقلي يتضخم من كثرة التفكير، وقلبي على وشك الانفجار. ‘جلالتك، هل تدرك حقاً ما الذي تقوله الآن؟’
نظر جلالته إلى وجهي ثم قال بتعبير جاد مرة أخرى:
“نعم، ذلك الأمر. حقيقة أنني دعوتكِ بخطيبتي.”
“ذلك الأمر…”
“لم يكن كذباً.”
‘ماذا يعني هذا؟’
اتسع فمي من الصدمة، لكن جلالته تابع حديثه بسرعة:
“أريدكِ أن تصبحي خطيبتي. أرغب في اتخاذكِ خطيبة لي، وأريد أن يعرف الجميع ذلك.”
“نـ، نعم؟”
لقد أجبتُ، ثم ذعرتُ من إجابتي. كنت أنوي قول “نعم” كاستفسار، لكن صوتي انكسر من المفاجأة فخرجت صرخة غريبة بدلاً من الكلمة.
لكن يبدو أن جلالته لم يكترث سواء أجبتُ بتلك الصرخة التي تشبه زقزقة طائر غريب أم لا.
انحنى جلالته ببطء ووضع ركبته على الأرض أمامي.
“آيرا ويلدنبيستون، الابنة الثانية لدوقية ويلدنبيستون.”
“…”
“أودُّ منكِ أن تكوني زوجتي الوحيدة.”
“… آه…”
“أريد أن أعدكِ بالزواج. لا أريد أن أترككِ لأي رجل آخر. لم أتمكن من التعبير عن ذلك من قبل فحسب، ويمكنني شرح كل ما مررتِ به…”
بدا وكأن جلالته استمر في الحديث بعدها، لكنني لم أعد أسمع شيئاً. لم يكن بإمكاني السماع أصلاً… كل ما شعرت به هو أن السقف بدأ يدور بي.
“آنسة ويلدنبيستون.”
“…”
“آيرا؟”
حاولتُ استعادة توازني لكنني ترنحت في مكاني. بدا وكأن جلالته يناديني بشيء ما… لا، لم تعد لدي القدرة حتى على الجلوس.
شعرت وكأن القوة تتسرب من جسدي بالكامل. ‘إذا سقطتُ عن الكرسي فسأرتطم بالأرض، أليس كذلك؟’ أغمضت عيني بشدة ثم فتحتهما.
“آيرا، آيرا؟! … يا حراس! … الطبيب! استدعوا طبيب القصر فوراً!”
‘أوه، هذا غريب’. لم تكن الأرض هي ما ارتطمتُ به… بل صدر جلالته. كان يصرخ وهو يضمني بين ذراعيه… وكان قلبه يخفق بسرعة غريبة، تماماً مثل نبضات قلبي قبل قليل.
أغمضتُ عيني ببطء في مكانه.
‘لقد حدث هذا في المرة السابقة أيضاً… أن يغمى عليّ مرتين وأنا التي لم يسبق لي الإغماء قط. أنتِ ضعيفة جداً يا آيرا ويلدنبيستون. لا، هل يمكن أن أكون مصابة بمرض ما؟’
•
في غرفة الاجتماعات الصغيرة الواقعة خلف غرفة الاستقبال مباشرة، والتي لا يدخلها إلا عدد محدود من الأشخاص، كان هناك أربعة أشخاص فقط.
الدوق ويلدنبيستون ودوقة ويلدنبيستون، والكونت سيلام، أحد أطباء القصر، وروبيلوس.
“كيف حالها؟”
عندما سأل روبيلوس، مسح الكونت سيلام، الذي دخل القصر على عجل بعد الساعة الثامنة مساءً، العرق عن جبينه وانحنى احتراماً.
“لا توجد جروح ظاهرة، ومن خلال الفحص لم أجد أي مشاكل معينة. سأحتاج لإحضار المعدات للتأكد من التفاصيل… لكن مبدئياً، وبناءً على فحصي المتواضع، فإن الآنسة ويلدنبيستون بصحة جيدة جداً و…”
“إذاً لماذا فقدت وعيها؟”
عند سؤال روبيلوس الذي قاطع كلماته، عاد الطبيب لمسح العرق المتصبب وانحنى مجدداً.
كان يتصبب عرقاً منذ فترة، ليس لأن الغرفة حارة، بل بسبب هذا الإمبراطور الشاب الذي كانت عيناه تبرقان بحدة أمامه مباشرة.
كانت نبرته وهو يسأل عن حال الآنسة حادة ومستعجلة، وفي كل مرة ينهي فيها الطبيب كلامه، كان الإمبراطور يحدق فيه بشدة وكأنه سيمسكه من ياقته.
‘لقد كنت أظنه شخصاً لا تتغير تعابير وجهه حتى عندما يتم فصصه هو شخصياً…’
“هذا… يبدو أنها فقدت وعيها مؤقتاً بسبب صدمة مفاجئة. حتى الأشخاص الأصحاء قد يغمى عليهم إذا تعرضوا لأمور مفاجئة ومذهلة. في رأيي، بمجرد أن تستعيد وعيها وتحصل على قسط من الراحة والتغذية الجيدة، ستستعيد صحتها كما كانت.”
كان روبيلوس يستمع لحديث الطبيب بتعبير جاد، وبدا غارقاً في تفكيره.
اضطر الطبيب، وهو يراقب تعابير وجهه، للتساؤل عما إذا كانت كلماته قد وصلت بشكل صحيح. لقد قال بوضوح إن ابنة عائلة ويلدنبيستون بصحة جيدة، لكن وجه روبيلوس لم يظهر عليه أي تحسن.
وبينما كان الطبيب يراقب الوضع بتوتر شديد، سأل روبيلوس:
“ألا تحتاج لتناول أي دواء محدد؟”
“سأقدم بعض الأدوية المركبة التي تساعد على استعادة الحيوية.”
“فهمت.”
عندها فقط، أطلقت الدوقة ويلدنبيستون تنهيدة بدت وكأنها كانت تحبسها بصعوبة. أومأ روبيلوس برأسه قليلاً ثم أعطى تعليماته بنبرة حازمة:
“عاملوا مرض الآنسة ويلدنبيستون كما لو كنتم تعاملون فرداً من العائلة الإمبراطورية.”
اتسعت عينا الكونت سيلام في تلك اللحظة. معاملتها كفرد من العائلة الإمبراطورية لم تكن تعني فقط تقديم أفضل رعاية طبية لها، بل تعني أيضاً عدم إفشاء أي سر يخصها. ‘ما الذي يحدث هنا بحق السماء؟’
ومع ذلك، انحنى الكونت سيلام مجدداً وانسحب إلى الخلف. وبخلاف نبلاء العاصمة الآخرين، لم يكن بحاجة للانحياز لطرف ما؛ فقد أدرك أن نسيان ما حدث اليوم هو أفضل شيء لمصلحته.
أُغلق الباب الذي خرج منه الطبيب بعناية. وبعد فترة وجيزة، تحدث الدوق ويلدنبيستون، وكان يمسك يد الدوقة بقوة تحت الطاولة.
“جلالتك، هل يمكنني أن أسأل عما حدث لآيرا؟”
كان وجه الدوق خالياً من التعبير كالعادة، ومع ذلك، شعر روبيلوس باهتزاز طفيف في نبرة صوته. بدا الدوق مشوشاً للغاية.
كان روبيلوس يدرك تماماً سبب حيرة الدوق؛ فحتى هو نفسه لم يتوقع أن يغمى على آيرا في تلك اللحظة.
بدا وكأن الدوق يتساءل عما إذا كان جلالته قد وجه لها كلمات قاسية أو آذاها بفعل ما. لقد كان سوء فهم مروعاً.
أطبق روبيلوس شفتيه بإحكام، ثم هز رأسه بحذر.
“هل ستصدقني يا دوق، إن قلت لك إنه لم يحدث شيء حقاً؟”
“شهقة!”
في تلك اللحظة، انفجرت الدوقة في بكاء مكتوم. سارع الدوق لاحتضان كتفيها، ونظر روبيلوس إليها بدهشة.
“دوقة ويلدنبيستون.”
تحدثت الدوقة وهي تضغط بمنديلها على عينيها:
“جلالتك، أعلم أن ابنتي ارتكبت خطأً كبيراً في اجتماع صباح اليوم… إذا أخبرتنا بنوع العقاب الذي أنزلته بها، فسنحرص كعائلة مخلصة تخدم العائلة الإمبراطورية على تحمل المسؤولية.”
‘قلتُ إنه لم يحدث شيء…’
كتم روبيلوس تنهيدته. بدا أن الدوق والدوقة لا يصدقانه على الإطلاق.
“… دوقة ويلدنبيستون، أرجو أن تتخلي عن سوء الفهم هذا. كيف لي أن أعاقب آيرا…”
توقف روبيلوس عن الكلام عندما تلاقت عيناه مع عيني الدوق. كانت عينا الدوق ثابتتين وهو يراقب روبيلوس بدقة.
في تلك اللحظة، شعر روبيلوس أنه فهم تماماً ما يريد الدوق قوله:
‘لا يعقل أنك فعلت شيئاً لا يمكن النطق به لكي تحبس آيرا في القصر.’
‘لا، مستحيل…’
هل يعقل أن “العقاب” الذي تحدثت عنه الدوقة يتجاوز الكلمات القاسية والأفعال الخشنة ليصل إلى ذلك المعنى…؟
شعر روبيلوس بالذهول، وتحدث بسرعة مجدداً:
“أيها الدوق، وأيتها الدوقة. أقسم باسم هذا الوطن، لم يحدث شيء حقاً. لم ألمس حتى خصلة من شعرها، وعاملتها بكل احترام يليق بسيدة.”
‘بالطبع أمسكتُ بيدها، ولكن…’
بينما كان روبيلوس يقسم بعجالة، رأى علامات الارتياح تظهر فجأة على وجه الدوقة الباكية.
‘يا إلهي، يبدو أنهم كانوا يفكرون في ذلك الأمر حقاً’.
وضع روبيلوس يده على جبهته للحظة ثم أبعدها. لو كان المتحدث أحد الوزراء، لصبَّ جام غضبه عليه وسأله كيف يجرؤ على إهانة العائلة الإمبراطورية بمثل هذه الأفكار الشائنة، لكن الطرف المقابل كان والديّ آيرا. لم يكن يرغب أبداً في إظهار جانب سيئ منه أمامهما.
لحسن الحظ، بدا أن الدوقة قد اطمأنت تماماً بفضل توضيحات روبيلوس المستميتة، فكفكفت دموعها.
ومع ذلك، فإن الدوق الجالس بجانبها لم تسترخِ ملامح وجهه المتصلبة بعد. ‘بالطبع، لقد حان الوقت للانتقال إلى الجزء التالي من القصة’.
“إذاً، لماذا فقدت آيرا وعيها في ذلك المكان؟ جلالتك، أرجو أن تخبرني بالحقيقة.”
“…”
نظر روبيلوس إليه وابتلع تنهيدة خفيفة. ‘لا بد لي من قول ذلك’.
لكن الكلمات كادت لا تخرج من فمه. خفض روبيلوس بصره قليلاً، ومع ذلك، لم يكن بإمكانه إخفاء الأمر إلى الأبد.
كان عليه أن يخبرهما بطريقة ما، حتى وإن لم تكن بصورة صريحة كأن يقول: ‘لقد سمعت ابنتكما عرض زواجي مني، فتصلبت كالحجر ثم سقطت مغشياً عليها’، لكنه كان جزءاً لا بد من توضيحه.
رفع روبيلوس رأسه بثبات، ونظر إلى الزوجين، دوق ودوقة ويلدنبيستون، اللذين يمثلان أحد أركان إمبراطورية زاهارد.
فتح الإمبراطور الشاب، الذكي والوسيم، فمه محاولاً أن يبدو واثقاً قدر الإمكان، وقال:
التعليقات لهذا الفصل " 25"