هذه الكلمات قالها لي والدي، دوق ويلدنبيستون، وهو يربت على كتفي في الوقت الذي انغلقتُ فيه على نفسي في المنزل بعد أن تم رفضي، ورفضتُ مقابلة أي شخص.
شخصياً، أعتبرها مقولة مأثورة للغاية. في الواقع، لقد ساعدتني كثيراً في استعادة رُشدي…
“لكن المشكلة هي، أين هو القاع بالنسبة لي بالضبط؟”
وهل سأتمكن من الصعود حقاً؟
استنشقتُ الهواء بأنفي بصوت مسموع.
أنا الآن في القصر الإمبراطوري.
وتحديداً في إحدى غرف الأجنحة الداخلية للقصر. أين كان هذا المكان؟ أعتقد أنه كان بجوار غرفة المرايا في الطابق الثالث.
في الحقيقة، هذه المنطقة قريبة من الأجنحة الخاصة التي لا يحق لغير جلالته دخولها، لذا مهما عثتُ فساداً في القصر الإمبراطوري طوال الاثني عشر عاماً الماضية، لم يكن بإمكاني دخول هذا المكان.
منذ أن اقتادني فرسان الإمبراطور بهدوء إلى هنا قبل قليل، بقيتُ محبوسة في هذه الغرفة.
كان في الغرفة سرير وثير، والكثير من الكتب التي أحبها.
حتى أن هناك مجموعة الدمى ذات الإصدار المحدود للمصمم “فرانسيس”، صانع الدمى في العاصمة، والتي كنتُ مهووسة بها حتى سن السادسة عشرة.
لقد كانت مجموعة لم أتمكن من الحصول عليها… كنتُ قد رميتُ كل دمائي رغبةً مني في أن أبدو ناضجة، لكن برؤيتها الآن شعرتُ بحنين شديد، لدرجة أنني رغبتُ في اللعب بها مجدداً بعد طول انقطاع.
لكنني لم أفقد عقلي تماماً لألمس تلك الأشياء. أنا الآن أدرك واجبي جيداً. فبالنسبة لي، أنا الآن:
“خائنة عظمى على وشك أن تُعدم فوراً بتهمة إهانة الإمبراطور.”
… أليس كذلك؟
آه، مجرد محاولة نطق ذلك بصوت عالٍ جعلت قلبي يتألم أكثر.
نعم، على أي حال، بما أنني ارتكبتُ مثل هذا الجرم، فليس هذا الوقت المناسب للانبهار بهوايات ترفيهية تشبع البطن وتدفئ الظهر.
بل إن الاستلقاء على الأرض الصلبة ومدّ جسدي هكذا لإظهار الندم والتفكر كجانية هو أمر لا يكفي بحد ذاته. تماماً كما أفعل الآن.
آه، أنا هي ‘آيرا’ التي تواجه الأزمة.
استلقيتُ ممدةً وأنا أرمش بعينيّ، ثم وجهتُ نظري مجدداً نحو الرسومات التي تزين السقف.
كان السقف مزيناً بزخارف لولبية ذهبية، مع رسومات رائعة تختصر أساطير إمبراطورية “زاهارد”. ذاك… عقاب… وتلك… أفعى بيضاء… وتلك هي الوحوش السحرية التي استدعتها الأفعى البيضاء… وأولئك هم السحرة الذين هزموا تلك الوحوش… وذاك هو القوة السحرية المتحركة…
“جميل…”
استنشقتُ الهواء بأنفي الذي بدأ يؤلمني.
لا، في الحقيقة، مهما كان الجمال، لم يدخل شيء منه إلى عيني.
امم… لا، بل يجب أن أنظر. تنهدتُ تنهيدة بائسة وتمتمتُ مجدداً:
“دعينا نحفر هذا المنظر في ذاكرتنا جيداً… لأن هذا قد يكون أحد آخر المناظر التي سأراها قبل موتي.”
هذا صحيح. إذاً يجب أن أنظر. بما أنني في ربيع عمري التاسع عشر، وارتكبتُ جريمة نكراء بمخاطبة الإمبراطور بأسلوب غير رسمي والتلفظ بكلمات قاسية، وسأختفي قريباً كقطرة ندى في ساحة الإعدام، فمن الصواب أن أحفظ في عينيّ منظراً واحداً إضافياً على الأقل.
حاولتُ مراقبة السقف ببطء. حسناً، لقد رأيتُ كل شيء بشكل عام. ومع ذلك، فإن رؤية القصر الإمبراطوري قبل الموت هي معاملة فاخرة نوعاً ما. لا بأس بأن أموت هكذا…
لا، انتظروا، بقي شيء واحد.
الوصية.
نهضتُ بتثاقل من وضعي الممدد على الأرض.
“آه… الوصية… يجب أن أكتب الوصية.”
بالتأكيد، يجب كتابة الوصية. كم ستتفاجأ عائلتي في المنزل. طبعاً، إذا تركتها هكذا، فمن المؤكد أن صحفاً مثل “باسيفيك تايمز” ستسرقها وتنشرها تحت عنوان ‘سبق صحفي صادم! وصية آيرا ويلدنبيستون، الفتاة التي تفوهت بكلمات قاسية للإمبراطور!’.
اقتربتُ من طاولة الضيافة حيث وُضعت قطع الكوكيز والكعك بشكل جميل. آه، لقد لاحظتها سابقاً وهي موجودة بالفعل؛ الورقة والقلم موضوعان هناك بهدوء.
هل يسمح لي باستخدام هذا؟
بما أن هناك ورقاً وقلماً، فلا بد أنهم سيسمحون لي بكتابة وصيتي.
“سيسمحون لي بذلك.”
أومأتُ برأسي وجلستُ إلى الطاولة.
كان هناك سبب جعلني أؤمن بقدرتي على ترك وصية على الأقل.
لأن المعاملة التي تلقيتها بعد حبسي في هذه الغرفة كانت لطيفة وإنسانية إلى حد ما.
لا، لنكن صريحين ونتحدث بصراحة.
أنا أعرف ما فعلتُه. حقاً لا أريد قول ذلك، لكنني اقتحمتُ اجتماعاً رسمياً جارياً وكصبتُ وابلاً من الكلمات القاسية على جلالة الإمبراطور.
لا أتذكر بالضبط ماذا قلتُ. على أي حال، بما أنني قلتُ مثل تلك الكلمات لجلالته، الشخص الذي يعلو الجميع في هذا البلد، فأنا بالتأكيد مجرمة خطيرة.
وحتى لو كنتُ من النبلاء، فإن المجرم الخطير يجب أن يُحبس في مكان مثل زنزانة انفرادية خالية من كل شيء، ويُجرد من ممتلكاته وينتظر الحكم فقط.
ولكن، طوال فترة نقلي إلى هذه الغرفة، كان تعامل الفرسان مهذباً للغاية.
وحتى بعد حبسي هنا، بدأت خادمات القصر الإمبراطوري بالإيماء لي بعلامات التعارف، وبدأن مع الوصيفات في تزييني.
غسلن وجهي وجسدي اللذين كانا مغطيين بالأتربة وممتلئين بالعرق والدموع، وألبسنني ثياباً جميلة، بل ووضعن على جسدي حلياً شعرتُ بأنها ثمينة جداً.
وليس هذا فحسب. إذا تحدثنا عن هذا الثوب الذي أرتديه…
كان الثوب عبارة عن رداء أبيض من الحرير الناعم مع دانتيل يغطي الكتفين بالكامل، وتصميم بسيط وجميل.
لقد كان فستاناً رائعاً بحق. كنتُ أظن أنني ابنة عائلة لا تبخل بالمال على الملابس، لكنني لم أرَ قط مثل هذا الدانتيل الخفيف والجميل كأجنحة الفراشات.
كم من المال يجب دفعه مقابل شيء كهذا؟
‘هل من الممكن أن يكون هذا كفناً؟’
يقولون إن المحكوم عليه بالإعدام يُسمح له بتناول وجبة أخيرة كما يشتهي، فهل هذا هو المقابل هنا؟ هل يُعامل من سيُعدمون فوراً بمثل هذا الكرم عادةً؟
بينما كنتُ أضع الورقة فوق حامل الكتب وأمسك القلم غارقة في أفكاري، سمعتُ فجأة ضحكة خافتة من جهة الباب.
“هذا مستحيل.”
“… هه!”
التفتُّ لا إرادياً لتقع عيناي على شخص ما. إنه جلالته!
كان جلالته يستند إلى إطار الباب واضعاً معطفه على كتفيه فقط، وعاقداً ذراعيه.
حقاً، وجهه وسيم بشكل لا يتغير. أعتقد أنه بوجود وجه جلالة الإمبراطور، لن تكون هناك مشكلة في سلام هذا البلد.
ولكن، منذ متى وهو واقف هناك؟ لقد كان يظهر ويختفي فجأة حقاً. الآن بعد أن فكرتُ في الأمر، يبدو أنه ظهر بهذه الطريقة أيضاً عندما التقينا في الغابة العظيمة…
“قبل قليل كنتِ تشتمين، والآن لا تلتزمين حتى بآداب اللياقة.”
“… متى شتمتُ جلالتك؟ ابنة عائلة ويلدنبيستون تحيي جلالتك.”
رددتُ بحدة رغم ارتباكي، وفي الوقت نفسه نهضتُ من الكرسي بشكل طبيعي وحنيتُ إحدى ساقي للخلف لأحييه.
كانت تحية طبيعية جداً، كما لو كنتُ أنوي التحية حتى لو لم يقل جلالته شيئاً. طبعاً، كان من المشكوك فيه ما إذا كانت نيتي ستصل إليه…
“بالنسبة لشخص تذكر فجأة أنه يجب أن يحيي، كانت التحية طبيعية جداً، حقاً. لا بأس، عودي للجلوس براحة.”
‘… لم تنطلِ عليه الحيلة إذاً.’
لم أستطع إخفاء تعابير وجهي المنزعجة، وجلستُ على الكرسي بحذر. اقترب جلالته بخطوات واسعة وجلس على الكرسي المقابل لي.
“لم تلمسي هذه الأشياء، رغم أنها كانت من الأشياء التي تحبينها.”
“مجموعة فرانسيس؟ بلى، كانت كذلك. … هل سبق وقلتُ لك ذلك؟”
“امم.”
في تلك اللحظة، لم يجب رويبلوس، وبدلاً من ذلك أخذ حامل الكتب الذي كنتُ أمسكه بتعبير غير راضٍ.
“‘وصية‘؟”
يبدو أنه رأى الكلمتين اللتين كتبتهما. فجأة، ظهرت قطبة بين حاجبي رويبلوس.
“لماذا تكتبين وصية؟”
“لقد ارتكبتُ جرماً يستحق الموت… ناديتُ جلالتك بـ أنتَ. لقد كان ذلك احتجاجاً خاطرتُ فيه بحياتي. كل ما أتمناه هو ألا يتضرر اسم عائلتي أو أهلي.”
“…….”
نظر إليّ جلالته بصمت. عيناه اللتان كانتا تلمعان بالمرح أصبحتا الآن جادتين. ثم فجأة، بدأ بنزع وصيتي المثبتة على حامل الكتب وتمزيقها إرباً.
“… إذا ارتكبتِ جرماً يستحق الموت، فعليكِ طلب العفو، لماذا تكتبين وصية؟”
“كنتُ أنوي طلب العفو بموتي.”
“…….”
ازداد وجه جلالته قتامة.
… هل من الممكن ألا أحصل على العفو حتى لو متُّ؟ أدركتُ حينها مدى خطورة الموقف.
“جلالتك، هل يُمنع عليّ حتى كتابة وصية؟ هل سأذهب إلى السجن تحت الأرض مباشرة؟”
“…….”
استمر الصمت فزاد قلقي. جمعتُ يديّ أمامي بأدب وبدأتُ أسأله.
“هل من الممكن أن تتضرر عائلتي بأكملها؟ عادة في مثل هذه الحالات، ألا يكفي أن يتم طردي أنا فقط من العائلة؟ أرجوك قم بتجريدي من لقبي وإنزالي لمرتبة العامة، ولكن أبقِ على عائلتي. في الحقيقة، أنا وحدي من أذنب، فما ذنب عائلتي…؟ آه، عندها سأصبح مجرد ‘آيرا’ فقط، أليس كذلك؟”
تحركت حاجبا جلالته بحدة. ولم يكلف نفسه عناء الرد على ثرثرتي، بل سألني ببطء وهو يعيد سؤالي:
“…… ومن أين عرفتِ أموراً كهذه؟ يبدو أن لديكِ اهتماماً كبيراً بالعقوبات في النظام القضائي لبلدنا.”
“ليس الأمر كذلك، بل قرأته في كتاب. إنها رواية ‘هارلي كوين’ كانت مشهورة قديماً بعنوان ‘كيف تصبحين إمبراطورة متألقة’. هناك، تتعرض البطلة لمثل ذلك التعذيب على يد إمبراطور شرير.”
في تلك اللحظة، لمعت عينا جلالة الإمبراطور فجأة. زفر أنفاسه وكأنه يحاول تمالك مشاعره، ثم سأل ببطء شديد:
“…… ألم يكن الإمبراطور هو البطل؟”
“نعم. البطلة تنتهي بالارتباط بالأخ غير الشقيق للإمبراطور. الإمبراطور كان مبالغاً في أفعاله؛ فقد كان يقسو على البطلة وأخيه ويمارس الاستبداد، ثم مات فجأة بسبب مرضه المزمن وهو ‘ضغط الدم المرتفع’. بعد ذلك، ورث الأخ غير الشقيق العرش، وهكذا أصبحت هي الإمبراطورة. بمناسبة الحديث، أعتقد أن هذا الكتاب كان موجوداً بين تلك الكتب قبل قليل…….”
سحبتُ الكتاب من بين كومة الكتب ومددتُه نحو جلالة رويبلوس. لقد كانت واحدة من مجموعة الروايات الرومانسية التي كنتُ أحبها بشدة في الماضي.
‘نعم، بدأتُ قراءتها معتقدةً أنها كتاب لا بد منه لتعلم كيف أصبح إمبراطورة، لكن في الحقيقة، وكما هو حال كل الروايات الرومانسية، لم تكن ذات فائدة تذكر في علاقتي مع جلالة رويبلوس.’
‘بصراحة، الجزء الذي يموت فيه الإمبراطور بسبب مرض مزمن في هذا الكتاب بدا مفتقراً للحبكة المنطقية.’
‘من وجهة نظري، كان السياق يتدفق بنسبة مئة بالمئة نحو اندلاع تمرد. لكن يبدو أن المؤلف غير المسار لأن كتابة نهاية كهذه صعبة من وجهة نظر مواطن يخدم الأسرة الإمبراطورية.’
“…… أعطني إياه.”
“هل تود قراءته؟”
“لا، لكي أصدر قراراً بمنع نشره فوراً.”
“ماذا؟”
لم أسمع جيداً. سألتُه مجدداً، لكن جلالته لم يجب، بل ظل يحدق في الكتاب الذي قدمتُه له وهو يحرك شفتيه بكلمات غير مسموعة.
‘بدا وكأنه يتمتم بشيء مثل: أحضرتُه لأنهم قالوا إنها تحبه، أو: كنتُ أظن أن البطلة ستنتهي مع الإمبراطور، لكنني لم أكن متأكد.’
التعليقات لهذا الفصل " 22"