تريانا موريلي، والدة ماريا موريلي، كانت واحدة من أوائل السياسيات اللاتي حصلن على حق التصويت في مجلس اللوردات.
“يبدو أن والدتي ذهبت إلى ذلك المنزل وألقت المحاضرات بنفسها. لقد طلبت أجراً مرتفعاً للغاية مقابل المحاضرة، لكنه وافق على الفور واستمع إلى الدروس بحماس شديد. وبما أن والدتي تلقت دعوات عشاء هناك عدة مرات، فهي تعرف أجواء ذلك المنزل. تقول إنهم كانوا رائعين بشكل غير متوقع. حتى أنها رأت كلاً منهما ينحنيان باحترام لزوجة الفيسكونت في كل مرة يحضران فيها درساً.”
هذا غير معقول.
عندما رأت ماريا تعابير وجهي المذعورة، ابتسمت وكأنها توقعت رد فعلي.
“وبالطبع، المال سبب مهم لا يمكن إغفاله. كما تعلمين، الفيسكونت هورتون لديه الكثير من المال لأنه يدير مشاريع ضخمة. أما والدي فقد خسر الكثير من المال بعد أن استثمر في أعمال المصابيح اليدوية التي لم يعد أحد يستخدمها الآن.”
فكت ماريا تقاطع ساقيها ورفعت فنجان الشاي الذي كان يبرد على الطاولة.
“علاوة على ذلك، في ظل حكم الإمبراطور الجديد، لا أحد يعرف كيف ستتغير قوانين الضرائب المتعلقة بالممتلكات والميراث، لذا أصبح شعار عائلتي تجاهي هو: ‘تزوجي واجلبي أموال تلك العائلة!’. أما عائلة هورتون، فهم بطبيعة الحال يطمعون في شرف ومكانة عائلتنا، ويبدو أن والدتي لا تفكر بسوء تجاه عائلة هورتون… وأنا أيضاً.”
ماريا التي كانت ترتشف الشاي، أنهت كلامها بتعبير خجول قليلاً.
“تيموثي شخص جيد. صحيح أن الأمر بدأ كزواج مدبر… لكننا نتواعد بجدية.”
“…”
“هل تودين مقابلته لاحقاً؟ عندما نلتقي نتحدث عنكِ كثيراً. في كل مرة يأتي فيها ذكركِ، يضحك تيموثي قائلاً إن الآنسة ويلدنبيستون هي من غيرت مجرى حياته…”
بمجرد سماع كلام ماريا هذا، بدأتُ بجمع الوسائد من الأريكة الطويلة التي كنت أجلس عليها. اتسعت عينا ماريا وهي تراقب ما أفعله.
“يا إلهي، ماذا تفعلين؟”
“أشعر أنني سأغمى عليّ، لذا أحاول تجهيز مكان مريح مسبقاً.”
بعد أن أجبتها، استلقيتُ بطولي على الأريكة. وضعتُ قدمي فوق كومة الوسائد ونظرتُ إلى ماريا بوجه حازم.
“الآن، يمكنكِ إكمال حديثكِ. أنا مستعدة للإغماء بسلام.”
“يا الهي! حسناً، فهمت، لن أتحدث عن الأمر أكثر من ذلك لذا انهضي!”
صاحت ماريا وهي تحاول منعي.
•
“لا، حقاً، أليس هذا غير معقول؟ ديل، حقاً هذا لا يصدق أبداً.”
في طريق العودة إلى المنزل، كنتُ أتذمر بملء صوتي موجّهةً كلامي لظهر العجوز ديل الذي كان يقود العربة المترنحة.
كان بجانبي أشجار فاكهة كثيفة الأوراق، وبعض المرشات الجديدة، وصناديق خشبية تحتوي على شتلات زهور وأنواع مختلفة من بذور الخضروات.
في العادة، كنتُ سألتزم الصمت لأن العجوز ديل مخيف، لكنني اليوم لم أستطع التحمل.
بمجرد ركوبي العربة، انتقلتُ إلى الجزء الأمامي حيث يظهر العجوز ديل وجلستُ القرفصاء أمامه، ممسكةً بقوة بحافة العربة بكلتا يدي، وسردتُ عليه كل ما حدث اليوم بسرعة فائقة. شعرتُ أنني سأنفجر إن لم أفعل ذلك!
“كيف يمكنني إزالة الغشاوة عن عيني ماريا؟ كيف يمكن لمتسكع كهذا أن يقع في حب ماريا الخاصة بنا؟ ألا يقولون إن الكتاب يُعرف من عنوانه؟ عائلة هورتون لا تناسب مستوى ماريا أبداً، ماريا غالية جداً!”
“أليس من الممكن أنكِ مخطئة في ذلك؟”
فجأة، أجاب العجوز ديل بصوته الخشن والمنخفض الذي يشبه احتكاك ورق الصنفرة. يا للروعة، لم أتوقع منه رداً. ظننتُ أنه سيقول لي ‘اخرسي’ أو يرمقني بنظرة حادة على الأقل.
“أقصد مسألة المستويات. ألم تقولي إنكِ لم تري الآنسة موريلي وابن عائلة هورتون واقفين معاً قط؟”
“لكن الأمر واضح بمجرد النظر!”
“لا يوجد شيء يُعرف بمجرد النظر يا آنستي. فالإنسان لديه جوانب متعددة.”
أبطأ ديل حركة الخيل عند التقاطع الرابع لشارع العاصمة، حيث كانت العربات تصطف في طابور.
رفع فارس المرور التابع لشرطة المدينة علماً أحمر. كان الدور للانعطاف يميناً، وبدأت العربات التي بجانبنا تتحرك ببطء بعد تلقي الإشارة.
استمر ديل في حديثه دون أن يبعد عينيه عن الإشارة.
“… وعليكِ أن تعلمي أيضاً أن للأشخاص الذين يطلقون الأحكام جوانب متنوعة. إذا قمتِ بوعظ شخص ما، فسيقول البعض إنكِ متكبرة، بينما سيقول آخرون إنكِ شخص عادل. ربما رأت آنسة عائلة موريلي جانباً آخر من ابن عائلة هورتون، جانباً غير الذي رأيتِه أنتِ.”
“…”
في تلك اللحظة، انطبق فمي وكأنه قد أُغلق بالغراء.
لقد عجزتُ عن الكلام. هل هذا هو العجوز ديل حقاً؟ لم يسبق له أن تحدث معي بهذا الطول من قبل.
علاوة على ذلك، بدا أن كلامه ليس خاطئاً. بدأتُ أعبث بأصابعي على حافة العربة وأتظاهر بعدم الاهتمام. ‘للناس جوانب أخرى، أنا أعرف ذلك أيضاً.’
“هذا… هذا صحيح. معك حق. تسك…”
وافقتُه الرأي وأنا ألوي شفتي مرتين. في تلك اللحظة، تلاقت عيناي مع عيني العجوز ديل.
بمجرد أن رأى وجهي، أدار رأسه فوراً ونظر للأمام مرة أخرى. ولكن في اللحظة التي أدار فيها رأسه، شعرتُ أن عينيه قد تقوستا قليلاً، وبدا أن كتفيه يهتزان ببطء، وكأنه يحاول كتم ضحكة.
يحاول كتم الضحك… بسببي؟ لم أصدق ما رأيتُه للتو، فملتُ بجسدي خارج العربة لأراقب وجه العجوز ديل من زوايا مختلفة.
لكنه ظل ينظر للأمام بتعبيرات جامدة وكأنه لم يهتز قط.
“آنستي! هذا خطر!”
بل إنه صرخ بي بصرامة.
عدتُ سريعاً لوضعيتي السابقة وأنا أميل برأسي تساؤلاً. ‘أوه… أليس كذلك؟ هل توهمت؟ لا بد أنني توهمت.’ قررتُ العودة لحديثي السابق.
“… ولكن يا ديل، حتى لو كان للإنسان جانب آخر، فما هو الجانب الذي رأته ماريا في تيموثي؟”
“كيف لي أن أشرح أمراً كهذا؟ لا أحد يستطيع تفسير تلك اللحظة الخاصة التي يقع فيها اثنان في الحب.”
صاح العجوز ديل بالخيل لتسريع حركتها. بدأت العربة تتحرك، وبما أن الفارس في المقدمة كان يرفع علماً أبيض، فقد حان دورنا للسير للأمام.
بعد عبور التقاطع بسلام، التفت ديل ونظر إليّ وأنا منكمشة في الجزء الخلفي من العربة. نظرت إليّ عيناه البنيتان الداكنتان والمجعدتان بلمحة من اللين.
“أنتِ أيضاً تعرفين لحظة الوقوع في الحب، أليس كذلك؟”
“… صحيح.”
‘رغم أنه حب من طرف واحد.’
“هل يمكنكِ تفسير لماذا وقعتِ في الحب حينها؟”
غرقتُ في التفكير للحظة. هل يمكنني تفسير سبب وقوعي في الحب؟
قطبتُ حاجباي قليلاً. ‘لأن جلالته روبيلوس كان وسيماً؟ لأن جلالته كان لطيفاً في لحظة لقائنا الأولى؟ لأن جلالته شاركني سراً؟ لأنه مزح معي بشأن الزواج؟’
… مم، لا. تلك كانت مجرد شظايا من صورته جمعتُها لأتذكره بها.
لو كان شخص وسيم آخر قد عاملني بلطف، وشاركني سراً، ومزح معي بشأن الزواج، فلا أعتقد أنني كنت سأحب ذلك الشخص بدلاً من روبيلوس.
“لا يمكنني تفسير ذلك جيداً.”
عند اعترافي الصادق، نظر العجوز ديل إليّ مرة أخرى.
“آنسة موريلي ستكون كذلك أيضاً. إذا كان هذا حالكِ وأنتِ تحبين بمفردكِ، فما بالكِ بآنسة موريلي.”
جملة ‘تحبين بمفردكِ’ كانت مؤلمة بعض الشيء، لكنني قررتُ تجاوزها. لقد كانت حقيقة على أي حال.
مرت ثلاث سنوات بالفعل، فما الفائدة من الحساسية الآن ومجادلته بقول: ‘ماذا تقصد بأنني أحببت بمفردي! هل تستهين بحبي؟’.
لقد تعلمتُ من تجربتي أن الحب من طرف واحد يُستهان به بطبيعته. فالمشاعر الثمينة هي ثمينة بالنسبة لي أنا فقط، أما الشخص الذي يتلقاها فهو لا يريدها.
تسلل الفضول إلى ذهني فجأة. إذاً، ما هي ‘تلك اللحظة الخاصة التي يقع فيها اثنان في الحب’ التي يتحدث عنها العجوز؟
كيف يكون الشعور عندما يقع شخصان في حب بعضهما البعض، حين يعبر كل منهما عن مشاعره للآخر ويجد الصدى والقبول؟ هل هو أمر بهذا الحجم؟ هل هو بهذا الجمال؟ هل هو بهذه العذوبة؟ هل حقاً تختفي كل العيوب والطباع الغريبة في نظر الحبيب؟
“كيف كان الأمر معك أيها العجوز؟”
“معي أنا؟”
“نعم. عندما وقعت في الحب مع مارثا، كيف كان شعورك؟”
كانت مارثا زوجة ديل. كان ديل يعمل بستانياً، بينما كانت مارثا خياطة. كلاهما كانا يعملان في الأصل في عزبة والدي، ثم انتقلا إلى قصر الدوق في العاصمة عندما ولدتُ أنا، وعاشا معنا في القصر منذ ذلك الحين.
وقبل أربع سنوات، فارقت مارثا الحياة بسبب مرض مزمن كانت تعاني منه. أتذكر أن العجوز ديل كان رجلاً صارماً للغاية وحاد الطباع، بينما كانت مارثا دائماً دافئة ولطيفة.
“…”
فجأة، أطبق ديل فمه بإحكام.
‘شهقة. ربما زلّ لساني وأخطأت في الكلام.’ وضعت يديّ على فمي لأغطيه.
أنا أعلم جيداً أن علاقتهما كانت وطيدة جداً. ربما لم ينسَ مارثا بعد، وقد أكون قد نبشت جراحه دون قصد.
ماذا أفعل؟ هل أعتذر؟
في تلك اللحظة التي كنت فيها مترددة، تباطأت سرعة الخيل، وفتح ديل فمه ليتحدث.
“إنه ببساطة… شعور جيد.”
“…!”
اتسعت عيناي، وواصل العجوز ديل حديثه ببطء.
“إنه شعور جيد فحسب. تشعرين بنوع من اليقين المبهم بأن هذا الشخص سيفهم الأجزاء التي لم تنطقي بها، وتشعرين بالطمأنينة لأن هذا الشخص سيكون في صفكِ مهما حدث. يا ليت هناك كلمة يمكنها وصف ذلك المزيج بين رفرفة القلب وبين الشعور بالاستقرار، وكأنكِ تقولين لنفسكِ: ‘آه، أخيراً وجدتُ مكاني’.”
ظللتُ أنظر إلى ظهره بذهول لفترة من الوقت. كان صوت ديل وهو يستحضر ذكرى زوجته لبرهة ناعماً جداً، وبدا هشاً بشكل ما. كنت أظنه دائماً رجلاً قوياً لا يتزعزع.
شعرتُ بالشفقة تجاه ديل، وبنوع من الاعتذار، لكنني في الوقت نفسه شعرتُ بالغيرة منه. فديل قد جرب ذلك بالفعل. لقد اتخذ الحب مكانه في حياته سابقاً.
وبالنظر حولي، لم أجد سوى علاقات مبنية على الحب المتبادل؛ أمي وأبي كانا كذلك، والأخت بيانكا وزوجها أيضاً. ديل ومارثا، والآن ماريا تقول إنها كذلك…
في تلك اللحظة، خطرت لي فكرة.
‘في السابق، كنت أصلي لأتمكن من عيش ذلك الحب مع جلالة روبيلوس.’
‘لكن، ماذا لو كان قدري في مكان آخر حقاً؟ ماذا لو كان الموعد المدبر أحد تلك الطرق؟’
تماماً مثل ماريا، ومثل ذلك الفتى الذي اختارته، هل سأكتشف جانباً جديداً في شخص لم أتوقع منه ذلك أبداً، وأحب بشكل طبيعي، وأُحَب في المقابل؟ هل يمكنني ذلك؟
التعليقات لهذا الفصل " 16"