تردد خلف ظهري صوت بارد وحازم للغاية. “آه، لقد انتهى أمري”. أغمضت عينيّ بقوة ثم فتحتهما، ورسمت على وجهي ابتسامة عريضة مسبقاً أمام ريني قبل أن ألتفت إلى الخلف.
“أمي… أختي.”
كان زوجان من العيون اللامعة يحدقان بي بحدة. بما أنهما تتشابهان كثيراً في الأصل، فإن تحديقهما بنفس التعبير جعل الأمر أكثر رعباً.
“أي يوم هو اليوم حتى تغادري مكانكِ وتتسكعي هكذا بعيداً عن الجميع بلا مبالاة؟ ماذا لو حدث مكروه؟”
تلك الأم التي منحتني ابتسامة حنونة هذا الصباح لم يعد لها أثر. بدلاً من ذلك، كانت تقف أمامي بكبرياء يحيط بجسدها بالكامل، كتافاها مفرودتان بثبات، وعيناها ترمقانني بنظرات حادة. كانت تجسيداً حقيقياً للقب “نموذج السيدة النبيلة”.
“أنا آسفة.”
جمعت يديّ بأدب أمامي، وحاولت جاهدة أن أبدو مطيعة قدر الإمكان. في مثل هذه المواقف، إذا حاولتُ التودد إليها أو التظاهر بالتقرب منها دون إدراك للموقف، سأتعرض لتوبيخ قاصٍ حقاً.
بدأتُ أرمش بعينيّ ببطء وأنا أنظر إلى أمي وأختي. كان هذا سلاحي السري: “وضعية الندم على طريقة آيرا”.
بمجرد أن رأت أمي وجهي، تلينت تعابيرها في لحظة. نظرت إليّ بهدوء وكأنها تقول في سرها: “يا لكِ من كائن لطيف”. وفي تلك اللحظة، فتحت أمي مروحة خشب الصندل التي كانت تمسكها ببطء. سُمع صوت “تشاريك” الناعم وهي تفرد أضلاع المروحة الخشبية.
لوحت أمي بالمروحة لتُرسل نحوي نسيمين من الهواء.
“…آيرا، استعيدي رصانتكِ. هناك الكثير من العيون التي تراقبنا. لا تذهبي إلى أي مكان، ولا تفتحي فمكِ بتهور، وحاولي قدر الإمكان الابتعاد عن أولئك المعروفين بحب القيل والقال.”
بين النسمات الرقيقة، هبط صوت أمي الهادئ في أذني. كانت تحرك شفتيها بأقل قدر ممكن وبصوت منخفض جداً، وهو أسلوب متبع لجعل الآخرين يعجزون عن تخمين فحوى الحديث.
أومأتُ برأسي.
“حاضر.”
عندما أجبتُ بهزة من رأسي، بدت أمي راضية، فثنت حاجبيها قليلاً وطوت المروحة. سُمع صوت “تشاراك” وهي تُغلق تماماً.
وفي تلك اللحظة…
“أوه! يا إلهي! دوقة! يا للسماء! ما هذه المصادفة!”
كان صوتاً حاداً وعالياً يمكن سماعه حتى من مسافة مئة ياردة. صوت مليء بالصخب لدرجة أنه قد يطارد المرء في أحلامه. لقد كانت خزانة أسرار المجتمع المخملي، البارونة سالين.
“واو، كيف تظهر فور انتهاء التحذير من أمثالها مباشرة؟”
قالت الأخت بيانكا بتعبير بدا عليه الضجر، ثم سرعان ما تحكمت في ملامح وجهها. فالسيدة سالين كانت تعتبر الزعيمة النهائية بين محبي القيل والقال.
لدرجة أنه كان يُقال إن كل الشائعات تمر عبر لسان سالين. وبالطبع، قد يظن البعض عند سماع هذا أنها مجرد ثرثارة عادية في المجتمع، لكن السيدة سالين كانت تمتلك شغفاً متقداً لتقصي الحقائق وراء الشائعات التي تسمعها بنفسها. كانت تقضي وقتها بالقرب من الأشخاص المعنيين أو تقوم باستجواب المحيطين بهم لضمان الدقة.
لذلك، كانت الشائعات التي ترويها البارونة سالين تتمتع بمصداقية عالية، وبالرغم من أن الجميع كان يراها مزعجة، إلا أنهم كانوا يصدقون كلامها. ومع تزايد عدد الأشخاص الذين وقعوا في مآزق بسبب الحقائق التي كشفتها، بدأ البارون سالين يحاول منعها علانية، لكنها لم تستسلم أبداً واستمرت في نبش الشائعات.
علاوة على ذلك، كانت تحفظ جداول كافة المناسبات عن ظهر قلب، لدرجة أن صحيفة العاصمة “باسيفيك تايمز” عينتها كمستشارة خاصة للطبقة الراقية. باختصار، كانت هي الشخص الذي لا يجب أن نلتقي به هنا بأي حال من الأحوال.
الشخص الوحيد الذي كان بإمكانه التعامل معها دون تسريب ذرة من المعلومات هو أمي. استقبلت أمي البارونة سالين بوجه مبتسم.
“…سنكمل الحديث عن تصرفكِ في القصر.”
بالطبع، لم تنسَ أن تهمس لي بسرعة من بين أسنانها.
“أجل، حسابكِ لم ينتهِ بعد.”
رمقتني الأخت بيانكا بنظرة حادة دون سبب. تسك، الأخت بيانكا ليست مخيفة على الإطلاق.
بدأتُ أحرك عينيّ يمنة ويسرة. وفي تلك الأثناء، كانت البارونة سالين قد اقتربت منا تماماً. كان وجهها الممتلئ يشع بالبهجة كالعادة، وعيناها الصغيرتان كفتحات الأزرار تلمعان بالحيوية.
عندما وصلت إلى مسافة ثلاث خطوات تقريباً، أظهرت لها أمي ابتسامة ناعمة.
“البارونة سالين.”
“أوه، يا سيدة! هذه سالين تحيي ربة منزل ويلدنبيستون. لقد مرت فترة طويلة حقاً، أليس كذلك؟ …دعيني أرى، منذ زواج الكونتيسة دايم… مرت ثلاث سنوات، أليس كذلك؟”
الكونتيسة دايم هي أختي بيانكا. وبينما كانت البارونة سالين تنطق بكلمة “ثلاث سنوات”، لمحتني بطرف عينها. كان معنى كلامها المبطن هو: “سمعت انكم عزلتم أنفسكم لثلاث سنوات بسبب ابنتك الصغرى؟”.
ارتفع حاجب الأخت بيانكا. كانت نظراتها على وشك أن تصبح شرسة.
لكن أمي تدخلت قبل الأخت بخطوة. ودون أي تغيير في تعابير وجهها، بل بابتسامة مشرقة وكأنها تلقت مديحاً عظيماً، أجابت:
“هل مرت كل هذه المدة؟ ومع ذلك، كنتُ أعتقد أننا كنا نظهر بانتظام في المناسبات الرسمية للإمبراطورية، كما نفعل اليوم. على أي حال، كنتُ واثقة أن السيدة سالين ستغط في نوم عميق اليوم بالتأكيد.”
بينما كانت أمي تتحدث برقي وهي تلوح بمروحتها، لم تُفوت الأخت بيانكا الفرصة، فأرخت ملامحها وسرعان ما أطلقت ضحكة خفيفة “هيهي”. كانت الأخت تبتسم بالتأكيد، لكنني شعرت بهالة من الرغبة في القتل تنبعث منها.
في العادة، كنتُ سأبدو محتارة مثل ريني تماماً، لكنني الآن أدركت ما كانت ترمي إليه أمي. تذكرتُ ما قاله الأخ إلفاين عندما التقيت بسمو ولي العهد قبل قليل.
قال الأخ إلفاين إن المجتمعين الآن هم فقط الموظفون المدنيون والعسكريون من الدرجة الثانية في القصر الإمبراطوري. أي أن أمي كانت تطرد البارونة سالين بطريقة غير مباشرة، مشيرة إلى أنها ليست من الطبقة التي يُفترض تواجدها هنا مبكراً.
بمعنى آخر: “لماذا أتيتِ إلى هنا وأنتِ لستِ من هذا المستوى؟”.
في تلك اللحظة، خُيل إليّ أن صواعق من البرق تضرب خلف أمي والبارونة سالين. تبادلتُ أنا وريني النظرات بصمت. رمشت ريني بعينيها.
*أعتقد أنني لن أتمكن من فعل شيء كهذا حتى لو مت.*
*ولا أنا.*
بينما كنا نتواصل روحياً مرة أخرى…
“هوهو، كيف لي أن أتأخر عن مثل هذه المناسبة المشرفة؟”
أجبت البارونة سالين بتظاهر بالهدوء بعدما بدت وكأنها ارتبكت للحظة. حقاً، كانت تستحق سمعتها. لا، بل بدت لي أقوى بكثير مما رأيتها عليه في السابق.
لكنها لم تجد رداً تهاجم به أمي بعد ذلك. كانت تلك اللحظة التي فُصل فيها بين المنتصر والمهزوم.
“إنها بالفعل مناسبة مشرفة.”
ابتسمت أمي بنعومة مرة أخرى. لكن في عينيّ، كانت تبدو كالنمر الذي يمسك برقبة دمية دب ويحدق في هذا الاتجاه.
*يا له من أمر يدعو للإعجاب… كم سيستغرقني من الوقت لأصبح مثل أمي؟*
“على فكرة!”
فجأة، بدأت البارونة سالين تلوح بيديها وتثير الضجة مجدداً.
“بالمناسبة، هل سمعتِ يا سيدة؟ ابنة البارون نيمار ستتزوج من ابن عائلة الكونت توهوفن!”
في تلك اللحظة، شعرتُ أن ابتسامة أمي قد اضطربت قليلاً.
“…زواج؟”
“نعم. كما تعلمين يا سيدة، ستتغير أمور كثيرة بسبب حفل التتويج اليوم، أليس كذلك؟ ويقولون إنهم سيعقدون القران الآن مسبقاً، خوفاً من أن يضيع عليهم الوقت بسبب انشغال الجميع بزواج الإمبراطور الجديد المستقبلي.”
“….”
من دون أن أشعر، بدأتُ أحرك عينيّ بعيداً متظاهرة بعدم الاهتمام. عرفتُ تماماً لماذا فتحت البارونة سالين هذا الموضوع.
في الحقيقة، أنا أعرف ابنة البارون نيمار قليلاً. فهي في نفس عمري، وقد بدأنا ظهورنا الاجتماعي في نفس الحفل. بمجرد أن تذكرتُ حفل الترسيم ذاك، قبضتُ على يديّ بقوة دون وعي.
“أن يلتقيا في حفل الترسيم وينتهي الأمر بالزواج، أليس هذا مثالاً نموذجياً رائعاً للارتباط بين العائلات النبيلة لم نره منذ زمن طويل؟”
“….”
ظلت أمي دون تغيير في تعابير وجهها، تلوح بالمروحة نحوه نفسها برقة. ومرة أخرى، تداخلت خلف ظهرها صورة النمر الذي تلقى ضربة من دمية دب وهو يهز رأسه… لكن، لابد أنه مجرد وهم.
“بما أنه ارتباط بين عائلتين، ولأن الكونت والبارون لا يمكنهما الاستمرار في خدمة الدولة إلى الأبد، فمن الأفضل إنهاء هذه الأمور بسرعة حتى لا يحدث أي خلل مستقبلاً، أليس كذلك؟ العروس في التاسعة عشرة من عمرها، وهو عمر مثالي جداً، أليس كذلك؟ هم أيضاً قالوا ذلك. هوهوهو!”
الآن، أصبحت المعاني تترجم في ذهني تلقائياً وتصلني بوضوح؛ لا بد أن مغزى كلامها كان كالتالي:
“ابنتكِ الصغرى، ماذا كانت تفعل حتى الآن؟ لقد أضاعت العرسان المناسبين وفاتتها سن الزواج.”
استنشقت أمي نفساً عميقاً للحظة. وعندما أدركت البارونة سالين أن هجومها قد أصاب هدفه، لمعت عيناها الصغيرتان ببريق من البهجة.
وفي الوقت ذاته، قامت هي الأخرى بفتح مروحتها بحركة استعراضية صاخبة، وكأنها تتباهى بامتلاك واحدة أيضاً، ثم وضعتها عند ذقنها وبدأت تهزها قائلة:
“بالنسبة للأبناء الذين لن يرثوا شؤون العائلة، أليست سن التاسعة عشرة هي الوقت المثالي تماماً؟ على أي حال، هل ستأتون، أقصد إلى حفل الزفاف؟”
في تلك اللحظة، وجدتُ نفسي أراقب خلسة وبحذر ردود فعل الأخت بيانكا وأمي. حتى أنا، التي لا أفقه الكثير في أساليب الحوار داخل المجتمع المخملي، استطعتُ فهم ما يدور.
حينها، فتحت أمي مروحة خشب الصندل مرة أخرى بزهو أمام الجميع وقالت:
“…لستُ متأكدة تماماً بعد؟ أعتقد أنني سأعرف الإجابة بعد رؤية بطاقة الدعوة. أليس كذلك يا بارونة؟ أنتِ أيضاً لا تقررين إلا بعد تلقي الدعوة.”
بمجرد سماع رد أمي، التوت ملامح وجه البارونة سالين بشكل مزرٍ.
كان معنى كلمات أمي واضحاً وضوح الشمس:
“تحدثي عندما تصلكِ بطاقة الدعوة أولاً، هذا إن كنتِ ستحصلين عليها أصلاً. فإذا ذهبتِ أنتِ، فلن أذهب أنا.”
وأمام البارونة التي لم تعد قادرة حتى على التصنع بالابتسام، نظرت أمي مباشرة في عينيها وهي تبتسم.
لكن عيني أمي لم تكن تبتسمان أبداً، وكان منظرها مهيباً لدرجة جعلتنا نحن، بل وكل من كان يتلصص علينا من حولنا، نحبس أنفاسنا من الرهبة.
على الرغم من أن السيدة سالين شخصية بغيضة ولسانها متهور، إلا أن رؤيتها وهي تواجه نظرات أمي وجهاً لوجه جعلتني أشعر بالشفقة تجاهها رغماً عني.
كانت هذه النتيجة قاضية بالنسبة للبارونة سالين. فأمي الآن كانت تقارن علانية وبوضوح بين مستواها الاجتماعي ومستوى البارونة.
صحيح أن الخيار سيعود للعائلات التي ستقيم حفل الزفاف، لكن النتيجة كانت واضحة وضوح النهار مهما حاول المرء قلب الحقائق.
فحتى لو تقاعد والدي الآن، فمن الذي سيختارونه؟ عائلتنا التي تتوارث المجد جيلاً بعد جيل ولا تزال تتمتع بالنفوذ والسطوة، أم العائلة التي تثير المتاعب بنبش الحقائق المزعجة واختلاق الأقاويل؟
هل توجد عائلة واحدة قد تختار الطرف الآخر؟
ومع ذلك، كان رد فعل أمي حاداً للغاية هذه المرة. ففي العادة، نادراً ما تؤدي حروب الأعصاب الكلامية هذه إلى نتائج حاسمة ومنفرة بهذا الشكل. وبسبب ذلك، شعرتُ بالارتباك والقلق أكثر من ذي قبل.
وهكذا، انكمشتُ في مكاني حتى كدتُ أشبه السلحفاة، وبدأتُ أفرك أصابعي ببعضها البعض بتوتر.
التعليقات لهذا الفصل " 10"