3
كانت هويته بوصفه إمبراطورًا تُلزمه بذلك.
أن ينظر إلى الأمور بمنظورٍ أوسع. وأن يعامل ابنةَ الماركيز الحدودي فاليتا، التي تحمي تلك الأرض القاحلة بشقّ الأنفس، بعينٍ من العطف.
لكن ذاته بوصفه رجلًا، تلك التي وجّهت لكمةً إلى فكّ الإمبراطور نفسه.
ما خطب تلك المرأة…؟ أين فقدت حسَّها باللباقة؟!
أرخى كلايدن، من غير وعي، قبضته التي كان قد شدّها، ثم رفع ذراعه فجأة وأشار إلى خزانة الكتب الخلفية،
“باستثناء هذا المكان، كل شيءٍ آخر مسموح.”
فأجابت إميليا بأدب:
“شكرًا لإرشادكم، يا صاحب الجلالة.”
مضت إميليا بخطواتٍ خفيفة، وبدأت تفحص المكتب من الزاوية المقابلة له.
حدّق كلايدن في ظهرها بوجهٍ متصلّب.
كانت تفتح كل درجٍ وكل خزانة بعناية، وتتحقق من محتوياتها. وإذا رأت شيئًا في غير موضعه، بادرت إلى ترتيبه فورًا.
وكما كان حال المزهرية التي كانت تحملها آنذاك، كان جسدها الصغير متوازنًا على نحوٍ لافت. حركاتها حذرة، لكنها سريعة.
ومجرّد مشاهدتها كان يجعل المرء يركّز تلقائيًا.
ولعلّ السبب في أنها لا تُصدر صوتًا حين تتحرّك هو أنها نشأت تجوب غابات الشمال، حيث تظهر الوحوش السحرية.
وإذ راقبها، استحضرت ذاكرته الشمال. كانت حياة نفيه مروّعة، لكنها في الحقيقة كانت حرّة أيضًا.
غير أن كلايدن سرعان ما انتشل نفسه من تلك الذكريات. أطلق زفيرًا خفيفًا وفكّر:
أبناء الشمال هؤلاء…
في تلك اللحظة، كانت إميليا مركّزة فقط على ما يتعيّن عليها فعله.
ناسيةً تمامًا أنها بمفردها معه في مكتب العمل، منشغلةً لا أكثر بتفقّد الأغراض الصغيرة.
أيمكن ذلك حقًا؟
منذ أن بلغ سنّ البلوغ، كان مجرد ظهور وليّ العهد في قاعة الاحتفالات كفيلًا بتحويل الحفل إلى فوضى.
كانت النساء يتعثّرن بأقدامهن، ويتساقط الأزواج الراقصون الواحد تلو الآخر، لأنهن لم يستطعن صرف أنظارهن عن وليّ العهد الذي كان يزداد رجولة يومًا بعد يوم.
كانت النساء أسوأ في إخفاء ذلك، لكن الرجال لم يكونوا مختلفين. فالرجال أيضًا كانوا يرمقونه بنظراتٍ شاردة تجمع بين الإعجاب والغيرة.
كان منذ البداية كالشمس. شمسًا ساطعة يعجز المرء عن التحديق فيها، ومع ذلك لا يملك إلا أن يرفع رأسه نحوها مرارًا.
ومع هذا، ها هي امرأة لا تدرك حتى أن الشمس قد أشرقت أمام عينيها—أليست أشبه بعمياء؟
منذ أن التقت عيناهما بالأمس، كانت إميليا تستفز أعصابه بلا انقطاع.
أيّ جزءٍ في تلك المرأة معطوب…؟
“همف.”
صادف أن إميليا كانت تُغلق درجًا كبيرًا في تلك اللحظة، فلم تسمع زفيره.
فزع كلايدن ومسح صدره بيده، ثم عاد يحدّق فيها.
وعندها، خطر له فجأة خاطر.
ضغينة…؟
عقد كلايدن حاجبيه، وأخذ يسترجع سريعًا ذكريات منفاه.
تلك الحادثة آنذاك. وتلك الواقعة أيضًا. آه، وهناك…
إنها من فاليتا. خلال السنوات الخمس الماضية، لم يكن هناك نقص في الأمور التي لا بدّ أن أسرة فاليتا قد سئمت منه بسببِه.
وكان هذا الإدراك صادمًا له هو أيضًا، إذ لم يسبق له أن جلس يومًا ورتّب أفعاله الماضية ترتيبًا منهجيًا.
تبًّا.
لكن المؤكّد أنها لا تعرفه. كان كلايدن قد التقى بالماركيز وابنه، أما هي فلم تواجهه قط.
إلا إذا كانت قد اختبأت عند الجدول، متخفّية بين نساء الشمال من العامة، تراقبه خلسة!
قبل أن يفرض الماركيز حظرًا صارمًا، كان الجدول القريب من الكوخ الذي أقام فيه يعجّ بنساء مقاطعة فاليتا اللواتي جئن فقط لإلقاء نظرة عليه.
لكن إميليا لم تكن واحدة منهن، وهذا أمرٌ مؤكّد. فلا توجد امرأة في هذا العالم تستطيع أن تنظر إلى جسده العاري وتحتفظ مع ذلك بتلك الملامح اللامبالية.
لا بدّ أنها التقطت حديث رجال عائلتها وهم يسيئون إليه، فبدأت تكرهه—إلى حدٍّ طغى حتى على غرائزها نفسها.
حدّق كلايدن في ظهرها بنظرةٍ ثابتة، وشعورٌ متجدّد بالغبن يتدفّق في صدره.
‘أتكرهني لمجرّد شائعات؟ حتى لو كانت صحيحة، إن كانت امرأةً تنجرف إلى مثل هذا، فسأتراجع أنا أيضًا—عن كلّ ما قلته في حقّك من مديح.’
وفي تلك اللحظة، اقتربت إميليا من خزانة الأدراج الملاصقة للجدار إلى جانب المكتب، فانتفض كلايدن وأدار نظره بعيدًا.
رفع نظره إلى اللوحة الضخمة للإمبراطور المتقاعد المعلّقة على الجدار، ورتّب ملامحه ليحاكي ملامح والده—ملامح حاكمٍ صارمٍ متجرّد.
وفي داخله، كان يتمتم باللعنات بلا توقّف.
بإيقافه موجة الوحوش الشيطانية الأخيرة، كان كلايدن قد غسل أخطاء الماضي. لم تعد الإمبراطورية تتذكّر وليّ العهد الذي قتل وحشًا مقدسًا، بل إمبراطورًا بطلًا لا يُقهر.
ومع ذلك، بدت هذه المرأة وحدها استثناءً—كأنها تتشبّث بصورته الساذجة في الماضي وترفض الاعتراف بما أصبح عليه الآن.
اشتعل الغيظ في صدر كلايدن بلا هوادة.
وأخيرًا، أغلقت إميليا الدرج الأخير وتقدّمت لتقف أمامه.
“إذًا، هل انتهيتِ من الإحاطة بكلّ شيء؟”
“نعم، يا صاحب الجلالة. بفضل الترتيب المنهجي لكبير الخدم، لم يكن الأمر صعبًا.”
حتى في مثل هذا الموقف، لم تنسَ أن تثني على كبير الخدم. ووجد كلايدن حتى هذا القدر من اللباقة مزعجًا.
امرأة بهذه السعة في الصدر… لماذا معي أنا تحديدًا؟
على أيّ حال، كان كلايدن يعلم أن كلامها ليس صحيحًا تمامًا.
أن تُحيط بكلّ شيء بعد تفحّصٍ واحدٍ فقط للمكتب؟ لا بدّ أنها اكتفت بإدراكٍ عام.
وفي اللحظة التي فكّر فيها كلايدن: «الآن جاء دوري لأمتحنكِ»، لكنها تحدثت قبل أن يبادر.
“لا ينقص شيء من مستلزمات العمل الإداري، غير أنّ أدوات صيانة سيف جلالتكم غير موجودة. سأصدر التعليمات لتجهيزها على الفور.”
“……”
أطلق كلايدن ضحكةً جوفاء وهو ينظر إلى سيفه الموضوع على المكتب الجانبي.
كان يظنّ أنها لم تلتقط سوى فكرةٍ عامة—فإذا بها تنتبه حتى لما هو مفقود.
وكانت محقّة. فالإمبراطور المتقاعد، بسبب تقدّم السنّ، كان قد ترك السيف منذ سنوات، فتحوّل إلى مجرّد قطعةٍ للزينة على منصّته.
لكن كلايدن كان يحبّ السيف. وعادته في قضاء الوقت ممسكًا بالسيف وحده خلال سنواته في الشمال ستلازمه في ما بعد أيضًا.
ومن الطبيعي أن تكون أدوات صيانة السيف في متناول اليد.
هذا الإحساس الغريب—
كان بلا شكّ شعورًا بتلقّي ضربةٍ أخرى.
حدّق كلايدن طويلًا في وجه إميليا الهادئ.
أن تكون امرأةٌ بهذا القدر من الإزعاج—يا له من أمرٍ لا يُصدّق.
عندها ارتفع نظر إميليا برفق.
كانت عيناها الرماديتان صافيتين إلى حدّ الشفافية، وصوتها الهادئ واضحًا ودقيقًا.
“بما أنّني أنهيتُ التعرّف إلى مواضع الأثاث، فسأركّز من الآن فصاعدًا على جلالتكم.”
“……”
واجه كلايدن نظرتها بثباتٍ دون أن تتغيّر تعابيره.
ثم أصدر أمره بصوتٍ منخفض.
“انصرفي الآن. سأعود أنا أيضًا إلى جناحي.”
“أمرك، يا صاحب الجلالة.”
بعد أن غادرت إميليا، رفع كلايدن يده ببطء إلى صدره.
دقّ—لم يكن يدري لماذا أصدر قلبه ذلك الصوت، ولا لماذا صاحبه ذلك الألم الخافت.
・ 。゚ ✧ : * . ☽ . * : ✧ ゚。 ・
وعلى الرغم من قلق إميليا ومخاوفها، كان أكثر الناس انشغالًا في اليوم التالي هو الإمبراطور.
في الصباح الباكر، حين توجّهت إلى المكتب وقد شدّت عزمها، كان كبير الخدم وكبير الإداريين قد سبقاها إلى هناك.
وحين رأت التعابير المتوتّرة على وجه كبير الإداريين وأكوام الوثائق المتكدّسة على الطاولة، تصلّب وجه إميليا.
يبدو أن كبير الإداريين قد جاء ليقدّم تقريرًا إلى الإمبراطور، لكنّها لم تكن على دراية بإجراءات مثل تلك الاجتماعات.
حينها اقترب منها كبير الخدم وهمس قائلًا:
“قبل أن يبدأ جلالته مباشرة شؤون الحكم، سيتولى كبير الإداريين، كلانيل، على مدى بضعة أيام، إطلاعه على الوضع الأساسي الراهن للإمبراطورية.”
كان وليّ العهد كلايدن قد عاش في المنفى خمس سنوات. وكان من الطبيعي تمامًا أنه، حتى بعد اعتلائه العرش، لا يستطيع أن يتولى شؤون الدولة بسلاسة كاملة بين عشية وضحاها.
ثم همس كبير الخدم بصوت أخفض:
“لن يستغرق الأمر وقتًا طويلًا.”
نظرة ذات مغزى، وإيماءة رأس بطيئة للغاية.
فهمت إميليا على الفور ما الذي يقصده كبير الخدم.
كان المقصود أن الإمبراطور كلايدن ليس من النوع الذي يجلس طويلًا ليستمع إلى دروس مملة.
وحين ألقى كبير الإداريين نظرة جانبية على الاثنين وهما يتهامسان، تظاهر كبير الخدم بأن الأمر لا يعنيه وقال بهدوء:
“إذًا، يرجى تحضير الشاي.”
“نعم. مفهوم.”
في تلك اللحظة، تدخّل كبير الإداريين قائلًا:
“سأكتفي بالماء. ليكن ماءً باردًا.”
وبحلول الوقت الذي أعدّت فيه الشاي والماء البارد وعادت إلى المكتب، ظهر الإمبراطور كلايدن في المكتب بخطوات نشيطة.
وتوجّه مباشرةً إلى كبير الإداريين قائلًا:
“حسنًا، لنبدأ.”
“نعم، جلالتك.”
ردّ كبير الإداريين على الفور، وبسط الخريطة الكبيرة الملفوفة التي كان يحملها فوق مكتب الإمبراطور. لكن أطراف الخريطة بدأت تلتف، مهدِّدة بالانطواء من جديد.
لم يكن على المكتب سوى ثقالتين صغيرتين مخصّصتين للرسائل. فسارع كبير الإداريين إلى وضعهما على الحافة العلوية للخريطة، لكن الورق السميك للخريطة انزلق متجاوزًا الثقالتين وحاول أن يلتف مرة أخرى.
سارعت إميليا إلى إخراج أربع ثقالات كبيرة من درج جانبي في المكتب.
بدا على كبير الخدم، الذي كان على وشك أن يدلّها على مكان الثقالات، شيء من الدهشة، بينما تنفّس كبير الإداريين—الذي كان يتصبّب عرقًا باردًا—بعمق.
وأخيرًا، وهو ينظر إلى الخريطة وقد استقرّت في موضعها، تنحنح كبير الإداريين مرة واحدة.
ثم بدأ حديثه:
“إذًا، في اليوم الأول المجيد من مباشرة جلالتكم لمهام الحكم، وقبل أن نبدأ، سأشرع من الآن في شرح الأوضاع الراهنة لكلّ إقليم من أقاليم الإمبراطورية. وعلى وجه الخصوص، شهدت الإمبراطورية خلال السنوات الخمس الماضية تغيّراتٍ غير قليلة، ولهذا سأركّز على تلك النقاط، بحيث يكون عهد صاحب الجلالة الإمبراطور كلايدن روكارسو، يومًا بعد يومٍ—”
“كبير الإداريين كلانيل.”
جاء نداء الإمبراطور منخفضًا وبطيئًا، يحمل في طيّاته مسحة خفيفة من التهديد.
“نعم، جلالتك!”
“ابدأ.”
“نعم، جلالتك. آه، إذًا—”
وفي تلك الأثناء، وضعت إميليا الشاي أمام الإمبراطور، والماء البارد أمام كبير الإداريين.
شرب كبير الإداريين الماء كما لو أنه عاد لتوّه من صحراء قاحلة.
أمّا كلايدن، فكان متّكئًا إلى ظهر الكرسي، يرسم على وجهه ابتسامةً مائلة موجّهة إلى كبير الإداريين.
كانت تلك الابتسامة الساخرة، ونظرته التي تشبه التحديق الحادّ، كفيلتين بأن تزرعا في نفس الطرف الآخر سؤالًا تلقائيًا: «ما الذي أخطأتُ فيه؟»
خلصت إميليا إلى أنّ الإمبراطور، على الأرجح، كان يتعمّد مضايقة كبير الإداريين.
‘من يدري ما الذي قد يكون قد حدث بين هذين الاثنين في الماضي.’
لكن إميليا تظاهرت بعدم الملاحظة. فمن الآن فصاعدًا، كان التظاهر بعدم المعرفة جزءًا من عملها.
إن كانت تعلم، تتصرّف وكأنها لا تعلم؛ وإن لم تكن تعلم، تتظاهر بجهلٍ أشد.
ومع مرور الوقت، بدأ كبير الإداريين يستعيد هدوءه تدريجيًا.
وكان كلايدن، بين حين وآخر، ينظر إلى الخريطة أو يطلب من
كبير الإداريين إعادة تأكيد ما قاله. وكان مشهد الإمبراطور وهو يتحمّل مسؤولية منصبه يبدو مطمئنًا.
‘يبدو أن الأمر سيطول.’
وبينما كانت إميليا تفكّر بذلك بارتياحٍ خفي، خاطبها كلايدن بنبرة حادة.
═══∘ ° ❈ ° ∘═══
ترجمة : أوهانا
الانستا : han__a505
التعليقات لهذا الفصل " 3"