1
المقدّمة
توجّه الإمبراطور العائد من الصيد إلى مكتبه.
في ردهات القصر الشاسعة التي خلت من الناس، كان حضوره وحده كفيلًا بتكثيف الهواء من حوله.
كلايدن روكارسو، إمبراطورٌ شابٌّ جميلٌ وقويّ.
ما إن بلغ الممر الواقع أمام مكتبه حتى انحنى خدم القصر المصطفّون هناك في آنٍ واحد.
حدّقوا في السجاد وأطبقوا أفواههم محاولين إخفاء حماستهم.
شَعرٌ أشقر أنيق يتلألأ، ووجهٌ كأنّ حكّام الجمال قد تنازعوا في نحته. عينان خضراوان داكنتان متّقدتان تطلقان نظراتٍ ثاقبة كالسّهام.
كان مدهشًا حتى في زيّه الرسمي المعتاد، أمّا وهو يرتدي لباس الصيد على هذا النحو، فقد منح صدمةً من نوعٍ آخر. كان رجلًا يتجاوز بهدوء حدود الجمال التي يُفترض بالإنسان ألّا يتخطّاها.
وفوق ذلك، امتلك مهارةً في فنون السيف تفوق حتى سادة السيوف.
وكان السبب الذي مكّنه من الجلوس على العرش، بعد أن كان حتى وقتٍ قريب منفيًّا إلى أقاصي الأراضي المتجمّدة، أنّه قضى بمفرده على قطيعٍ كامل من الوحوش السحرية.
عندما دخل الإمبراطور مكتبه، لحقت به وصيفته الوحيدة إلى الداخل.
“سأخلع لك العباءة.”
عندها توقّف الإمبراطور في مكانه وبسط ذراعيه. كانت هي الشخص الوحيد التي يأتمنها على جسده دون أدنى تردّد.
كانت عباءة الصيد الإمبراطورية، المبطّنة بفراءٍ فاخر، ثقيلة بقدر ما تحمله من سلطةٍ وهيبة.
وكان يفكّر منذ دخوله أنّ أوّل ما ينبغي أن يتخلّص منه هو هذا الشيء المزعج.
كانت وصيفته تعرف دائمًا ما يريده على وجه الدقّة، ولا تفقد تركيزها عليه أبدًا.
وأحيانًا كان يتساءل إن كان ينتهي به الأمر إلى أن يريد ما تريده هي في الأصل.
وباختصار، كانت كفؤة.
وبينما كانت تعلّق العباءة الثمينة بعناية، اتّجه هو إلى مكتبه.
ثم راقبها بصمت، وهي تتحرّك بهدوء وكفاءة.
لكن، ولسببٍ ما، بدأ ضيقه يتزايد. ولم يحتج الإمبراطور الذكي طويلًا ليدرك السبب.
كان بسببها هي، مجددًا.
تذكّر أنّه في الممر قبل قليل، وبين الخادمات اللواتي كدن يختنقن من فرط الحماس، كانت هي وحدها هادئة. رغم أنّه، في هذا اليوم، بدا أكثر إشراقًا من المعتاد.
كان دائمًا الوجه ذاته، الهادئ حدّ الإزعاج.
وجهٌ لم يعرف الإثارة يومًا.
وقد بلغ به الانزعاج مبلغًا عظيمًا، فأخذ يطرق بأصابعه بسرعة فوق سطح المكتب وهو يفكّر.
لدى وصيفتي ثلاث خطايا كبرى.
خطيئة إزعاجي في أوقات انشغالي.
وخطيئة إفساد مزاجي أحيانًا.
وأخيرًا… خطيئة عدم الوقوع في حبّي!
توقّف الإمبراطور عن الطرق بأصابعه وحدّق فيها بصمت.
‘امرأة أصعب من القضاء على الوحوش السحرية.’
وكما في كلّ يوم، وجد الإمبراطور وصيفته مزعجة.
.
.
.
1. الإمبراطور والوصيفة
في اليوم الذي عاد فيه وليّ العهد المنفي، كلايدن، كان القصر الإمبراطوري يضجّ بالتوتّر.
لكن ما إن ظهر حتى نسي الجميع توتّرهم للحظات.
الذي نزل من العربة لم يكن وليّ عهدٍ أنهكته سنوات النفي القاسية. شعره الأشقر اللامع وملامحه الوسيمة أسرت الأنظار في لحظة، حتى أنظار الجنود الواقفين على مسافة.
العباءة الحمراء التي ألقاها عليه الكاهن الأكبر لم تستطع أن تخفي كامل بنيته القوية العريضة.
كان مجرّد وقوفه وحده كافيًا ليبعث هيبة من يقود جيشًا كاملًا.
ولم يكن بوسع من شهد ذلك المشهد أن يشكّ في أنّ وليّ العهد كلايدن سيغدو الحاكم القوي لإمبراطورية روكارسو.
وحين أنهى مراسم التنازل البسيطة وعاد إلى القصر الرئيسي، خرج جميع الخدم لاستقباله.
وتبع كبير الخدم الإمبراطور كلايدن، الذي اعتلى العرش حديثًا، وشرع في تقديم الصفّ الأوّل من الخدم والوصيفات المصطفّين أمامه.
كانوا جميعًا أبناء عائلات نبيلة، يتمتّعون بثقافة رفيعة وتأهيلٍ كامل يؤهّلهم لخدمة الإمبراطور عن قرب. أو هكذا كان يُفترض.
لكن ما إن وقعت عينا كبير الخدم على تعابير الشابّات المعيّنات وصيفات، حتى أطبق جفنيه بإحكام.
ألم يكنّ يكِدن يلتهمن الإمبراطور بنظراتهن؟
شاب، غير متزوّج، ذو مظهرٍ متفوّق، وبراعة في السيف تضاهي سادة السيوف، وسلطة سياديّة مطلقة.
بل إنّ عدم الوقوع في حبّه كان ليبدو الأمر الغريب.
أراد كبير الخدم أن يتفهّم غرائزهن كنساء. لكنّ تلك الوجوه، بأفواهٍ نصف مفتوحة وعيونٍ متّقدة، تجاوزت حدود الوقاحة واقتربت من حدّ الإثم.
إحدى الشابّات، وقد بدا أنّها فقدت رشدها للحظة، لوّحت بقبضتيها فجأة وصرخت قبل أن يتفوّه الإمبراطور بكلمة واحدة:
“إنه… إنه لشرفٌ عظيم أن أخدم جلالتكم!”
في تلك اللحظة، انهار الصفّ الأمامي في فوضى. اندفعت الوصيفات ليُحِطن بالإمبراطور، كما تقدّم الخدم بدورهم دون تردّد، غير راغبين في تفويت فرصة ترك انطباعٍ جيّد. كان مشهدًا لا يليق إلا بقاعة ولائم.
سواء أكان ذلك حظًا أم سوء حظ…
حتى في هذا الموقف المروّع، لم يكن كبير الخدم قلقًا من أن يُوبَّخ بسبب آداب القصر أو الانضباط.
بل شعر بدلًا من ذلك بشيءٍ يشبه اليأس الخفيف.
والسبب أنّه كان يعرف الإمبراطور كلايدن منذ الطفولة.
وكما هو متوقّع، تلقّى الإمبراطور الهتافات بابتسامةٍ خفيفة، وكأنّه معتاد على مثل هذه الجلبة، ثم استدار قليلًا.
وكانت عيناه تقولان بوضوح:
«أمرٌ منطقي. مناسب. إعجابكم في محلّه.»
شعر كبير الخدم بصداعٍ يتسلّل إليه ببطء.
لقد عاد وليّ العهد كلايدن… لا، بل جلالته الإمبراطور.
في تلك اللحظة، ألقى الإمبراطور فجأة نظره نحو صفوف الخدم الواقفين في الخلف، الذين ما زالوا يحافظون على نظامهم.
فسارع كبير الخدم إلى الشرح:
“هؤلاء أشخاص لن يتعامل معهم جلالتك مباشرة، لذا تمّ تجاوز التحية.”
تابع الإمبراطور كلايدن سيره بوجهٍ لا مبالٍ.
ثم توقّف واستدار.
واستقرّ نظره على وصيفة تقف في الصفّ الثالث.
وحين تنحّى الخدم الواقفون إلى جانبيها على عجل، بقيت وحدها واقفة أمامه.
كانت الوصيفة، ذات الشعر المتموّج بلون العسل المنسدل حتى كتفيها، تحمل تعبيرًا هادئًا لا غير. وعلى الرغم من بنيتها الصغيرة، كانت تبعث إحساسًا واضحًا بالقوّة.
تحدّث كبير الخدم إلى الإمبراطور:
“هذه الآنسة إميليا فاليتا، ابنة ماركيز الحدود الشمالية فاليتا. هل سبق لجلالتك أن التقيتُم…؟”
“لا.”
وبتلك الكلمة الواحدة، استدار كلايدن ومضى.
لكنّ كبير الخدم، الذي أمضى سنواتٍ في خدمة القصر، لم يكن ليصل إلى هذا المنصب دون أن تمرّ به أيامٌ مضرّجة بالعرق والدموع والحذر.
فالتفت إلى إميليا فاليتا وقال:
“آنسة إميليا، ابتداءً من الغد ستتولّين خدمة جلالته في مكتبه.”
عندها أطلقت الشابة التي كان مقرّرًا لها أن تخدم في المكتب شهقةً صغيرة، ثم غطّت فمها واغرورقت عيناها بالدموع.
استدار الإمبراطور كلايدن دون وعي عند سماعه الصوت، فرأى تعبير وجه إميليا فاليتا المتّجه نحوه.
كان غارقًا في الارتباك، ممتلئًا بالاستياء والضيق.
・ 。゚ ✧ : * . ☽ . * : ✧ ゚。 ・
في صباح اليوم التالي، كان كبير الخدم يعلّم إميليا مهامها كوصيفة الإمبراطور داخل المكتب الإمبراطوري الخالي.
كان الإمبراطور يعتزم أن يستريح هذا اليوم ليتعافى من إرهاق السفر، ويباشر شؤون الحكم في اليوم التالي. لذلك كان لا بدّ من إتمام التدريب في ذلك اليوم.
قال كبير الخدم بوجهٍ صارم:
“من الآن فصاعدًا، لن يكون للآنسة إميليا أي جدولٍ شخصي. لأننا لا نعلم متى سيدخل جلالته إلى المكتب، يجب أن تبقي في حالة استعداد ما دام مستيقظًا.”
بدت قطع الأثاث القديمة الفاخرة التي تملأ مكتب الإمبراطور وكأنّها تضغط بثقلها على هواء الغرفة الواسعة.
وأثناء نظرها إليه، شعرت إميليا بانقباضٍ في صدرها.
“إذا أمرَكِ جلالته باستدعاء أحدٍ ما أو إحضار شيء، فانقلي الأمر إلى الخدم المنتظرين في الخارج. وإذا حدث أي أمرٍ حسّاس، أبلِغيني فورًا. وكذلك—”
توقّف كبير الخدم، فرفعت إميليا نظرها إلى وجهه.
ثم شدّد بنبرة حازمة:
“كلّ ما يُرى ويُسمع داخل هذه الغرفة يُعدّ سرًّا مطلقًا. لا يجوز أن تغادر كلمة واحدة شفتي الآنسة إميليا حتى يوم وفاتك. ولا ينبغي تدوين أيّ شيء كتابةً أو رسمًا بأي شكلٍ كان. فإنّ حياتكِ وسلامة عائلة فاليتا تعتمدان على هذا.”
“فهمت، سيدي كبير الخدم.”
أجابت إميليا بإيجاز.
ولأن ردّها جاء خفيفًا وهادئًا إلى هذا الحدّ، نظر إليها كبير الخدم بشيءٍ من الحيرة.
ولم يجد تفسيرًا لموقفها سوى هذا:
«ألن أموت قبل ذلك على أي حال؟»
حقًّا، من ذا الذي يستطيع أن يعلم؟
حين نُفي وليّ العهد كلايدن، كان المكان الذي أُرسل إليه يقع مباشرة خارج حدود أراضي فاليتا—أراضي عائلتها.
ومع ذلك، لم يكن من المعقول أن يكون ماركيز فاليتا الحدودي قد قدّم أيّ نوعٍ من التسهيلات لوليّ العهد المطرود بتهمةٍ جسيمة كهذه.
وإذا ما أُخذ في الحسبان الغضب العارم الذي اجتاح الإمبراطورية آنذاك…
فإن كون ذلك الأمير نفسه يجلس اليوم على العرش لم يكن أقلّ من معجزة.
وعلى أيّ حال، كان ذلك هو السبب في أن كبير الخدم لم يشكّ في قول كلايدن إنه لم يلتقِ قطّ بابنة الماركيز الحدودي.
وكان سبب مجيء إميليا من أقصى الشمال لتصبح وصيفة في القصر واضحًا.
فعندما يعتلي إمبراطورٌ جديد العرش، تقدّم العائلات النبيلة هدايا ضخمة قد تهزّ أوضاعها المالية. فهي دليل ولاء، وفي الوقت نفسه وسيلةً غير معلنة لتحديد مراتب النبلاء فيما بينهم.
أما العائلات التي تعجز عن تحمّل مثل هذه التكاليف، فتلجأ أحيانًا إلى إرسال أبنائها إلى القصر لإظهار ولائها.
ولا سيّما ماركيز فاليتا الحدودي، الذي أدّى فعليًا دور المراقب القسري خلال فترة نفي الأمير، كان بحاجة إلى هدية قادرة على تليين قلب الإمبراطور.
لكن في أراضي فاليتا، حيث كانت الوحوش الشيطانية تظهر بين الحين والآخر وتدمّر الأرض، لم يكن ثمّة مجال لوجود مثل تلك الثروة.
وهكذا، في النهاية، أرسلوا ابنتهم.
“تسك، تسك.”
فمنصب الوصيف المقرّب من الإمبراطور مطمعٌ تتقاتل عليه العائلات القوية لتزرع أفرادها فيه، وإذا أخفقت في الحصول على موقعٍ مُرضٍ، انسحبت فورًا.
لكن إميليا، منذ البداية، لم تُبدِ أيّ تذمّر، رغم تكليفها بمهامٍ داخلية تقتضي البقاء طوال اليوم في غرفةٍ منعزلة.
وهذا وحده كان كافيًا ليبدّد أيّ شكّ. كانت تنوي التحمّل لبضع سنوات من أجل عائلتها، ثم تعود.
أمّا سبب اختيار الإمبراطور إميليا فاليتا، من بين الجميع، لتكون الوصيفة التي تمكث معه في المكتب طوال اليوم…
يا إلهي!
أطبق كبير الخدم فمه فجأة، وقد ضربه الإدراك كصفعة على رأسه.
إنّه انتقام.
لا بدّ أنّه انتقام، أليس كذلك؟
لا بدّ أنّ الإمبراطور يسدّد حسابه مع ماركيز فاليتا، الذي أساء معاملته أيام النفي، من خلال ابنته!
انغمس كبير الخدم في دوّامة من الذعر.
فلو كان الإمبراطور كلايدن ينوي الانتقام من كلّ من شارك في نفيه واحدًا تلو الآخر، لما بقي بيتٌ نبيل واحد سالمًا في أرجاء الإمبراطورية.
أغمض كبير الخدم عينيه بقوّة أمام المشهد المرعب الذي ارتسم تلقائيًا في ذهنه.
في تلك الأثناء، أمالت إميليا رأسها قليلًا وهي تراقبه، وقد راودها القلق من أن يفقد تركيزه.
فإن نسي أن يعلّمها أمرًا مهمًّا وارتكبت خطأً أمام الإمبراطور، فستكون هي من يدفع الثمن.
ولم يكن بإمكانها السماح بخطأٍ يجعل اسم والدها وشرف عائلتها مادةً للثرثرة.
وحين لاحظ كبير الخدم نظرتها، تنحنح وعدّل تعبير وجهه.
“ههمم.
يجب على وصيفة المكتب أن تعرف مواقع كلّ قطعة أثاث، وكذلك أماكن الشاي والمشروبات، سأريكِ—”
في تلك اللحظة، فُتح الباب بعنف.
كان الإمبراطور كلايدن نفسه، الذي قال إنّه سيأخذ اليوم راحة، يدخل الغرفة.
═══∘ ° ❈ ° ∘═══
ترجمة : أوهانا
الانستا : han__a505
التعليقات لهذا الفصل " 1"