3 - تقبل الواقع
اللهم إن كُنَّا محسنين فثبِّتنا ، وإن كُنَّا مُقصِّرين فأصْلِحْنا .!
※استمتعوا※
🦋—————🦋
مرّ شهر.
شهرٌ كامل منذ أن فتحت عينيها في ذلك السرير ذي الأعمدة الخشبية، ومنذ أن نطقت باسمٍ لم يكن لها… ثم صار لها.
في الأيام الأولى، كانت تستيقظ فزعة قبل الفجر، وقلبها يخفق بعنف كما لو أن المطر ما يزال يهطل فوق وجهها.
كانت تتوقع أن ترى أضواء الشرطة تنعكس على الجدران، أو أن تسمع صفارات الإنذار تخترق الصمت، أو أن تشم رائحة الإسفلت المبتل ممزوجة بالدم.
لكنها لم تكن تجد سوى سكون ثقيل، وروائح زهور مجففة موضوعة في أوعية خزفية قرب النوافذ، وخطوات خدم يسيرون بهدوء في الممرات الواسعة.
لم يكن هناك زقاق ،ولا قاتل ،ولا مدينة لا تنام.
كان هناك قصر فيديل.
قصر حجري قديم يقع في الضاحية الشمالية للعاصمة الإمبراطورية، تحيط به حدائق واسعة مشذبة بعناية، تتخللها تماثيل رخامية لفرسان وملائكة.
النوافذ طويلة مقوسة، والسقف مرتفع على نحو يجعل الصوت يتردد بخفة إن ارتفع أكثر مما ينبغي.
اسمها هنا كان الآنسة كناريا أوريليا فيديل.
ابنة الكونت أندريه فيديل، أحد النبلاء القدامى الذين يحتفظون بلقبهم ونفوذهم دون أن يتورطوا كثيرًا في صراعات البلاط.
عائلة ذات سمعة محترمة، ليست من الأكثر طموحًا، ولا من الأشد خطرًا.
كان لها أخ أكبر، لوسيان فيديل، الوريث الشرعي للقب العائلة.
في الخامسة والعشرين من عمره، هادئ الطباع، يميل إلى إدارة الشؤون الزراعية للإقطاعية أكثر من ميله إلى حضور الحفلات.
كان يعاملها بلطفٍ حقيقي، لا بتعالٍ، كأختٍ أصغر محبوبة .
أما والدها، الكونت أندريه، فلم يكن صارمًا كما توقعت.
كان رجلاً ذا صوتٍ عميق وابتسامة دافئة نادرة، يحرص على أن تُعامل ابنته برفق، ربما تعويضًا عن غيابٍ آخر في حياتها.
والدتها.
الكونتيسة السابقة غادرت القصر منذ سنوات طويلة بعد انفصال هادئ لم يُشرح أبدًا علنًا.
لا أحد يتحدث عنها كثيرًا. لا صور لها في القاعات الكبرى، ولا رسائل تُذكر. مجرد فراغ أنيق في تاريخ العائلة.
في الأسابيع الأولى، كانت كناريا تعتمد على الذكريات التي تدفقت إليها يوم استيقاظها.
لم تكن ذكريات ضبابية، بل واضحة، مرتبة، كأنها عاشت تلك السنوات فعلًا.
كانت تعرف أسماء الخدم، وتعرف أي درج يصرّ عند النزول، وأي نافذة تطل على أشجار الزيزفون.
ذلك ساعدها على التظاهر بأنها لم تتغير.
لكن الداخل كان مختلفًا تمامًا.
روتين حياتها كان هادئًا إلى حدٍ خانق.
جلسات شاي بعد الظهيرة مع سيدات نبيلات، حديث عن أقمشة جديدة وصلت من الجنوب، عن خطوبة ابنة بارونٍ ما، عن شائعة تخص إحدى العائلات.
كانت تبتسم، تومئ برأسها، وتشارك بجمل قصيرة مدروسة، بينما عقلها يراقب ويقارن بين هذا العالم وعالمها السابق.
كانت تمضي ساعات طويلة في المكتبة.
في البداية بدافع الهروب من الثرثرة، ثم بدافع الفضول.
قرأت عن تاريخ الإمبراطورية، عن الحروب القديمة، عن العائلات النبيلة ومواقعها في البلاط. حفظت أسماء الوزراء، وقادة الحرس، وأقارب الإمبراطور البعيدين.
لم يكن ذلك بدافع الطموح ،بل بدافع التخلص من الملل والمعرفة .
العالم الذي تعيش فيه الآن تحكمه الألقاب والتحالفات، لا الأدلة الجنائية. والخطأ هنا قد لا يُعالج في محكمة، بل في غرفة مغلقة لا يعود منها أحد.
بعد شهر تقريبًا، حين بدأت تشعر أنها أتقنت ابتسامتها الجديدة، وصلتها دعوة.
كان الظرف سميكًا بلون العاج، مختومًا بالشمع الأحمر وعليه شعار الإمبراطورية نسر ذهبي باسط جناحيه فوق درعٍ مرصع بالنجوم.
سلّمها الخادم الظرف بانحناءة رسمية.
“وصل من القصر الذهبي، آنستي.”
شعرت بانقباض خفيف في معدتها قبل أن تفتحه، كما لو أن شيئًا ما في داخلها أدرك أن هذا الورق الثقيل قد يغيّر مسار الأيام الهادئة.
كسرت الختم بعناية.
كانت الكتابة بخطٍ أنيق متصل، حبره أسود لامع
[باسم جلالته الإمبراطور، واحتفاء بذكرى ميلاد سمو ولي العهد،
الأمير يوهانس أدريان دي مورغان،
يتشرف القصر الذهبي بدعوة الآنسة كناريا أوريليا فيديل
لحضور الاحتفال الرسمي المقام في القاعة الكبرى مساء الغد،
سائلين حضوركم لتزيين الأمسية ومشاركة البلاط بهجته.]
بقيت عيناها معلقتين على الاسم.
يوهانس أدريان دي مورغان ولي العهد.
القصر ,المكان الذي تُعقد فيه التحالفات، وتُولد فيه الأسرار، وتُدفن فيه الحقائق تحت طبقات من الموسيقى والشموع.
أغلقت الرسالة ببطء.
“مساء الغد…” تمتمت لنفسها.
حلّ اليوم الموعود أسرع مما توقعت.
منذ الصباح، تحولت غرفتها إلى خلية نحل. خادمتان ترتبان الشعر، وأخرى تُحضّر الحلي، وثالثة تعدّل الفستان للمرة الأخيرة.
اختارت لها الخياطة فستانًا بلون بنفسجي فاتح، يتدرج عند الأطراف إلى ظل أعمق قليلًا، بأكمام طويلة شفافة وتطريز فضي دقيق عند الخصر.
حين نظرت إلى انعكاسها، رأت النبيلة التي يعرفها هذا العالم.
وقفت مستقيمة الظهر، كتفاها في وضعٍ مثالي، نظرتها هادئة.
نزلت الدرج بخطوات موزونة، فتوقف والدها في بهو القصر يراقبها بابتسامة رقيقة.
“كناريا”
اقترب خطوة، وتأملها بفخر واضح.
“يسعدني أنكِ ستذهبين الليلة. نادرًا ما تقبلين الدعوات الاجتماعية.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“ربما حان الوقت لأغير ذلك، أبي.”
ضحك بهدوء.
“أتمنى لو أرافقكِ، لكن عليّ السفر إلى الإقطاعية مع الفجر. هناك بعض المشكلات في الأراضي الشمالية لا تحتمل التأجيل.”
هزّت رأسها بتفهم. “أعلم. لا تقلق.”
تردد لحظة، ثم قال بنبرة أبوية صادقة
“كوني حذرة. البلاط مكان جميل… لكنه ليس بريئًا.”
لم يفُتها ثقل الجملة.
“سأكون كذلك.”
رافقها إلى العربة التي تحمل شعار عائلة فيديل درع فضي تتوسطه زهرة زنبق زرقاء ثم ساعدها أحد الفرسان على الصعود.
تحركت العربة عبر الشوارع المرصوفة، عجلاتها تصدر صوتًا متناغمًا مع خفقان قلبها.
جلست كناريا مستقيمة، يداها مستريحتان في حجرها، وعيناها تحدقان من النافذة إلى المصابيح المعلقة على الأعمدة الحجرية.
كلما اقتربت من القصر، ازدادت الزينة، وازدادت العربات الفاخرة المتوقفة على جانبي الطريق.
وحين ظهر القصر الذهبي أمامها، شعرت بدهشة حقيقية.
كان أضخم مما تخيلت.
جدرانه مضاءة بمئات المشاعل، نوافذه العالية تعكس ضوء الشموع في الداخل، وسلالم رخامية عريضة تقود إلى الأبواب المذهبة المفتوحة على مصراعيها.
توقفت العربة، وتقدم فارس لمساعدتها على النزول.
ما إن لامست قدمها الدرج الرخامي حتى أحست بثقل المكان.
رفعت نظرها ببطء، تتأمل الواجهة المهيبة، والرايات الإمبراطورية ترفرف فوقها.
“إنه… مذهل.” همست لنفسها دون وعي.
دخلت القاعة الكبرى مع بقية الضيوف.
سقف مرتفع مزخرف بلوحات تصور انتصارات قديمة، وثريات عملاقة تتدلى كالنجوم. الموسيقى تعزف بخفة، والكؤوس تتلامس بأصوات رنانة.
لم تمضِ دقائق حتى اقتربت منها سيدة في منتصف الثلاثينيات، ترتدي فستانًا أخضر داكنًا وتضع مروحة من الريش الأبيض في يدها.
“الآنسة فيديل، أليس كذلك؟ لم نركِ منذ مدة.”
انحنت كناريا بخفة. “كانت لدي بعض الانشغالات، ليدي ماريان.”
تبادلت معها حديثًا قصيرًا عن الطقس، وعن ازدهار الموسم الزراعي، ثم اعتذرت بأدب لتتجول قليلًا.
وفجأة، تغيرت نبرة الموسيقى.
ضُربت الأرض بعصا ذهبية ثلاث مرات.
“حضرة جلالة الإمبراطور و ولي العهد الامير يوهانس أدريان دي مورغان “
ساد الصمت فورًا، وانحنى الجميع بعمق.
دخل الإمبراطور أولًا، بردائه القرمزي المطرز بالذهب، مهيب الحضور رغم تقدمه في السن. خلفه بخطوة ثابتة، سار ولي العهد.
يوهانس أدريان دي مورغان.
رفعت كناريا رأسها ببطء بعد الانحناء.
كان أطول مما توقعت، كتفاه مستقيمان، وقفته تحمل صرامة رجل وُلد ليُطاع.
شعره أسود كالفحم، مصفف بعناية، وعيناه رماديتان باردتان، حادتان على نحو يجعل المرء يشعر أنه مكشوف أمامه.
ألقى الإمبراطور كلمة مقتضبة عن ازدهار الإمبراطورية ووحدة النبلاء، ثم تحدث ولي العهد بصوت عميق واضح، يشكر الحضور ويؤكد التزامه بخدمة العرش.
لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه ملأ القاعة دون جهد.
بعد انتهاء الكلمات، أعلن الإمبراطور انسحابه، متمنيًا للحاضرين أمسية ممتعة، وغادر يتبعه بعض الحراس.
بقي ولي العهد بين النبلاء، يتبادل التحيات.
وفي لحظة عابرة، بينما كانت كناريا تراقبه من بعيد، التقت عيناه بعينيها.
لحظة قصيرة، بالكاد تُلاحظ.
لكنه لم يحِد بنظره فورًا.
انحنى برأسه تحية خفيفة.
انحنت له باحترام مماثل، محافظة على هدوئها الخارجي رغم الارتجافة الخفيفة التي مرت في صدرها.
ثم أكمل حديثه مع من حوله، وعادت هي بدورها إلى محيطها، تبتسم وتجيب وتتحرك كما لو أن شيئًا لم يحدث.
لكن شيئًا ما، صغيرًا وغامضًا، كان قد استقر في أعماقها.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة | الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
*حسابي على الانستغرام :luna.aj7
Chapters
Comments
- 3 - تقبل الواقع منذ 5 ساعات
- 2 - من أنا!؟ منذ يومين
- 1 - ليلة ممطرة منذ 3 أيام
- 0 - مقدمة 2026-02-24
التعليقات لهذا الفصل " 3"