“ماركيز فابيا، بحسب ما سمعناه حتى الآن، لا يبدو أنّ دليلاً حاسماً قد ظهر يثبت تهمة تواطؤ المتهم مع دولةٍ معادية.”
أشارت الملكة إلى ذلك لم يكن هذا في غرفة الملكة السرية بالقصر، بل أمام حشد من النبلاء، لذا ارتبك الماركيز وتلعثم في حديثه
“مولاتي، إنني أرى أن هذه الأدلة وحدها كافية—”
“كافية لإرسال ذلك الرجل إلى منصة الإعدام؟ إن كان الأمر كذلك، فلا داعي لإقامة محاكمة ج من الأساس أيها القاضي.”
“ أمركِ، مولاتي.”
أجاب رئيس المحكمة العليا ونهضت الملكة متكئة على ذراع أحد أفراد الحرس الملكي.
“بحسب علمي، فإن حق إصدار الحكم النهائي في قضايا الخيانة العظمى يعود إليّ إليس كذلك ؟”
كانت جلالة الملكة رأس حكومة ألجونكوين، وسيدة آلاف النبلاء، وقائدة مئات الآلاف من الجنود.
ولم يكن وجود المحاكم المستقلة إلا نتيجة اتساع رقعة المملكة، وما استتبعه ذلك من الحاجة إلى قانونٍ مكتوب وجهاز قضائي منفصل غير أن جلالة الملكة، بطبيعة الحال، كانت تعلو على القانون نفسه.
فالملك هو المملكة، ومن البديهي أن يكون لها الحق في القضاء على كل من يهدد القصر الملكي.
“هذا صحيح بلا أدنى شك، مولاتي.”
أكد رئيس المحكمة العليا كلامها.
تلفّتت الملكة في أرجاء قاعة المحكمة.
وبرغم أن قامتها كانت الأصغر بين الحاضرين، إلا أن هيبتها كانت طاغية، حتى إن مقاعد المتفرجين المصممة على هيئة مدرج دائري بدت وكأنها تنظر إليها من علٍ إلا أن هيبتها كانت طاغية.
“إذن، سأقرّر تعليق هذا الحكم إلى أجل غير مسمّى.”
“ولكن، مولاتي—”
قاطعت الملكة كلام ماركيز فابيا.
“أيها الماركيز، ينبغي أن تكون عين الملكة أبصر من هذا.”
ثم أدارت ظهرها لالعين ،وتوجّهت بنظرها إلى الكونت الشاب الواقف في منصة المتهمين.
ورغم أن التهمة قد رُفعت عنه للتو، إلا أنه لم يبدُ سعيداً على الإطلاق وافترض الناس أنه إما كان متوتراً أكثر من اللازم، أو عاجزاً عن استيعاب ما حدث.
“كونت دالمور.”
انحنى بعمق أمام الملكة.
“……تفضّلي بأمركِ، مولاتي.”
تقدّمت الملكة نحو منصة المتهمين.
ومن حيث كان أغلب الحاضرين جالسين، لم يكن بالإمكان رؤية ملامح وجهها بوضوح.
وظنّ الجميع أن نبرة صوتها التي لانت فجأة إنما كانت بسبب مضمون كلماتها.
“لقد تسبّب نقص محققيّ في معاناتك وستتولى عين الملكة تعويضك عن ذلك.”
“إذن، هل أنا بريء؟”
“إن كنتَ تصرّ على ذلك.”
أنزل موظفو المحكمة الشاب من منصة المتهمين.
فقد أعلن الكونت براءته، وجلالة الملكة أيّدت ذلك الإعلان، وبذلك أصبح رجلاً حراً ومع ذلك، لم تنفرج ملامحه قط، بل أخذ وجهه يزداد تصلباً مع مرور الوقت.
“لم أرتكب قط ما يسيء إلى ألجونكوين أو إلى هيبة العائلة المالكة.”
أومأت الملكة برأسها.
“سأثق بإخلاصك، أيها الكونت.”
ثم استدارت بأناقة.
وسارع الحرس الملكي إلى الاصطفاف في صفّين.
وما إن أدرك الناس معنى ذلك، حتى نهضوا جميعاً كما فعلوا من قبل فُتح الباب، وبدأت الملكة بالسي وعلى الرغم من أن أرضية المحكمة كانت مرصوفة بالرخام، إلا أنها مشت بخفةٍ بالغة حتى لم يُسمع سوى صوت احتكاك ثوبها، لا وقع خطواتها.
راقب النبلاء المشهد وهم عاجزون عن تصديق ما شهدوه للتو.
هل تنوي جلالة الملكة حقاً تبرئة الكونت؟
ذلك الذي أصدرت عين الملكة بنفسها أمر القبض عليه؟
حتى في نظر من تابعوا المحاكمة، بدت تهمة التواطؤ بحق كونت دالمور ضعيفة الأساس.
غير أن حقيقة اعتزاله في إقطاعيته بعد نيله لقب الكونت كانت معروفة، كما أن عجزه—بذلك الوجه الوسيم—عن السيطرة حتى على زوجة واحدة ظل لغزاً لدى بعض النبلاء.
وإذا لم يكن يعاني خللاً جسدياً أو نفسياً، فإن عيشه حياة في غاية الطهر، بل والزهد، لسنوات طويلة في مثل عمره—كما ثبت تفصيلاً في المحكمة—أمر يبعث على الريبة لذا، لو أرادوا معاقبته بذريعة ما، لوجدوا لذلك ألف سبيل.
وقبيل خروجها من المحكمة، التفتت الملكة إلى الخلف.
“لقد بذلتم جهداً كبيراً في متابعة المحاكمة. وتقديراً لذلك، سأقيم مأدبة قريباً”.
“نحن ممتنّون لفيض كرمكِ، مولاتي.”
وانحنى الدوقات المصطفّون في الصفوف الأمامية من المدرجات نيابة عن الجميع عندها فقط، وكأن فكرةً خطرت لها فجأة، رفعت الملكة بصرها نحو مقاعد المتفرجين.
“أود أيضاً أن أحيّي من حضروا بصفتهم شهوداً في هذه المحاكمة أين هم؟”
نهض ماركيز سيمور، كاتب المحكمة وتوجّهت أنظار الحاضرين تلقائياً بحثاً عن الشاهد الآخر غير أن المرأة التي كانت حتى وقتٍ قريب جالسة بهدوء في المقاعد الخلفية لم تعد موجودة.
“يبدو أنها غادرت بعد انتهاء شهادتها.”
قال الكاتب فليس هناك ما يلزم الشهود—ما لم يكونوا شهوداً رئيسيين—بالبقاء في المحكمة حتى ختام الجلسة ومع ذلك، وبما أن حياة زوجها السابق كانت على المحك، بدا أن الكونتيسة السابقة لدالمور امرأة قاسية القلب حقاً.
أومأت الملكة برأسها لماركيز سيمور، ثم وجّهت نصيحة أخيرة إلى كونت دالمور.
“هذا مجرد اقتراح مني، لكن إن كنت لا ترغب في أن تطاردك الشائعات، فما رأيك بأن تظهر قليلاً في الأوساط الاجتماعية؟”
“إن التفاتكِ إلى شخصٍ متواضع الشأن مثلي لشرف عظيم، مولاتي.”
أجاب كيث وكان رده سريعاً ورسميّاً إلى درجة أن بعض الحاضرين التفتوا نحوه بدهشة.
وبعد قليل، اختفى طيف جلالة الملكة خلف الباب.
وضجّت قاعة المحكمة بموجة جديدة من الحماسة.
فقد كان الحاضرون جميعاً ممن استُدعوا بأمرٍ ملكي لحضور الجلسة وجاؤوا وهم يتأرجحون بين الخوف والترقّب، خشية أن يشهدوا قطع رأس شابٍ بريء، فإذا بهم ينالون عرضاً شيّقاً على غير المتوقع.
وحين يعودون، سيكون لديهم ما يكفي من القصص لإشعال أحاديث السهر في الصالونات الأرستقراطية.
طرق القاضي بالمطرقة.
“رفعت الجلسة!”
أمسك كونت دالمور بسياج منصة المتهمين وقد انفكّ عنه التوتر أخيراً.
واندفع ماركيز سيمور نحو كاتبه.
*****
“سيدة آلينغتون ! انتظرِ من فضلكِ!”
نادى أحدهم بلهفة على براوني وهي تهم بمغادرة مدخل المحكمة لم تكن بحاجة للالتفات لتعرف صاحب الصوت، فاستدارت على مضض.
“…… لورد ويرديل.”
“لقد طلبتُ منكِ الانتظار في الخارج، فكيف لكِ أن تغادري تماماً؟”
كان لورد ويرديل، دوق بايرون، يلهث قليلاً كأنه ركض بسرعة وبدا المشهد غريباً، إذ لم يكن مع رجل بمكانته العالية أي خادم يرافقه سارعت براوني بالنزول إلى ساحة المحكمة الداخلية، خشية أن يراها أحد برفقته.
“لكنك طلبتَ مني الخروج.”
“قصدتُ أن تغادري قاعة المحكمة فقط.”
هل يرتدي الجميع أفضل ثيابهم عند القدوم إلى المحكمة؟ كان دوق بايرون يرتدي زياً رسمياً من الساتان الأرجواني الداكن مع رتب عسكرية ذهبية ذكرها ذلك اللباس بطبيعة الحال بكيث وثيابه.
“لماذا قلتَ ذلك إذاً؟”
“جلالة الملكة ليست امرأة سهلة كما تبدو.”
كان هذا تعبيراً ملطفاً للغاية فمنذ خمس سنوات، وُصفت قرارات الملكة سراً في الأوساط العامة بأنها طغيان، ولا بد أن هذا الرجل قد عاصر تلك الأحداث عن قرب.
لذا فكرت براوني أن تعبير الدوق، إن لم يكن تلميحاً لطبيعة الملكة الحقيقية، فهو نوع من الكياسة السياسية التي لا يدركها عامة الناس مثلها.
“وما علاقة ذلك بي؟”
وضع يده على فمه متظاهراً بالتفكير.
“عندما أدليتِ بشهادتكِ قبل قليل، تعاملتِ مع الأمر ببراعة، لكنكِ بدوتِ مجهدة قليلاً وكنتُ أخشى أنه إذا أمرت جلالتها باستدعاء الشاهدة مرة أخرى، فسيكون الأمر شاقاً عليكِ.”
“أليس واجباً عليّ العودة في أي وقت إذا استدعتني جلالة الملكة؟”
“هذا يعتمد على مزاج جلالتها.”
تحدث الدوق بغموض، لكن براوني بدأت تفهم تلميحه إذا أمرت الملكة بإحضار الشاهدة مرة أخرى، فلن يكون أمامها خيار سوى الذهاب.
ولكن إذا قيل إن الشاهدة قد غادرت بالفعل، فقد تقول الملكة لا بأس إذاً ولا تستدعيها
بعبارة أخرى.
‘…… هل جلالة الملكة امرأة متقلبة المزاج؟’
هذا هو الاستنتاج الذي توصلت إليه.
“على أي حال، ألا تشعرين بالفضول بشأن الحكم؟”
نظرت براوني إلى عيني الدوق بدهشة.
“…… هل صدر الحكم بالفعل؟”
“كنتُ أعلم أنكِ ستتساءلين لهذا السبب سارع ثيودور بايرون هذا باللحاق بكِ.”
كانت نبرته هادئة، وارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه الذي أصبح مألوفاً لها لذا شعرت براوني براحة عميقة في داخلها، مستنتجة أنه مهما كان الحكم، فإن كيث قد نجا من العقوبة على الأقل ولم تظهر ذلك بوضوح لأنها لا تزال تلتزم الحذر تجاه دوق بايرون.
وكما توقعت، رفع الدوق حاجبيه الوسيمين
“يبدو أنكِ خمنتِ النتيجة بالفعل؟”
“لقد خمنتُ، ولكن بما أنك أتيت لتخبرني بالنتيجة خوفاً من فضولي، فعليّ أن أسمع ما سيقوله لورد ويرديل.”
“كيف لي أن أغلب السيدة آلينغتون؟”
قال ذلك بتنهيدة خفيفة ثم أشار نحو البوابة الرئيسية.
“هل نمشي قليلاً؟ أين عربتكِ؟”
“إنها في الخلف، ولكن……”
توقفت فجأة عن الكلام.
لقد أوصلها ديميتري إلى هنا وأخبرها أنه سيعيدها إلى أنداين آيلوولكن بما أن كيث قد بُرئ من التهم، فلا يوجد سبب لبقاء الخادم هنا، أليس من المفترض أن يذهب إلى إيبوني؟ وربما يأخذ كيث معه أيضاً.
حالياً، لم يكن لدى عائلة دالمور سوى عربة واحدة بأربعة خيول، وهي التي استقلتها هي.
“ما الخطب؟”
“هل يمكنني العثور على عربة خارج فانشو من هنا؟”
“يبدو أنني كلما رأيتكِ، كنتِ تبحثين عن عربة.”
ضحك الدوق.
حينها أدركت براوني أنها كانت في عجلة من أمرها لدرجة أنها لم تشكره أو تعتذر عما حدث في المرة السابقة.
“لورد ويرديل، أنا آسفة لأنني تأخرت في شكرك بسبب ارتباكي لقد كنت ممتنة حقاً للمرة السابقة ذلك الخادم—”
“تقصدين كريستيان؟”
حتى اسم خادم هذا الرجل بدا أرستقراطياً ربما كانت رتبة ذلك الخادم أعلى منها هي كبارونة.
“نعم، لقد تفضل عليّ بالكثير.”
“سمعتُ أنكِ ذهبتِ إلى فيرنون؟ قيل لي إن الغابة هناك جميلة جداً.”
كان ذلك صحيحاً.
ورغم أن الطريق من فيرنون إلى فانشو عبر إيبوني لم يكن مريحاً تماماً بسبب تلك الغابة، إلا أن ذلك لم يقلل من جمالها.
“هذا صحيح ولا زلتُ أقيم هناك.”
“في أنداين آيل ؟”
بما أن ذلك الخادم المدعو كريستيان قد أوصلها هي وميرتل حتى مشارف القصر، لم يكن غريباً أن يعرف الدوق اسم أنداين آيل لكن نبرته أوحت بأنه يعرف أكثر من مجرد اسم القصر.
تذكرت براوني أنه ذكر ذات مرة أنه تلقى تدريباً على السيف مع كيث تحت إشراف المعلم نفسه.
“وجودي في ذلك المنزل له أسباب—”
“لستِ بحاجة لقول أي شيء.”
لقد كان نبيلاً بحق.
“إذاً، هل تحتاجين إلى عربة لتوصلكِ اليوم أيضاً إلى أنداين آيل؟ ما رأيكِ لو أعرتكِ عربتي؟ فقصرى في فانشو يقع على مسافة قصيرة يمكن قطعها مشياً من هنا.”
“آه، لا داعي لذلك.”
رفضت بلباقة.
شعرت أنه لا ينبغي لها منح هذا الرجل فرصة لتقديم معروف للمرة الثانية سأخبر ديميتري بنتيجة المحاكمة أولاً، ثم أطلب منه تدبير عربة أخرى.
ولكن عندما خرج الاثنان إلى الشارع، واجهتهما صفوف طويلة من العربات المصطفة على جانبي الطريق، والتي تعود على الأرجح للمتفرجين.
إذا كان هناك خمسون نبيلاً، فهناك خمسون عربة، لذا امتدت سلسلة العربات الفاخرة حتى نهاية الطريق.
“سيتطلب الأمر وقتاً طويلاً للخروج من هنا.”
نقر الدوق بلسانه مرافقاً إياها إلى رصيف المشاة.
في الشارع، كان الحوذيون والخدم الذين يرتدون ثياباً متنوعة يتجمعون في مجموعات يدخنون التبغ.
ورغم أن فانشو مدينة كبيرة، إلا أن الأماكن التي يرتادها النبلاء في موسم الاجتماعي كانت محدودة، لذا كان الخدم يتعرفون على بعضهم البعض أحياناً.
لم يكن هناك احتمال أن يتعرفوا عليها، لكن احتمال تعرفهم على الرجل الذي معها كان كبيراً، لذا أسرعت براوني في خطواتها أرادت مغادرة المكان قبل أن يتدفق المتفرجون من الداخل.
“سيدي!”
نادى صوت مألوف على دوق بايرون.
كان الرجل الذي يرتدي سترة مخملية خضراء ملفتة للنظر بين الخدم هو كريستيان وبمجرد أن لمح براوني، انحنى لها بأدب.
“سيدة آلينغتون ، نلتقي مجدداً.”
“مرحباً بك.”
قالتها بصوت خافت التفت الدوق حوله.
“أين العربة؟ يبدو أن عليك مرافقة هذه السيدة أولاً اليوم أيضاً.”
“لورد ويرديل، لا بأس حقاً عربتي لا بد أن تكون في مكان ما هناك.”
قالت براوني ذلك وهي تتبع الدوق الذي كان يسير بخطى واسعة لو كانت تعلم لخرجت بقبعة ذات برقع.
ثم قفز تفكيرها إلى القبعة التي قال كيث إنه اشتراها من متجر أزياء، وتخيلت بوضوح تلك القبعة ذات الطراز الأورلوفي التي كانت ترتديها تلك السيدة النبيلة في المحكمة لقد كانت قبعة جميلة بحق تُرى لمن كان كيث ينوي إهداء تلك القبعة؟
لم تكن عربة الدوق بعيدة.
كان من حسن الحظ أن كريستيان قد ركنها عند مدخل زقاق هادئ، حيث لا توجد عيون كثيرة وبالطبع، لم تكن لدى براوني نية لقبول عرض الدوق.
التعليقات لهذا الفصل " 28"