بعد استراحة قصيرة، استُؤنفت محاكمة الكونت كيث دالمور.
كانت براوني قد انتهت من الإدلاء بشهادتها وقيل لها إن بإمكانها المغادرة، لكنها اختارت البقاء والجلوس في مقعد منزوٍ بآخر قاعة المحكمة لمراقبة ما سيحدث.
التفت نحوها بعض النبلاء بملامح متفاجئة، فتظاهرت بتجاهل نظراتهم الفضولية، متمنيةً لو كان ميرتل أو حتى ديميتري بجانبها في تلك اللحظة.
يبدو أن الماركيز بافيا قرر تغيير استراتيجيته بعد أن فشل في إيجاد صلة مباشرة بين الكونت دالمور وجثة الشخص من أورلوف التي عُثر عليها في الخامس والعشرين من ديسمبر.
بدأ محور الاستجواب ينتقل إلى تفاصيل حياة الكونت في عزبة إيبوني.
ربما كان الماركيز يخطط للتشكيك في الحياة الخاصة للكونت الشاب؛ فهو قليل الظهور في الأوساط الاجتماعية، وبصحة جيدة، ومع ذلك لا يمارس أي نوع من أنواع الترفيه المعروفة.
لم تكن هذه الخطة سيئة، فالتاريخ يحفل بنبلاء عاشوا في عزلة ليداروا خلفها أفعالاً شائنة لا تُغتفر بحق عائلاتهم أو سكان أراضيهم.
لكن الكونت دالمور لم يكن من هذا الصنف.
في البداية، أحضر الماركيز البيانات المالية السنوية لعزبة إيبوني، محاولاً إثبات فرضية أن اللورد الفقير سيفعل أي شيء من أجل المال
كانت الوثائق معدة بشكل مريب وموثقة بعناية وكأنها تنتظر هذه اللحظة، ومع ذلك، أظهرت تلك الأوراق أن إنتاجية إيبوني كانت تتحسن تدريجياً.
عائلة دالمور، رغم افتقارها للمال اللازم للمشاركة في المواسم الاجتماعية، كانت تتدبر دائماً وسيلة لدفع الضرائب للملكة وترميم المرافق المتهالكة.
كان جهدهم مضنياً ومثيراً للشفقة حتى قبل وصول مهر ابنة البارون أرلينغتون؛ حيث كان اللورد وسكرتيره -الذي يبدو كفؤاً للغاية- يقتصدان في كل شيء للخروج من مأزق الفقر.
سُجل تاريخ ذلك الكفاح بدقة متناهية، من ملعقة شاي واحدة إلى فرخ دجاج صغير، وبطريقة يمكن وصفها بالتدبير الشديد أو البخل المفرط.
أثار ذلك شفقة السيدات في القاعة تجاه الآنسة التي تزوجت في عائلة شديدة الحرص، بينما شعر الرجال بالأسف للكونت الذي لم يهنأ حتى بمهر زوجته الغني.
على أية حال، وبناءً على تلك السجلات التفصيلية، كان من المستحيل أن يجد الكونت الشاب وقتاً للتواطؤ مع العدو وهو مشغول بتدوين كل شاردة وواردة.
من ناحية أخرى، بدأ الناس يتساءلون عما إذا كانت حياة الزوجين دالمور جافة أكثر من اللازم كما كشف الاستجواب.
كان الكونت الشاب مخلصاً في عمله؛ يقضي أيام الأسبوع في التنقل بين إيبوني وفانشو للعمل، وفي العطلات يتولى شؤون العزبة.
كما أن عدد الخدم في قصر إيبوني هايتس كان قليلاً جداً مقارنة بحجمه.
“لا بد أن الزوجة الشابة كانت تشعر بالوحدة مع زوج لا يفعل شيئاً سوى العمل.”
“كان بإمكانه العيش برفاهية بفضل ذلك المهر، هل الكونت مدمن عمل؟”
بينما كان هذا النوع من التعاطف يتشكل بين الحضور حول هذا الرجل الوسيم الذي لا يشبه أقرانه، ساد اضطراب مفاجئ خارج باب المحكمة الأولى.
فتح حارس المدخل الباب قليلاً ليستطلع الأمر، ثم تراجع بملامح مذعورة.
“سـ.. سيادة القاضي.”
ةسأل القاضي بنبرة لم يخلُها الانزعاج
“ماذا هناك أيضاً؟”
“في الخارج.. هناك..”
فزع الجميع لسماع دوي اصطدام منتظم بالأرض هز القاعة.
كانت براوني تنظر حولها بدهشة؛ لقد كانت تلك أصوات أقدام جنود مدربين جيداً، وصوت ارتطام رماحهم بالأرض دفعة واحدة لاستقبال شخص ما.
“جلالة الملكة تصل!”
نهض القاضي مرتبكاً، وكان ذلك بمثابة إشارة للنبلاء في القاعة للنهوض جميعاً في وقت واحد.
رأت براوني المفاجأة على وجوههم، لكن سرعة استجابتهم لذكر الملكة جعلتها تخمن أن مثل هذه الأمور ليست نادرة تماماً.
وسط هذا الصخب، التقت عيناها بنظرة مألوفة؛ كان الشاب الوسيم ذو الابتسامة الهادئة لا يزال محافظاً على هدوئه.
‘.. اللورد ويرديل.’
لقد كان ذلك الرجل موجوداً في المحكمة أيضاً عندما تلاقت أعينهما، حرك الشاب شفتيه بكلمات صامتة.
‘..؟’
ماذا يقول؟ ركزت براوني في حركة شفتيه بدقة.
‘اخرجي.. إلى.. الخارج.’
هل يطلب منها المغادرة..؟
لم تفهم السبب، لكن إصراره في لحظة كهذه لا بد أن وراءه علة.
ومع ذلك، لم يكن بإمكانها الخروج الآن والجميع واقفون بانتظار الملكة بدأت براوني تحسب المسافة بينها وبين الباب الجانبي المخصص للشهود بعيداً عن الباب الرئيسي، وبدأت تتحرك خلسة.
أخيراً، ظهرت امرأة ضئيلة الحجم ترتدي الساتان الأسود بالكامل، يحيط بها حرس ملكيون مدججون بالسيوف وكأنهم يسورونها.
لم تلمح براوني وجه الملكة إلا للحظات؛ بدا أن ملكة ألجونكوين أقصر منها طولاً، ومع ذلك كانت تتمتع بوقار وعظمة في وقفتها ومشيتها تجعل من الصعب الاقتراب منها و..
‘إنها امرأة جميلة.’
كان هذا هو انطباع براوني الأول.
“أسمح لكم بالجلوس.”
كسر الصمت صوت رنان وواضح.
كان صوتاً يافعاً بشكل غير متوقع، مما جعل براوني تنظر نحو الملكة لا شعورياً.
كانت حقاً جميلة؛ بشرة بيضاء شفافة تكاد تظهر عروقها، شعر فضي مجعد يلمع حتى تحت الأضواء الخافتة، وملامح دقيقة كدمية تجعل كلمة فاتنة قليلة في حقها.
لكن براوني تذكرت الشائعات؛ الملكة القاسية التي اعتلت العرش في سن السابعة عشرة وأبادت عائلة خصومها السياسيين في عام واحد، الملكة التي قيل إنها لم ترحم حتى طفلاً في الخامسة وأمرت بذبحه ليوبولدين من عائلة ألبريد، أسمى امرأة في مملكة ألجونكوين.
خفضت براوني رأسها وجلست مع الآخرين.
جالت عينا الملكة الرمادية الفضية في القاعة وكأنها تبحث عن شخص ما، ثم استقرت على الماركيز بافيا.
“ماركيز، أحضر لي نتائج الاستجواب التي تمت حتى الآن.”
توجه الماركيز بنفسه نحو كاتب المحكمة وانتزع سجل الاستجواب.
وبصفته رئيساً لـعين الملكه، بدا أنه متمرس في قراءة الاختزال، حيث تصفح الأوراق بسرعة وهمس بشيء ما في أذن الملكة.
أومأت الملكة برأسها وقالت
“أيها القاضي، استأنف المحاكمة سأستمع للبقية بنفسي من هنا.”
ثم ارتمت بجسدها على كرسي مريح أحضره موظفو المحكمة على عجل بجانب مقعد المستجوب.
تغيرت أجواء المحكمة في لحظة بظهور الملكة؛ لم يعد أحد يجرؤ على استخدام مروحته أو تبادل الابتسامات، واختفت همسات الإعجاب بالكونت الشاب الذي صمد أمام هجمات المستجوب.
بدا الماركيز بافيا وكأنه انتظر هذه اللحظة طويلاً اقترب من المتهم بملامح محقق مخضرم، أو ذئب وجد فريسته للتو.
“الكونت دالمور هل تتعرف على هذا الخط المكتوب هنا؟”
ألقى الكونت دالمور نظرة خاطفة على الوثيقة التي في يد الماركيز.
“إنه خط يدي.”
“إذًا، هل يمكنك أن تشرح لنا محتوى ما كُتب هنا؟”
سأل الماركيز ذلك، ثم أضاف شرحاً موجهاً للحضور -وإن كان في الحقيقة يوجهه للملكة وحدها-
“هذه الوثيقة عبارة عن رسالة عُثر عليها في مكتب المتهم أثناء تفتيش قصر الكونت يبدو أنها تحتوي على معلومات عسكرية سرية.. أليس كذلك؟”
“هذه ليست رسالة، بل مسودة كتابة أنا من كتبها، لكني لا أتذكر تفاصيلها بدقة.”
“أيها الكونت، لقد استعرضت قبل قليل موهبة استثنائية في تذكر أحداث وقعت منذ شهرين فكيف لا تتذكر نصاً سطرته يداك بكل هذا الإتقان؟”
“أنا كاتب محكمة يا سيادة المستجوب عملي يتطلب مني كتابة عشرات، بل مئات الوثائق يومياً أليس من الغريب أن أتذكر تفاصيل كل واحدة منها؟”
“بما أنك لا تتذكر، فسأقوم أنا بقراءتها.”
حنحن الماركيز وعدل صوته
” ‘عشرة آلاف خيال عند الحدود الشمالية، وتضاعف القوات بعد غروب الشمس نجاح العملية مرهون بانتظار أسبوع واحد يتم توزيع الرماة في الوادي لإطلاق السهام، ثم محاصرة العدو وإبادته’ ىأليست هذه تفاصيل عملية عسكرية؟ حين نتحدث عن الحدود الشمالية لمملكة ألجونكوين، لا يتبادر إلى ذهني سوى أورلوف.”
“حين أسمعها هكذا، يبدو أن الأمر يحتمل ذلك فعلاً لكنها ليست عملية عسكرية ولا معلومات استخباراتية.”
سعل الكونت دالمور بحرج طفيف وأضاف
“.. إنها مجرد مسودة لقصة كتبتها بخطي السيئ.”
“مسودة قصة؟”
“نعم كنت أفكر في وسيلة لكسب المال عن طريق الكتابة فدونت بضعة أسطر، ويبدو أنها ظلت باقية في المكتب.”
كان عذراً مريحاً إلى أبعد الحدود فإذا عُثر على مذكرة مريبة في مكتب شخص ما وادعى أنها من وحي خياله، يصعب التمادي في استجوابه دون أدلة إضافية، وهذا ما كان يدركه الماركيز جيداً.
“.. ولكن، لماذا لم تذكر هذا الكلام مطلقاً أثناء التفتيش؟”
“لأن المحققين لم يمنحوني فرصة للتوضيح لقد اقتحموا منزلي فجأة، وعاثوا فيه فساداً، ثم اقتادوني بالقوة وبعد ذلك-“
قاطعه الماركيز بحدة
“لا تتحدث في أمور لا علاقة لها بهذه الجلسة هذه الوثيقة تبدو شديدة التفصيل لدرجة يصعب معها تصديق أنها نتاج خيال واهم، ألم تقم بنسخ وثائق سرية من المحكمة بشكل غير قانوني؟”
“يبدو أنك واهم في أمر ما، فالمحكمة العليا لا تتعامل مع المعلومات العسكرية.”
كانت هذه حقيقة يعرفها معظم النبلاء في القاعة وليس الكونت دالمور وحده شعر الماركيز بالخزي لارتكابه خطأً بدائياً كهذا، فاحمر وجهه لبرهة ولزم الصمت.
والآن، ماذا سيفعل المستجوب؟
“.. باختصار أيها الكونت، أنت تقول إنك لا صلة لك بالجثة التي عُثر عليها في بوابة فانشو الشرقية نهاية العام الماضي، ولا صلة لك بأورلوف رغم شرائك قبعة على طرازهم لا نعرف لمن كانت، ولا صلة لك بأسرار الدفاع الوطني رغم كتابتك عن عمليات عسكرية عند الحدود؟”
“هذا صحيح.”
“إذًا، لماذا قاومت محققي عين الملكة باستخدام القوة؟”
“كان ذلك بغرض التحذير فقط، لم تكن لدي نية فعلية للهجوم.”
“وفقاً لأقوال المحقق أولسون، فقد كان يطلب التعاون مع التحقيق للحفاظ على مسرح الجريمة، لكنك كنت من استل سيفه أولاً، أليس كذلك؟”
لم يهتز الكونت دالمور رغم سماعه شهادة ميدانية تدينه.
“لقد قال ذلك الرجل إنه يمثل جلالة الملكة وبصفتي كونتاً يتقاضى راتبه من الأسرة الحاكمة، لم أستطع تحمل سماع كلمات كهذه تخرج من فمه.”
“هذا يختلف عما قاله محققي لقد أخبرني أنه عندما حاول المحققون كبح جماح زوجة الكونت السابقة، قلت أنت شيئاً من قبيل ‘لا تلمسوا زوجتي’.”
حبس الجميع أنفاسهم بانتظار الرد الذي سيخرج من فم الكونت دالمور، وكذلك فعلت الملكة ليوبولدين.
لكنها كانت بارعة في إخفاء مشاعرها خلف قناع من البرود؛ فبمجرد سماعها ما قيل عن الكونت، رفرفت برموشها الطويلة وأغمضت عينيها ثم فتحتهما مرة واحدة فقط.
“.. هذا الكلام ليس خاطئاً تماماً في ذلك اليوم، كانت إجراءات طلاقي من زوجتي السابقة قد انتهت، وكان يوم رحيلها عن إيبوني لم أرغب في حدوث مشاكل في يوم كهذا.”
“أي نوع من المشاكل تقصد؟”
تسربت ضحكة ساخرة من بين شفتي الكونت.
“كنت أخشى أن تصاب زوجتي السابقة بالذعر وتثير جلبة، أو يغمى عليها فتتأذى، مما قد يؤدي إلى زيادة مبلغ النفقة الذي سأدفعه لها.”
عادت موجة من الاضطراب لتجتاح قاعة المحكمة التي كانت هادئة كالمقابر منذ ظهور الملكة.
بدا سبباً مقنعاً لاستلال السيف في وجه محقق ملكي؛ فبما أنه ينفصل عن زوجة تزوجها من أجل المال، فمن الطبيعي أن يرغب في تجنب أي خطر قد يكلفه مبالغ طائلة.
ولكن..
‘رغم أنهما عاشا معاً لثلاث سنوات، ألا يوجد بينهما ذرة من المودة؟’
كان هذا هو لسان حال معظم الحضور.
في هذه الأثناء، لم يكن الماركيز بافيا مرتاحاً.
فبصفته رئيس عين الملكه وقائد جهاز استخبارات الملكة، كان يمتلك خبرة طويلة في كشف المجرمين، وكان يثق بقدرته على كشف الكذب من نظرة واحدة، وبمهارته في ربط الأدلة المبعثرة لإثبات الإدانة.
ومع ذلك، فإن المتهم الماثل أمامه إما أنه وقح للغاية أو أنه يمتلك أعصاباً فولاذية، إذ لم يظهر عليه أي ثغرة.
‘حسناً، ما الذي يجب أن أنبش فيه أكثر؟’
وبينما كان الماركيز يحدق في المتهم بغضب، رفعت جلالة الملكة يدها البيضاء.
وقبل أن ينطق القاضي بكلمة، كانت شفتاها قد انفتحتا بالقول
التعليقات لهذا الفصل " 27"