[في الخامس والعشرين من ديسمبر من العام الماضي، عُثر على جثة رجل من أورلوف قرب الخط الحدودي لفانشو رجل في الثلاثينيات من عمره، ويُرجَّح أن سبب الوفاة هو أنَّه، وهو في حالة سُكر شديد، نام في الطريق فدهسته عربة.
في البداية أُبلِغ عن الحادث على أنه حادث دهسٍ عادي، غير أنّه أثناء التفتيش عُثر داخل المعطف الخارجي للمتوفّى على شعار الأسرة النبيلة العريقة لآل أورلوف.
فُتح تحقيق إضافي، لكن يبدو أنه أُوقِف بسبب محدودية المعلومات المتاحة داخل البلاد عن أسرة أورلوف وتوجد احتمالية اغتيال أو ثأر من عائلة معادية.]
قرأ كيث مذكرة ديميتري ما يقارب ثلاث مرات، ثم ألقاها في نار الموقد حتى احترقت كانت مذكرة مخبأة في ثنية الثوب الذي أصلحه استعدادًا لحضور جلسة المحكمة في اليوم التالي.
“اغتيال أحد أبناء أورلوف على يد خصم سياسي في العاصمة… لقد تعقّد الأمر.”
أورلوف دولة اتحادٍ من أقاليم تحكمها أسر إقطاعية، من دون ملك ويتولى حاكم الإقليم الأكبر والأقوى لقب الدوق الأكبر ، فيمثّل الدولة ويتولى، عند الطوارئ، قيادة الجيوش التي تُستدعى من مختلف الأقاليم.
وبسبب طبيعتها الجغرافية الشاسعة، التي تغطي الأنهار الجليدية والبحيرات أكثر من نصف مساحتها، لم تكن أورلوف
أرضًا ملائمة لقيام ملكية مركزية قوية على غرار ألجونكوين إلا أن أكثر من تسعين بالمئة من سكان تلك الأراضي ينتمون إلى عرق واحد، بل ويعتنقون الدين نفسه، وهو ما منحهم ميزة التماسك حتى بين الأقاليم المختلفة.
غير أنّ اختلاف طرق عبادة الحاكم ذاته أدّى إلى انقسام البلاد إلى معسكرين، واندلاع اقتتالٍ داخلي بين أبناء العرق الواحد قبل اثني عشر عامًا.
والحقيقة أن السبب لم يكن دينيًا بحتًا، بل تشابكت فيه مصالح الأقاليم المختلفة.
دامت الحرب الأهلية أكثر من عامين، وغرقت خلالها أورلوف بالدماء، قبل أن تنتهي بتغيير أسرة الدوق الأكبر، وخسارة مئات من أمراء الأقاليم وأفراد عائلاتهم، وآلاف من جنودهم، وعشرات الآلاف من الأبرياء.
وكانت شارة الأسرة التي آلت إليها الدوقية في النهاية هي زهرة الربيع، ولذلك أُطلق على تلك الفتنة في أورلوف والدول المجاورة اسم حرب زهرة الربيع.
كانت مذكرة ديميتري تلمّح إلى أن هوية الجثة التي عُثر عليها قرب فانشو في نهاية العام الماضي على صلة بتلك الحرب الأهلية.
“هل هو ثأر من أمراء فقدوا نفوذهم آنذاك…؟”
نظرًا لانقطاع العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين ألجونكوين وأورلوف، لم يكن كيث على درايةٍ دقيقة بأوضاع تلك البلاد.
لكنه كان يعلم أن الحروب الأهلية، مهما كان زمانها أو مبررها، تخلّف نزاعات تمتد آثارها إلى الأجيال اللاحقة.
ولم يكن من المعقول أن يكون جميع الأمراء الذين أُزيحوا عن مناصبهم وأتباعهم قد أُبيدوا بالكامل.
حتى كيث، الذي لا يعرف الكثير عن شؤون أورلوف، استطاع بسهولة أن يتخيّل أن أولئك الذين فقدوا عائلاتهم وألقابهم في الحرب الأهلية ما زالوا يشحذون سيوفهم طلبًا للانتقام.
كما كان من الممكن أيضًا أن يكون أحد من خان رفاقه في تلك الحرب قد هرب إلى ألجونكوين خوفًا من انكشاف أمره، ثم دفع ثمن خيانته في النهاية وفي كلتا الحالتين، لا علاقة لذلك بكيث شخصيًا.
“…وربما لا علاقة لديميتري أيضًا.”
كان ديميتري من أبناء أورلوف.
غير أنّ ديميتري بدأ العمل لدى أسرة دالمور قبل سبع سنوات، وكان قد قدم إلى ألجونكوين قبل ذلك بزمنٍ أطول، مُخفيًا أصله، ولم يسأل كيث قط عن ماضيه.
بل إن ديميتري هو من بادر بالكشف عن كونه من أورلوف وبالنظر إلى ذلك، لم يكن مستغربًا أن يقلق ديميتري إلى هذا الحد حين أُلقي القبض على كيث من قِبل عين الملكة بتهمة التواطؤ مع أورلوف.
“لكن ديميتري لا علاقة له بهذه القضية.”
في ديسمبر، كانت إيبوني هايتس لا تزال تنعم بالسلام ولم يغادر ديميتري إيبوني قط.
ورغم أن كيث لم يكن يراقب تحركات خدمه بدقة، فإن ديميتري كان، كلما غادر الإقطاعية، يحرص على إبلاغ كيث أو برايونـي، لا بهدف خروجه فحسب بل وحتى بموعد عودته، إلى درجة أن كيث كان يتساءل أحيانًا ما إذا كان عليه أن يقيم له حفل استقبال في كل مرة يعود فيها.
وبفضل ذلك، كان كيث على دراية كاملة بتحركات ديميتري، ويتذكر جيدًا أنه لم يغادر إيبوني طوال ذلك الشهر.
أما هوية الجثة، فالغالب أن صديقًا من وطنه كان يوافيه أحيانًا بالأخبار هو من أبلغه بها وفي هذا الشأن أيضًا، كان كيث يثق بخادمه ثقة تامة.
“إذن، لا علاقة لتلك الجثة بدالمور.”
المشكلة أن حرس فانشو، وكذلك عين الملكة لا يعرفون مع من ترتبط تلك الجثة.
بل لعل معلوماتهم أقل حتى مما يعرفه ديميتري.
وبالنظر إلى ظاهر الأمور، كان من الممكن افتراض ببساطة أن
“نبيلاً من أورلوف كان يتجول في بلدٍ أجنبي، فثمل ونام في الطريق وسُحق بحادث عربة”.
فديانة تلك البلاد، على ما يبدو، لها طقوس احتفالية في مثل ذلك الوقت من العام.
لكن هوية المتوفى، وملابسات موته المريبة إلى حد ما، بدت متقنة أكثر من اللازم.
وبالنسبة إلى عين الملكة ، التي كانت متعطشة لتلفيق أي ذنب لكيث، فإن الأمر سيكون أكثر إثارة للشبهات.
على سبيل المثال—
“قد يزعمون أنني، بما أن إيبوني قريبة من فانشو، ولأن هناك من يعرف تواصلي مع أورلوف، قمت بإسكاته بقتله متظاهرًا بأنه حادث دهس.”
ولو أرادوا ذلك، فسينصبّ تركيزهم على مكان كيث وما كان يفعله في الوقت المفترض لوفاة الرجل.
“ماذا كنت أفعل في ذلك اليوم…؟”
مرّ شهران على ذلك اليوم، ومن غير المعقول أن يتذكر التفاصيل بدقة.
وعدم تذكّره يعني أن اليوم مضى بشكلٍ اعتيادي، وهو ما كان مدعاة للارتياح.
فإن كان في المحكمة، فهناك سجلات الدوام.
وإن أجرى معاملة تجارية، فهناك إيصالات وإن وقّع على وثائق في إيبوني هايتس، فثمة سجلات بذلك أيضًا.
في إيبوني هايتس، كان معظم الخدم عاجزين عن التخلي عن عاداتهم البائسة التي اكتسبوها قبل خدمة سيدة ثرية، فكانوا يسجلون بدقة مَرَضية كل رطل سكر أو زجاجة حليب أُخذت أو استُهلكت وقد أظهر ديميتري كفاءة استثنائية في تنظيم تلك السجلات وتحويل إجراءات التوثيق إلى نظام متكامل.
عندما بدأت برايونـي، بصفتها كونتيسة، التدخل في شؤون إدارة إيبوني هايتس الداخلية، لمعت عيناها إعجابًا بذلك النظام.
“يمكنك أن تنشر هذا النظام في كتاب.”
حين قال ديميتري، وقد سُحر بموهبته، الكلام نفسه في وقت سابق، ردّ عليه كيث ببرود
“الأسَر التي تملك رفاهية شراء مثل هذا الكتاب لا تحتاج أصلًا إلى الاقتصاد في السكر أو الزبدة.”
لكن حين قالت برايونـي ذلك، ابتسم وأجابها
“إذن، عندما تعتادين عليه، يمكنك أنتِ نشره في كتاب، برايونـي.”
غير أنه لم يمنحها الوقت لتعتاد عليه.
كان ينبغي عليه أن يركّز تفكيره على أحداث الخامس والعشرين من ديسمبر، لكن ما إن استحضر الذكريات حتى انسابت أفكاره تلقائيًا نحو برايونـي، ثم إلى شوبرلي حيث أقامت لفترة، ثم إلى عرض الزواج الذي تلقته من لورد ويرديل.
“ما إن أخرج من هنا، سأرسل أمر صرف إلى السير جيديون آلرينغتون لتحويل إرث الليدي آلرينغتون إلى برايونـي وسأطلب من ديميتري أيضًا أن يبحث لها عن منزل مناسب أما عرض زواج لورد ويرديل، فذلك الأمر—”
“سير ثيودور بايرون تحديدًا… لا.”
كان ثيودور بايرون شخصًا مزعجًا منذ أن كان فتى في الثامنة عشرة عالي اللقب، ثريًّا، متفوقًا في المبارزة، والفصاحة، والذكاء، والحس الفني، وكان أكثر ما يتباهى به هو وسامته.
وقد استغل مظهره جيدًا، فكم من امرأة أبكاها منذ ذلك الحين؟ وباعتباره الابن الأكبر لدوق يحكم إقليمًا كاملًا، بدأت عائلات النبلاء في أنحاء المملكة تتنافس على مصاهرته قبل أن يبلغ سن الرشد، حتى قيل إن عروض الزواج كانت تأتيه مرة كل أسبوع.
ولم يكن هو من يتفاخر بذلك، بل حاشيته، يتباهون وكأن الأمر يعنيهم شخصيًا، في مشهد يبعث على الاشمئزاز.
ومع ذلك، ما دام ينتمي إلى عالمٍ مختلف عن عالم كيث، فلا بأس ما داما لا يتقاطعان لكن ثيودور بايرون لم يكن يرى الأمر كذلك.
“يا دالمور، لنتبارز إن فزتُ، عرّفني على أختك.”
“لا أرغب في أن أضع أختي كجائزة في رهان تافه.”
“آه، يا لك من ممل حسنًا، إن فزتُ، فدعني أرقص معها فالسًا واحدًا في مهرجان الصيف.”
“كيتلين لن تحضر المهرجان والدي منعها من الذهاب بسبب أمثالكم.”
لم تزُر كيتلين الأكاديمية لرؤية كيث إلا ليوم واحد فقط، ومع ذلك التقط ثيودور الأمر كالشبح، وأخذ يضايقه طوال فصلٍ دراسي كامل بتلك الطريقة.
وبما أن مهارة الفتيين في المبارزة كانت متقاربة، فإن شخصية ثيودور التي لا تحتمل الخسارة جعلته أكثر إصرارًا.
وكان كيث يرد عليه بما استطاع، لكن ردوده كانت تزيده استفزازًا، فلم يترك فرصة إلا واستفزه، وكان أعظم ما في تخرجه من الأكاديمية أنَّه لم يعد مضطرًا لرؤية ذلك الرجل مجددًا…
“ثم يتجرأ على خطبة برايونـي…!”
وفوق ذلك، بعد أن جف حبر وثائق الطلاق بالكاد، قطع المسافة إلى شوبرلي بنفسه.
“هل ستقبل برايونـي بهذا العرض؟”
كلما فكّر في ذلك، عجز كيث عن الثبات في مكانه أخذ يجوب الغرفة بجنون، مكررًا السؤال ذاته مرارًا.
“أنتِ شابة لكِ الحق في زواج أفضل من هذا.”
كان صادقًا حين قال ذلك يوم طرح مسألة الطلاق.
لقد قاله لأنه تمنى أن تجد برايونـي يومًا رجلًا تحبه حقًا، وتعيش معه كزوجة حقيقية لا زوجة بالاسم فقط.
لم يقصِد قط أن تُطلّق ثم تُخطب فورًا لرجل يكرهه.
صحيح أن تلقيها عرض الزواج ليس ذنبها.
وطالما أن السير جيديون آلرينغتون مهووس بالألقاب النبيلة إلى هذا الحد، فلن يكون عرض ثيودور بايرون الأول ولا الأخير.
“إن تزوجت برايونـي رجلًا آخر…”
حين بلغ فكره هذه النقطة، تجمّد عقل كيث كان الإحساس ذاته يلازمه منذ أن بدأ يسمع أخبار برايونـي من ديميتري.
لو سأله ديميتري “إذن لماذا طلّقتها؟” لما استطاع أن يفضي إليه بما في صدره.
حقًا، لماذا طلّقها؟ لأن جلالة الملكة أساءت استخدام سلطتها وتعلقت به على نحوٍ خطر، ولأنه رأى أن إطلاق سراح برايونـي أفضل من جرّها إلى هذا المستنقع ومع ذلك…
“إن أصبحت برايونـي زوجة رجلٍ آخر…”
كانت زوجته التي لم يحتضنها قط زوجته التي لم يقبّلها ولو مرة واحدة أن يتخيل أن رجلاً مثل ثيودور بايرون، أو رجلًا لا يعرفه أصلًا، سيأخذها زوجة، ويضمها كما يشاء، ويقبّلها كما يشاء—
“هل أستطيع تحمّل ذلك؟”
لم يكن يظن أنه قادر على ذلك ومع هذا، إن لم يثبت براءته في جلسة الغد، فستصبح برايونـي زوجة رجلٍ متهم بالخيانة، ولذلك كان عليه، مهما كلّف الأمر، أن يبرئ نفسه.
من أجل برايونـي.
تمتم بذلك موجّهًا الكلام إلى نفسه.
“من أجل برايونـي…”
***
لم تستطع برايونـي النوم بسهولة.
لم يكن هناك ما تستعد له على وجه الخصوص غدًا، إذ كانت جلسة محاكمة كيث مقررة.
أخرجت ميرتل الثوب الذي سترتديه من حقيبتها ورتبته لها، وشرح لها ديميتري إجراءات المحاكمة، وأخبرها أنه سيأخذها إلى فانشو صباح الغد هذا كل ما كان مطلوبًا.
حين سألته عن أحوال كيث بعد أن ذهب لزيارته مؤخرًا، أبدى الخادم تعبيرًا غامضًا وقال فقط
“ستتمكنين من الاطلاع على الأمر بنفسك في قاعة المحكمة.”
ربما كان هذا سببًا آخر لعدم مقدرتها على النوم.
فمنذ أن افترقوا في إيبوني، لم تلتقِ كيث منذ ما يقارب الشهر وبحسب الخادم، فقد سمح كيث لها بالحضور كشاهدة في المحاكمة.
سواء أقرّ بذلك أو لم يقرّ، فقد كانت لا تزال السيدة السابقة لدالمور، وبالتالي من الطبيعي أن تحضر المحكمة.
“أحقًا لا يوجد شيء يمكنني قوله له في المحكمة؟”
“ما عليك سوى الإجابة على أسئلة المستجوب بالحقائق كما هي، يا آنستي. موكبك يكفي، فالسيد بريء.”
“ولكن إن جرّتني أسئلة استدلالية، أو قلت شيئًا قد يكون ضده دون قصد مني؟”
“هذا شأن السيد نفسه… بالمناسبة، قد استُدعِي نبلاء فانشو لحضور الجلسة، هل هذا يزعجك؟”
“حتى لو أزعجني، فما العمل؟”
حين سألها ذلك، بدا ديميتري مرة أخرى مبتسمًا بشكل غامض، وكأن عينيه تحملان لمحة من الدعابة.
“فقط… شعرت وكأنني أرى أحدهم.”
ثم تملص من الشرح، وألقى بضع كلمات مدح حول الفستان الذي اعتنت به ميرتل ونسقتخ بعناية، ودعا الجميع للنوم مبكرًا.
استلقت برايونـي مرة أخرى على جانبها.
“لا بأس بحضور النبلاء… لكن…”
هل سيأتي اللورد ويرديل أيضًا؟
تساءلت عما إذا كان ديميتري قد أخبر كيث أنها قد تلقت عرض زواج من اللورد ويرديل في الواقع، منذ أن قال لها الخادم أنه زار كيث، كانت ترغب في معرفة ذلك، لكنها ترددت عن السؤال.
فلو كانت نيتها مساعدة كيث على إثبات براءته كي لا يعيق إعادة زواجها، لم يكن من المناسب أن تفكر في ما إذا كان يعلم بعرض الزواج أم لا.
كما أنها لم تكن واثقة من شعورها تجاه رغبتها في أن يعرف كيث.
كانت هذه التساؤلات مجرد ذريعة لتبرير حضورها المحكمة فهي لا تنوي الزواج مجددًا، سواء من اللورد ويرديل أو من غيره.
“إذن، لماذا أرغب في مساعدة كيث؟”
هل لأنّه بريء؟ أم لأنه مظلوم وحُمل عليه الظلم؟ أم بسبب الوفاء لما كانوا عليه كزوجين؟ كانت تلك الإجابات تظهر ثم تختفي.
لكنها في أعماق قلبها كانت تعرف الحقيقة غطّت رأسها بالوسادة، وأخرجت الإجابة التي لم تفصح بها لأحد، وهمست بها في سرها
‘…أريد أن أراه مرةً أخرى.’
من البداية، لم يكن هناك شيء آخر في قلبها سوى ذلك.
منذ مغادرتها موطنها، ومنذ أن أخبرها اللورد ويرديل بما حدث لكيث، وحتى حين شاهدت ظله يبتعد عبر نافذة العربة التي أقلّها ديميتري في إيبوني…
التعليقات لهذا الفصل " 24"