‘كما توقعت….إنها رائحة الدم.’
حاولت فانيسا أن تنهض وهي تكبتُ غثيانها، لكنها عجزت عن صرف بصرها عن المشهد المروّع.
جسد الرجل الساقط وقد تضخّم على نحو مفرط، وأطرافه الملتوية على نحوٍ شاذ.
“فانيسا.”
تقدّم فيلياس نحوها عابرًا الأرض المبتلة بالدماء والقاذورات.
“إذًا فهذا….أنا….”
‘لا بأس. ليس خطرًا. تماسكي.’
وبّخت فانيسا نفسها، لكن ما إن وقف أمامها حتى طفت على ذاكرتها صورة والدها الميت.
“هذه….هذه الحشرات الحقيرة….”
يدٌ ممدودة، ودمٌ ينتشر. فشهقت فانيسا لاهثة، بينما دار بها النظر وخارت قواها.
“لا أستطيع….التنفس….”
“فانيسا، فانيسا. سأفعل فقط….”
حين مدّ فيلياس يده نحو وجهها، أدارت فانيسا رأسها فزعًا.
“لا….تلمسني….”
قالت ذلك وهي تلهث، فتجمّد فيلياس في مكانه.
خرج لتَوّه من ذلك الجحيم، ومع ذلك بدا مظهره أنيقًا على نحوٍ يبعث على النفور.
لكن بقع الدم المتسرّبة في ملابسه السوداء وقفازات الصيد لم يكن بوسعه إخفاؤها. ورائحة الدم المنبعثة منه زادت رأسها المشوش اضطرابًا.
‘آه، فهمتُ الآن.’
همست فانيسا لنفسها، كأن قطع اللغز في ذهنها بدأت تلتئم أخيرًا.
“مجرم….دار….الأوبرا….”
ارتجفت عينا فيلياس، ومع رؤيتها لذلك تابعت كلامها بصعوبة.
“كنتَ تخفي الأمر عني….أنكَ….عثرتَ عليه منذ زمن….”
في الحقيقة كانت فانيسا تشك في أن ذلك مجرد حيلةٍ لإبقائها إلى جانبه.
فلو ظل المجرم الذي كاد يقتلها يتجول بحرية، لما استطاعت أن تتحرك بتهور، ولما استطاعت أن تتركه.
كان افتراضًا مخيفًا، لكنه لم يكن الحقيقة. بل هذه هي الحقيقة.
“لأن لدي….صدمة….”
“فانيسا.”
“وأنتَ….شخصٌ عنيف….”
شعرت فانيسا بأن وعيها يزداد ضبابية.
لا بد أن المجرم الذي دفعها في المسرح لقي نهايةً بائسة هو الآخر. تمامًا كالرجل الممدد هناك، وقد صار جسدًا لا يمكن تمييز معالمه.
كانت تعلم أنها لا تستطيع إلقاء اللوم على فيلياس بلا تفكير. كما كانت تفهم أنه حاول بطريقته حمايتها.
لكن الحقيقة التي كشفتها بفتح الباب كانت أعنف مما تخيلت. والدم والعنف، بغضّ النظر عن إرادتها، أوقعاها في نوبة هلع.
كان فيلياس ما يزال يحدّق بها ووجهه شاحبٌ كالثلج.
وبعقلٍ يختنق بنقص الأكسجين تمتمت فانيسا وهي تنظر إليه.
“لم أعد….أستطيع….”
زفرت فانيسا زفرةً حادة، ولم تعد تقوى على الاحتمال، فسقطت على الأرض الباردة.
***
“ليون.”
أغلق فيلياس، ذو السبعة عشر عامًا، الباب خلفه. و كان والده، الإمبراطور السابق، راقدًا على سرير المرض.
كان قوي البنية إلى حدٍ يصعب معه نعته بالعجوز، لكن ملامحه المنهكة وصوته كشفا بوضوحٍ عن وطأة المرض.
“أجئتَ الآن لتتفقدني؟”
ارتسمت على وجه فيلياس ابتسامةٌ نادرة.
كان قد عاد لتوّه من ساحة المعركة. وكان قصده من زيارة غرفة والده فور عودته هو التحقق من الخبر السار الذي سمعه في الطريق.
“يقولون أنكَ ستموت قريبًا، أليس كذلك؟”
نقر الإمبراطور السابق بلسانه وهو ينظر إليه.
“نعم، أيها الوغد. ألا يمكنكَ حتى أن تتظاهر بالحزن؟”
اقترب فيلياس بخطواتٍ ثقيلة من سرير والده. و تساقط وحلٌ بارد من معطفه العسكري الشتوي فبلل السجادة.
جررر-
سحب كرسيًا قريبًا وجلس، ثم،
“هناك كلامٌ أردتُ قوله لكَ منذ زمن. كنتُ أنتظر هذه اللحظة بالذات. كلامٌ أريد أن تسمعه قبل أن تموت مباشرة.”
و بدا أن الإمبراطور السابق غير مكترثٍ كثيرًا.
“إن كان كذلك فانتظر أسبوعًا آخر. أظنني سأموت حينها.”
هزّ فيلياس رأسه.
“اسمعه الآن. فعلى عكسكَ، أنا مشغول.”
مال فيلياس بجذعه إلى الأمام وهو جالس، وتحدث بصوتٍ خافت.
“يومًا ما سأحرق إمبراطوريتكَ عن بكرة أبيها.”
“…….”
تابع فيلياس كلامه بمتعةٍ ظاهرة، وقد لمع في عينيه سرورٌ مجنون.
“أرتور، وباستيان، وإيفانجلين، سيموتون جميعًا اختناقًا بالدخان. حتى فريتز الصغير وكونراد، سأقطع نسلكَ كله. لذلك لا تفكر حتى في أن تغمض عينيكَ بسلام.”
بعد أن سمع الإمبراطور السابق كلماته كاملة، فتح فمه ببطء.
“حسنًا، لِنفترض أن غير ذلك يمكن تجاهله، لكن قولكَ إنك ستقطع النسل، ما معنى هذا؟”
“أصعبٌ عليكَ الفهم؟ يبدو أن دماغكَ قد مات نصفه بالفعل.”
فردّ الإمبراطور السابق وهو ينظر إلى ابنه الأصغر بعينين باردتين.
“حتى لو مات إخوتكَ وأخواتكَ جميعًا، ألستَ موجودًا؟ فأنتَ، الأكثر شبهًا بي.”
عند الجملة الأخيرة شدّ فيلياس أسنانه، ثم أطلق ضحكة ازدراءٍ من جديد.
“بل أنتَ من يهذي. أنا ميتٌ أصلًا.”
“أنتَ….”
قد يبدو الكلام لأول وهلةٍ تمردًا صبيانيًا طائشًا، لكنه كان مختلفًا.
فأدار الإمبراطور السابق رأسه ونظر إلى وجه فيلياس مباشرةً للمرة الأولى.
لم يكن مزاحًا ولا سخرية. ذلك الفتى ذو السبعة عشر عامًا كان يؤمن حقًا أنه ميت.
تنهد الإمبراطور السابق بعمق.
كان قد سمع شائعاتٍ عن أن الأمير الأصغر يفقد صوابه. ظنها افتراءاتٌ معتادة فتجاهلها، لكنه لم يتوقع أن تكون هذه أوهامًا مرضيةً بهذه الغرابة.
“إذًا فالكلام عن أن الجنون يسري في دم سايران كان صحيحًا.”
“ماذا؟”
قطّب فيلياس حاجبيه.
“لم يعد لذلك أي أهميةٍ الآن.”
تمتم الإمبراطور السابق، ثم أسند رأسه إلى الوسادة العالية وأغمض عينيه.
“افعل ما يحلو لكَ، ليون. فلن يبقى لكَ وقتٌ طويل على أي حال.”
“أفعل….ما يحلو لي؟”
“نعم. علّق إخوتكَ وأخواتكَ جميعًا على المشانق، أو أحرق القارة بأكملها. ما شأني أنا؟ سأكون قد غادرت هذا العالم.”
“هاه.”
فنهض فيلياس دافعًا مكانه بعنف.
“أهذا كلامٌ يُقال؟”
“ولِمَ لا؟ سأموت قريبًا.”
الرد الفاتر صبغ وجه فيلياس، الذي لم يخلع بعد ملامح الصبا، بالغضب.
و على عكس خمولِه المعتاد، بدا محتقنًا ومنفعلًا.
“إن كنتَ ستموت هكذا، وإن كنت ستتركني بهذه السهولة، فلماذا حطّمتني إلى هذا الحد؟”
“…….”
“أجبني! أنتَ من علّمني! أنتَ من دفعتني إلى الخنادق! إن لم يكن لشيءٍ أي قيمة، فلماذا صنعتني أصلًا؟!”
“الآن فقط صرتَ تتساءل عن هذا؟ ألم تقل أنك ميت؟”
“ابن كلب.”
ركل فيلياس الكرسي. فدوّى الصوت، وسمع اضطراب الخدم في الممر خارج الغرفة.
انتزع فيلياس بعنفٍ الستارة المعلقة على الجدار. و مزّق الراية التي ترمز إلى مجد الإمبراطورية.
و كان الإمبراطور السابق يراقب هياجه بنظرةٍ متعبة لا أكثر.
طنين-
تحطّمت الزينة الكريستالية المثبتة في الشمعدان، وشقّت شظاياها الحادة كفّ فيلياس.
و حدّق لحظة في يده النازفة بذهول، ثم كأنه أدرك شيئًا، فاستدار. و تقدّم بخطواتٍ ثقيلة نحو الإمبراطور السابق، ورفع يده إلى وجهه.
“انظر. انظر جيدًا.”
“…….”
“ها هي. ما زالتُ هنا. لم أمت بعد!!”
وانتهى به الأمر ممسكًا بتلابيب الإمبراطور.
“سمو الأمير!!”
ثم اندفع الخدم أخيرًا محاولين فصل فيلياس عنه.
“أجبني!! قل أي شيء!!”
توجّهت عينا الإمبراطور السابق الشاحبتان، اللتان ظلتا صامتتين طوال الوقت، نحو فيلياس.
ثم أطلق ضحكةً مكتومة، كأن الأمر يثير سخريةً عميقة.
“مسكين.”
طخ-
أفلت فيلياس اليد التي كانت تمسك بياقة الإمبراطور. و تراجع إلى الخلف بعينين زائغتين.
***
“سيدي الدوق!!”
“…….”
“أنتَ تعلم! أن مجرد فرط تنفس! لا أحد يموت من فرط التنفس، أنتَ تعرف ذلك يا سيدي!”
مع صرخة سوريل عاد فيلياس إلى الواقع. و عندما استعاد وعيه، كان راكعًا ومنكفئًا على أرضيةٍ حجرية باردة.
ما تراءى أمامه شعرٌ أحمر يضطرب كأمواج الدم. وما يمسكه بإحكام كانت يدها الصغيرة الباردة.
انفتحت عينا فانيسا ببطء، وانعكست حدقتاها الشبيهان بحجر الزبرجد على فيلياس.
وكان لا يزال يستطيع أن يقرأ الخوف المرتجف في أعماقهما.
‘يا حبيبتي.’
فكّر فيلياس وهو يرى الدموع تنساب على وجه فانيسا.
‘أنا سُمّكِ.’
فترك يد فانيسا. ثم رفع جسدها اللاهث وضمّها إلى صدره.
“تنفّسي، فانيسا.”
ألصق فيلياس شفتيه بأذنها البيضاء كالفخّار، وتوسّل بصوتٍ مبللٍ بالرجاء.
“ابقَي إلى جانبي.”
____________________
احا واجد يعني هو عرف انه سبة خوف فانيسا بس مب مخليها ✨😔
الموضوع توكسيك بس فيه رومانسيه يعني مدري وينها
المهم عساها فترة وتعدي ابيهم يرجعون زي اول مب صعب صح؟😭
كله من سوريل ليه ماقعد مع فانيسا لين يجي فيلياس
وكله من فريدريش الحمار بعد من يوم ناداها في الحفله والوضح مدحدر
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 99"