ضحكت فانيسا بسخريةٍ لشدّة ما بدا لها الأمر سخيفًا.
“لا، كيف يمكن أن يُفهم هذا بهذا المعنى….آه، كفى. لديّ ما يشغلني، سأستأذن الآن.”
ما إن استدارت وبدأت بالمشي حتى لحق بها الدوق بخطواتٍ هادئة.
‘هل أستدعي الحراس؟’
لكن مهما يكن، فلن يُقدم الدوق على تصرّفٍ أحمق في مكان كهذا.
ثم إن من الواضح أصلًا أن له غايةً أخرى من فانيسا. وفوق ذلك، لو كان يريد إيذاءها لفعل ذلك منذ زمن.
و من دون أن تلتفت، ألقت نظرةً خاطفة حولها، فرأت خادمات قصر بيسينتي واقفاتٍ خلف سياج الحديقة القريب. كنّ يراقبن فانيسا وهنّ على أهبة الاستعداد للتدخل في أي لحظة.
“هممم.”
فأطلق الدوق صوتًا أنفيًا بدا فيه مستمتعًا.
“ألسن لطيفات؟ مثل الحشرات، متجمّعاتٌ هكذا ويحدّقن بنا.”
“ليس بنا، بل بكَ أنتَ….”
“ما رأيكِ، أنختار واحدةً منهن ونقتلها؟”
سأل وهو يشير برأسه نحو الخادمات، بنبرةٍ تشبه سؤالًا عن قائمة طعام الفطور.
‘مختلّ.’
فردّت فانيسا من دون أن تتوقف عن المشي.
“إن كان كلامكَ لاستفزازي فلا فائدة منه. أنا عديمة الإحساس إلى حدٍّ كبير.”
“حقًا؟ مؤسف. كنتِ لطيفةً جدًا وأنتِ غاضبة.”
ثم صار الدوق يمشي بمحاذاتها.
‘ما الذي يخطط له بالضبط.…؟’
حين فكّرت بالأمر، تذكّرت أن الدوق فاليندورف في حياتها السابقة كان ينظر إليها أيضًا كأنها حشرة.
لم يكن يُخفي ذلك الاشمئزاز الصريح، ومع ذلك ها هو الآن يتصرّف مع فانيسا الحالية، التي تبادله العداء، بكل هذا التعلّق.
لا بدّ أنه منحرفٌ من الطراز الرفيع، هكذا فكّرت وهي تُكمل الطريق.
“بالمناسبة يا نيسا، إن كنتِ ذاهبةً لمقابلة ليون، فأنتِ تسلكين الطريق الخطأ.”
“……؟”
“ليون الآن في قصر وليّ العهد. وبالتحديد….في الطابق السفلي.”
توقفت فانيسا فجأة. فابتسم الدوق ابتسامةً جانبية.
“يبدو أن سوريل لم يخبركِ بعد. وكما تعلمين، في القصر الرئيسي عيونٌ كثيرة.”
‘إذًا كان يعلم بأمر البارحة.’
“….لم تكن لكَ يدٌ مباشرةً فيما حدث أمس، أليس كذلك؟ إن كان الأمر كذلك، فأنا أحمل مسدسًا الآن.”
نظر الدوق إليها بصمتٍ لحظة، ثم مدّ فجأة يده اليمنى نحو وجهها. فانتفضت فانيسا وتراجعت خطوة. بينما سَرَتْ خفّةٌ ما في الهواء بينهما.
“كان عالقًا بشعركِ.”
ما أمسكه الدوق كان قطعةً صغيرة من ورقة شجر، يبدو أنها طارت أثناء الفوضى قبل قليل.
انحنى الدوق قليلًا، مقلّصًا المسافة بينهما، وهمس عند أذنها،
“أتعلمين يا نيسا؟ هل أخبركِ بسرّ؟”
“……؟”
“أنا لستُ من دسّ السمّ لليون. لكنني أعرف تقريبًا أين يختبئ ذلك الوغد الآن. أتشعرين بالفضول لمعرفة المكان؟”
ترددت فانيسا ثم أومأت برأسها بخفّة. فارتسم قوسٌ طويل في عيني الدوق.
“سأخبركِ. فقط اذهبي معي في موعدٍ واحد.”
“….اذهب إلى الجحيم.”
استدارت فانيسا بعنفٍ وابتعدت. ومن خلفها، انفجر الدوق ضاحكًا.
“إلى اللقاء، نيسا! آه، وبلّغي صديقكِ القرصان! إنه يبحث في المكان الخطأ تمامًا!”
توقفت فجأة.
‘صديق قرصان.…؟ هل يقصد إرفين؟’
خلفها، دوّى صوت أقدام الدوق وهو يدوس أغصان الشجيرات، يبتعد وهو يدندن لحنًا مجهولًا بلا اكتراث.
***
رافقت خادمات قصر بيسينتي فانيسا إلى قصر وليّ العهد. وبالطبع، كان هذا المكان جديدًا عليها تمامًا.
“آنستي.…؟ كيف جئتِ إلى هنا….”
أول من صادفته في الردهة كان سوريل. كان يرتدي الملابس نفسها التي بالأمس، وتحت عينيه ظلالٌ داكنة توحي بأنه سهر طوال الليل.
“رأيتَ جنودًا يرتدون زيّ دوقية فيلياس في الجوار.”
لم يكن ذلك كذبًا تمامًا، وإن كانت قد لاحظتهم بعد وصولها إلى قصر وليّ العهد.
“هل استعاد سموّ الدوق وعيه؟”
عند سؤالها، أدار سوريل عينيه في ارتباك.
“آه، لـ، ليس بعد، ليس بعد. لكن، أ، أظن أنه سيستيقظ قريبًا.”
“هل تتكرمين بالانتظار قليلًا في غرفة الاستقبال؟ سأذهب لأبلغه.”
“….…”
ما إن دخلت غرفة الاستقبال حتى بادر الخدم، وكأنهم كانوا بانتظارها، بإحضار سلّةٍ مليئة بالمعجنات.
وتقدّم رجلٌ يرتدي قبعة الطهاة، فانحنى بأدب.
“أنا جان لوك، حلواني قصر وليّ العهد، آنستي. وهذا أمامكِ هو أكثر أنواع المعجنات تعددًا في الطبقات في الإمبراطورية. يشرفني أخيرًا أن أقدّمه لكِ.”
قال ذلك وهو ينفخ صدره بثقة.
“حسناً.”
و ردّت فانيسا بلا مبالاة، فارتسمت خيبةٌ واضحة على وجوه الحلواني والخدم معًا.
“ألن تتذوقيها، آنستي؟”
“حسناً.…”
مدّت فانيسا يدها نحو السلّة ثم سحبتها.
لكنها لم تكن تشعر برغبة في الأكل إطلاقًا. فنهضت من مكانها.
“أين السلالم المؤدية إلى الطابق السفلي؟”
نظر الحلواني إليها باستغراب.
“لا يوجد في الطابق السفلي لقصر وليّ العهد سوى مخازن فارغة، آنستي. لا أظن أن هناك ما قد يثير اهتمامكِ.”
“….أظن أن مذاق المعجنات سيغدو أوضح بعد جولةٍ قصيرة في الأسفل.”
“.…؟ آه! صحيح! فالقليل من التنزّه يفتح الشهية! أيها الخادم، رافق الآنسة إلى مخازن الطابق السفلي!”
قادها الخدم فورًا إلى الأسفل.
و ظنّت أن الحراسة ستكون مشدّدة، لكن الممرات السفلية كانت خاليةً تمامًا.
في الواقع، إن كان فيلياس موجودًا هنا حقًا، فلن تكون هناك حاجةٌ إلى الحراسة أصلًا. فوجوده وحده كان أقوى نظامٍ أمني.
أمرت فانيسا خادمات قصر بيسينتي بالانتظار عند الدرج، ثم نزلت وحدها إلى الطابق السفلي.
كان الممر المظلم مضاءً بمصابيح غازية لا بالسحر، والضوء الأحمر المرتعش فوق الحجر الداكن بثّ جوًا كئيبًا موحشًا.
‘ما الذي أفعله هنا أصلًا….’
ترددت في العودة أدراجها، لكنها لم تستطع. فمنذ قدومها إلى العاصمة، لم يكن شعورها بالغربة تجاه فيلياس مرةً أو مرتين.
قوّته، ماضيه، كل شيءٍ عنه كان مجهولًا.
كانت تعلم منذ زمن أنه رجلٌ مليءٌ بالأسرار، لكنّه في الآونة الأخيرة بدا مضطربًا على نحوٍ مقلق، وكان اضطرابه معديًا.
عندها سمعت.
“أه….هِه….”
كان هناك بكاءٌ مكتوم قادمٌ من مكانٍ ما، مع تمتمةٍ غير واضحة بكلماتٍ مبعثرة.
بعد تردّد قصير، تحرّكت فانيسا أخيرًا، تخفّف وقع خطواتها وهي تتجه نحو الغرفة في نهاية الممر حيث يأتي الصوت.
كلما اقتربت، صار الهمس أوضح، وازدادت رائحة دمٍ مألوفةٍ نفاذًا.
حين مدّت فانيسا يدها المرتجفة وأمسكت بالمقبض، بينما انسابت من الفجوة المفتوحة قليلًا نبرةٌ تعرفها جيدًا.
“….هل اعترف؟”
‘سيد سوريل.…؟’
ثم جاء الردّ بصوتٍ أكثر ألفةً من ذلك.
“الأمير الخامس لمملكة سايروس.”
ارتجفت يد فانيسا، كان الصوت المنخفض العميق بلا شك صوت فيلياس.
“شخصيةٌ غير متوقعة. هذا يضعنا في مأزق.”
عند كلام سوريل، تمتم فيلياس ببرود.
“لا شيء يتغيّر.”
فتنهد سوريل.
“على أي حال، الوجهة باتت محددةً. آه، وبالمناسبة يا سموّ الدوق، الآنسة فانيسا حضرت قبل قليل. استقبلناها في غرفة الاستقبال، لكنها سريعة الملاحظة جدًا، ولا نعرف كيف نتصرف….”
“.…أطل الوقت. لا يمكنني مقابلتها على هذه الحال.”
في تلك اللحظة، شهق صوتٌ ثالث بحدة. و بعد سعالٍ متقطع، تحدّث الصوت الغريب،
“الرحمة….الرحمة….أرجوكَ، أرجوكَ….”
“الرحمة؟”
تمتم فيلياس بسخريةٍ ذاتية.
“كلمةٌ جميلة. لو كان في هذا العالم شيءٌ كهذا حقًا، لما اضطررتَ أن تعيش حياةً بائسةً كهذه.”
صدرت غَرغَرَةٌ ثقيلة، كأن شيئًا امتلأ في الحلق، جعلت فانيسا تبتلع أنفاسها لا إراديًا.
فسارعت لتغطية فمها، لكن من في الغرفة بدا وكأنه شعر بوجودها.
“سوريل.”
“نعم، سموّك.”
“هل كان من المقرر أن يأتينا ضيف؟”
“أبدًا.”
ساد صمتٌ قصير.
و عند صوت تهيئة السلاح، تراجعت فانيسا خطوة. ثم فُتح الباب بعنف.
“….آنستي؟”
من خلف سوريل المصدوم، تماوج ضوء الغاز. و اندفعت رائحةٌ نتنة خانقة، فخانتها ساقاها.
حين جلست على الأرض الحجرية، انحنى سوريل مسرعًا ليتفقد حالتها، وبفضل ذلك رأت فانيسا المشهد داخل الغرفة بوضوحٍ أكبر.
كان الدم المسفوح على الأرض بلا شك دمًا طازجًا.
وكان هناك رجلٌ غريب ممدّدٌ في وسط الغرفة، وعينان شاحبتان تلمعان تحت ضوء مصباح الغاز.
____________________
طيب شوفي كم روايه قريتيها؟ مب ان كل الابطال كذا؟ بعدين احس واضح ان ذي شخصية فيلياس من زمان😭
التعليقات لهذا الفصل " 98"