بدا أن رأسه يؤلمه، فالتزم فيلياس الصمت لحظة، ثم تابع بصوتٍ جاف.
“هيرمان….اجعله يعود إلى العاصمة. قوات أشوكا تكفي للتعامل مع الأرخبيل.”
و لم يجب سوريل على الفور.
“سيدي الدوق، أليس من الأفضل أن نتحرك في هذا الأمر….بسرية؟ صحيحٌ أن لدى أشوكا عملاء ممتازين، لكن….بما أن القضية خطيرة، أرى أن نتركها لهيرمان….”
هزّ فيلياس رأسه بلا مبالاة.
“اطلب تعاون قيادة البحرية، وأعد هيرمان ليلتصق بفانيسا من جديد. وأيقظ وليّ العهد واطلب منه أن يوفّر المرافقين.”
“لكن….”
“اذهب فورًا إلى القصر الرئيسي وأحضر عباءتي. سأتحرك بنفسي.”
“سيدي الدوق!”
لم يتمالك سوريل نفسه فصاح.
“أفهم مشاعركَ! لكن هل يعقل أن تضع كل هذه الكفاءات العالية حراسًا لآنسةٍ واحدة؟! فضلًا عن أوامركَ السابقة للوسيط، حقًا إن الأمر….”
“أتراني أبدو لكَ أحمق؟”
حدّق فيلياس في سوريل مباشرة، فارتعد وأطبق فمه.
“الأرخبيل تجاوز الخط منذ الحادثة السابقة. استخرجوا المحرّض بسرعة، واعتقلوا كل القوى المستقلة. لن نتحرك سرًا بعد الآن.”
“….نعم، يا سيدي.”
“أما السوق السوداء فسأذهب إليها بنفسي….”
“لا داعي لذلك.”
كان الداخل عبر الباب هو وليّ العهد. خلع عباءته السوداء وابتسم ابتسامة خفيفة.
“الآن فهمتَ، أليس كذلك؟ رجالي لا يقلّون كفاءةً عن السيد سوريل. بل ربما أفضل؟ في الواقع، سوريل رجلٌ مهمل إلى حدٍّ ما، باستثناء قوته.”
“….حتى لو قلتَ ذلك، فلن أعيركَ إيّاهم.”
تمتم سوريل بوجهٍ متجهّم، خلافًا لكلماته.
“هل أحضرته؟”
قاطع فيلياس حديثهما. فأومأ فريدريش برأسه.
“عثرنا على صانع الدواء الجديد الذي يدور عنه الكلام. لكن….”
ابتسم فريدريش ابتسامةً محرجة.
“يبدو أنه لا يفتح فمه.”
فردّ سوريل وكأنه كان يتوقع ذلك.
“كما تعلم، لستُ بارعًا في هذا النوع من الأمور. جعلته أكثر ليونةً قليلًا، ثم قيّدته فقط.”
“حتى بقدرة سموّك، هل يعدّ هذا صعبًا؟”
“استخراج اعترافٍ من شخصٍ يتحفّظ عليكَ أصعب مما تظن. فالدماغ ليس شيئًا تضربه فتتساقط منه الإجابات.”
“أليس لأنكَ تريد التخلص من الإزعاج فحسب؟”
سأله سوريل بريبة، فضحك فريدريش وهو ينزع قفازه.
“ما رأيكَ أن نجرّب؟”
“….لا، شكرًا. على أي حال، ماذا نفعل؟ حتى نحن لا نملك شخصًا مناسبًا لمثل هذا العمل.”
قال ذلك وهو يرمق فيلياس بطرف عينه. فتنبّه وليّ العهد لذلك، و تظاهر بالتفكير.
“صحيح. آه، بالمناسبة، أليس سيّدكَ مشهورًا جدًا في هذا المجال؟”
ثم ألقى هو الآخر نظرةً سريعة على تعابير فيلياس.
“آه نعم، تذكرت. مهما كان الأسير عنيدًا، فمجرد ساعتين مع سموّ الدوق كانت كفيلةً بأن يجعله يعترف بكل شيء. لكن….كيف نجرؤ على طلب أمرٍ كهذا مجددًا.”
ثم ألقى نظرةً خاطفة.
“صحيح. قد يكون الأمر مختلفًا قبل بضع سنوات، لكنه الآن دوق الإمبراطورية. لا يمكن أن نكلّفه بأعمالٍ قذرة كهذه بنفسه. فضلًا عن أنه لا يزال في طور التعافي.”
وألقى فريدريش نظرةً أخرى.
“لو استطاع فعل ذلك بنفسه لكان رائعًا، لكن معدتي لا تحتمل مثل هذه الأمور. وفي الوقت ذاته لا يمكننا إسناد عملٍ بالغ السرية إلى أي شخص….ماذا نفعل إذاً….”
كان فيلياس يستمع بوجهٍ فاتر، ثم تمتم أخيرًا.
“إياكم أن تذكروا أخلاقي مرة أخرى.”
فأشرق وجه سوريل.
“إذًا….”
“حضّروا المقابلة.”
“كما توقعتُ من سموّك! أيها الحراس! أحضروا قفازات الصيد فورًا!”
ثم أطلّ سوريل برأسه من الباب وهو يصيح.
وخلال ذلك، وقف فيلياس بهدوءٍ عند النافذة، يراقب شروق الشمس. و في أقصى الحديقة، كان يظهر السقف الأزرق لقصر بيسينتي.
“سوريل.”
“نعم، يا سيدي؟”
“سأنهي الأمر كله خلال ساعتين، لذا فانيسا….”
لم يُكمل فيلياس جملته، لكن سوريل أومأ برأسه بحزم.
“لا تقلق. سنضمن ألا تعلم الآنسة بهذا الأمر أبدًا.”
***
وبعد ساعتين. كان صباحًا كئيبًا ملبّدًا بالغيوم.
“لماذا بالذات شعرٌ أحمر؟!”
عند الصوت المفاجئ، انكمشت فانيسا خلف السور قليلًا. وحين أخرجت رأسها بحذر، رأت شخصين يقفان متقابلين تحت شجرة لارِكس.
وبحسب ذاكرة فانيسا، كانتا من بنات الماركيز بلاكوود. ويبدو أنهما أيضًا كانتا تقيمان في القصر الإمبراطوري خلال فترة مهرجان التأسيس.
كانت الفتاة ذات الشعر الأحمر القاني، المشابه تمامًا لشعر الماركيز، هي دافينا، الابنة الثانية بين خمسة أشقاء، أما التي كانت تواسيها فكانت الشقيقة الصغرى أوليفيا، تلك التي قدّمت إتيودًا مدهشًا في الحفل الموسيقي السابق.
“لا تبكي يا دافينا. على الأقل لون شعركِ أنتِ أشدّ احمرارًا من شعر تلك الفتاة!”
“وهل هذا برأيكِ كلامٌ يواسي؟!”
صرخت دافينا وهي تغلي غيظًا.
“لكنّكِ قلتِ بنفسكِ أنكِ ستتوقفين عن فعل ما لا أمل فيه بعد الآن. فلماذا تثورين فجأة؟”
قالت أوليفيا ذلك وهي تثرثر، فعادت ملامح البكاء إلى وجه دافينا.
“أن يتجاهلني حتى عندما أحيّيه، وألا يردّ على كلامي، حسنًا، تفهّمت ذلك. لم يكن يعاملني أنا وحدي هكذا. لو كان يكره البشر أصلًا، فلا حيلة لنا في ذلك، أليس كذلك؟ لكن ما الذي كان عليه بالأمس؟! أكان شخصًا قادرًا على الابتسام هكذا أصلًا؟!”
همهمت أوليفيا وأومأت بلا اكتراث.
“لكنها كانت جميلةً فعلًا. فكّرتُ في ذلك حتى أثناء الحفل، لكن بالأمس لم أستطع أن أشيح بنظري عنها. بالمناسبة يا أختي، هل تعرفين من أين فستانها؟ أظن أنه سيصبح موضة الموسم القادم.”
‘لحظة….لا تقولوا أن الحديث عني؟’
“وكيف لي أن أعرف! على أي حال، لا تقولين إلا ما يغيظني. إياكِ ثم إياكِ يا أوليفيا أن تسرّبي هذا الكلام لأبي، وإلا أخبرتُ أمّنا أنكِ تهربين من دروس البيانو لتذهبي للرقص!”
“هل جننتِ؟! لأذهب وأخبر أبي لأسمع منه هراءً جديدًا؟!”
حاولت فانيسا التراجع والانسحاب بهدوء، لكنها تمايلت فجأةً بعدما تعثرت قدمها بجذر شجرة.
‘كان يجب أن أبدّل حذائي!’
وفي اللحظة التي راودها فيها هذا الندم، أمسك أحدهم بجسدها من الخلف برفقٍ وسندها.
“فيلياس.…؟”
“آه، أتنادين باسم رجلٍ آخر وأنتِ بين ذراعي؟ هذا يمزّق قلبي.”
خرج صوتٌ مازحٌ ليّن. فاستدارت فانيسا بسرعةٍ وابتعدت عنه.
كان رجلاً طويل القامة، يرتدي زيًا أزرق أنيقًا، ينظر إليها بعينين مختلفتي اللون.
“….الدوق فاليندورف.”
“مرحبًا، نيسا. هل اشتقتِ إليّ؟”
ابتسم الدوق وهو ينظر إليها.
لو كان شخصًا غريبًا، لكان مجرد النظر إليه كافيًا لخفق القلب. لكن رغم ذلك الصوت العذب، شعرت فانيسا بقشعريرةٍ تسري في ذراعيها.
كادت تشتمه في الحال، لكنها أدركت أن الوقت غير مناسب.
وحين همّت بالمغادرة دون رد، دوّى فجأة صراخٌ حاد من الفتيات القريبات.
“؟!”
ارتفعت أكوام أوراق الشجر المتراكمة كالأمواج، واندفعت لتغمر الفتيات. و كانت تدور في الهواء الساكن بلا نسمة، كأنها طيورٌ حيّة، ثم فجأة، تهاطلت دفعةً واحدة فوق رأسي أوليفيا ودافينا.
“آآه! دافينا! لا أرى شيئًا!”
راحت أوليفيا تلوّح بذراعيها وهي تبكي، فقبضت دافينا بسرعةٍ على يد أختها وبدأت تركض بها نحو الطرف الآخر من الحديقة.
و لاحقتهم الأوراق قليلًا، ثم ما لبثت أن تناثرت فجأةً فوق العشب.
“بفتت.”
عند سماع ضحكةٍ خافتة، التفتت فانيسا لترى الدوق يدير معصمه في دوائر. ومع حركات يده، كانت الأوراق تحلّق في الهواء.
‘ما هذا….لا تقُل إن هذه القدرة….مثل قدرة فيلياس؟’
و متظاهرةً بالثبات، تحدّثت فانيسا ببرود،
“ياله من تصرفٍ طفولي إلى حدٍّ مثيرٍ للسخرية. تجاه فتياتٍ لا علاقة لهنّ بشيء.”
فأمال الدوق رأسه بلطف.
“صحيح، لا علاقة لهنّ. فالمهم هنا هو أنتِ وأنا، لا غير.”
ثم ابتسم ابتسامةً فاتنة إلى حدٍّ خطير.
__________________
الي اعرفه انه يبيها عشان فيلياس يبيها ولا؟ بس المجنون شكله صدّق نفسه وحبها صدق
المهم فيلياس قال ساعتين بس طيب كان عودت لها؟ وسوريل الحمار ليه ماعلمه ان فانيسا بكت عشان يروح لها ركض؟ كان ابي ذا الرخص الصدق😭
معليه يا سوريل علمي معك
بس الصدق سوريل وفريدريش وفيلياس اذا اجتمعوا حتى لو شي جد صار يضحك😂
التعليقات لهذا الفصل " 97"