“يا إلهي، حتى لو كان سموّ الدوق، فهذا كثيرٌ فعلًا. لا تبكي يا سيدتي، كان من حقكِ تمامًا أن ترفضي!”
قالت نيكولا ذلك بحزم. وبعد لحظة تردد، فتح سوريل فمه.
“لكن….أليس في الأمر شيءٌ من المبالغة؟ لا أرى أنه عرضٌ سيئ إلى هذا الحد….”
“ماذا قلتَ؟!”
تجهم وجه نيكولا، فهزّ سوريل كتفيه.
“أعني، أليس كذلك؟ رفضُ طلب الزواج لن يُبقي الميت حيًا. طبعًا لا ينبغي أن يحدث شيءٌ كهذا، لكن إن توفي سموّ الدوق على هذا النحو، فستؤول الإقطاعية وكل الممتلكات إلى العائلة الإمبراطورية. وبدلًا من ذلك، أليس أفضل أن تؤول إلى الآنسة….”
“هل هذا كلامٌ يُقال الآن….”
تمتمت نيكولا وكأنها لا تصدق ما تسمع.
“ما أعنيه هو أن الآنسة لا داعي لأن تشعر بالذنب بسبب هذا الأمر. من الأساس، لم يكن سموّ الدوق يتوقع أن تبادله الشعور نفسه. كيف لشخصٍ عادي أن يلحق بذلك أصلًا.”
ثم نقر سوريل بأصابعه على جانب جبهته نقرًا خفيفًا.
“….دعوا الشتائم عنه لي.”
تمتمت فانيسا بذلك بوجهٍ محمّر ومتورم.
و كانت نيكولا قد همّت بالذهاب لإحضار الشاي، ثم عادت ونادت،
“سيد سوريل.”
كان جنديٌ يرتدي زيّ الحرس الإمبراطوري واقفًا عند الباب. همس الجندي بشيءٍ في أذن سوريل، ثم انسحب بهدوءٍ من الغرفة.
ثم هزّ سوريل رأسه وكأنه يعاني صداعًا.
“ما الأمر؟”
سألت فانيسا. و أخذ سوريل يذرع الغرفة قليلًا، ثم،
“الخبر الجيد هو أن من ارتكب هذا الفعل الأهوج ليس في العاصمة.”
“….وما الخبر السيئ؟”
“أن عليّ من الآن فصاعدًا أن أذهب إلى الأرخبيل وأسحق أولئك الأوغاد جميعًا.”
مسحت فانيسا وجهها بمنديل جديد. وبعد نوبة بكاء طويلة، صار ذهنها أكثر هدوءًا.
“الأرخبيل”، و”السم”. لا بد أن الجندي كان من عملاء دوقية فيلياس، لذا فإن المعلومة بعدم وجود الجاني في العاصمة موثوقة.
هذا يعني أنه منذ وصوله إلى العاصمة، لم يتعرض لأي شخصٍ غير مُدقّق فيه، ولا لطعام أو شرابٍ مشبوه.
تذكرت فانيسا ما قاله فيلياس بعد مأدبة العشاء في الحديقة الخلفية للحصن.
قال إنه “شرب سمًّا مؤخرًا”. وكان ذلك قبل أقل من شهر.
“يبدو أنهم طوّروا سمًّا جديدًا. هل هو شيءٌ صُمّم عمدًا ليبطئ انتشار مفعوله؟”
سألت فانيسا متجاوزةً عدة مراحل من الاستنتاج، فضحك سوريل بخفة.
“أحب الحديث معكِ دائمًا يا آنستي، واضحٌ ومباشر. التفاصيل سأحقق فيها أنا وهيرمان، لكن يمكننا أن نطمئن قليلًا بشأن سلامتكِ.”
“أحقًا؟ إذا كان قد طُوّر سمٌّ قويْ إلى حدّ يتجاهل قدرة التعافي لدى الدم الإمبراطوري، فهذا أمرٌ خطيرٌ للغاية.”
“إن كان هذا السم هو ذاك الذي أظنه، فغالبًا لا داعي للقلق. فبحسب معلوماتٍ حصلتُ عليها مؤخرًا بمحض الحظ، لن يسبب نتائج قاتلة على الفور.”
ثم استدعى سوريل كبيرة الخادمات وهمس لها بتعليماتٍ سرية.
“سأبدأ الآن بالتحقيق في السوق السوداء في العاصمة. هيرمان سيتوجه إلى الأرخبيل مع رجاله. وسأعهد بحراسة الآنسة إلى خادمات قصر بيسينتي. كما ترين، فهنّ كفؤاتٌ جدًا.”
وقبل مغادرة قصر بيسينتي، أسرّ سوريل لفانيسا أنها قد تتمكن من زيارة فيلياس صباح الغد.
قد يكون الاحتمال ضعيفًا، لكن اللوائح تقتضي التأكد من أن سبب انهياره ليس سلاحًا بيولوجيًا.
و بعد قليل، جاءت خادمة المطبخ بطبقٍ من الحساء يحتوي على قطعٍ كبيرة من الدجاج والخضار.
كان الحساء المتصاعد منه البخار يبدو شهيًا للنظر، لكن فانيسا لم تستطع أن ترفع الملعقة.
فتحدّثت نيكولا بكلمات مواساة، لفانيسا التي ما زالت كئيبة.
“لا تُثقلي على نفسكِ كثيرًا يا سيدتي. حتى لو كان إيقاع مشاعركما مختلفًا قليلًا، فحقيقة أنكِ تحبين سموّ الدوق كثيرًا لا يمكن إنكارها.”
“لكن ماذا لو كان كل هذا….بسببي أنا؟”
“ماذا؟”
لقد أُصيب فيلياس بالتسمم في الأرخبيل. ولولا فانيسا، لما تعجّل بالعودة إلى هذا الحد. وربما لم يكن ليقدم على تصرفٍ متهورٍ كهذا.
وكان وليّ العهد قد قال ذلك أيضًا. إن كل ما يفعله فيلياس ينبع من فانيسا.
‘حسنًا، فلنفترض أنه يحبني. لكن ماذا لو كان هذا الشعور لا يجلب لنا سوى السمّ؟ ماذا يجب أن أفعل حينها؟’
“نيكولا، قولي لي….هل….هل أنا أدمّره؟ ماذا لو كنتُ أنا من يدفعه إلى الزاوية….”
فأسرعت نيكولا وأمسكت بيد فانيسا.
“أنتِ متعبةٌ الآن. توقفي عن هذه الأفكار السيئة واستريحي قليلًا، حسنًا يا سيدتي؟”
أومأت فانيسا برأسها بضعف.
وفي تلك الليلة، رأت فانيسا حلمًا مضطربًا على نحوٍ غير معتاد.
شعرت كأن أحدًا ينادي اسمها بيأس، وحين أفاقت وجدت كل ما حولها يلتهمه اللهب.
وبينما كانت تبحث عن مخرج، رأت وسط النيران الحمراء المتأججة ظلّ امرأةٍ غريبة.
“ههي….”
كانت المرأة تنتحب.
“أنا….أحرقتُ العالم كله….”
حاولت فانيسا الاقتراب منها، لكن ظلًا كان قد دنا منها و في غفلةٍ أمسك بكاحلها، فلم تعد قادرةً على الحركة.
“من أنتِ؟”
أرادت فانيسا أن تسأل، لكنها مهما حاولت لم تنفصل شفتاها.
عندها رفعت المرأة رأسها فجأة. و كان شعرها الأبيض الناصع يتطاير مع شرر النار، وكانت عيناها الواسعتان تلمعان بفضةٍ باردة.
رفعت المرأة ذراعها وأشارت إلى فانيسا، ثم،
“ارجعي.”
“؟!”
في اللحظة التالية، وجدت فانيسا نفسها ممدّدةً على السرير، غارقةً بالعرق.
“من كانت….تلك المرأة بالضبط.…؟”
نهضت فانيسا من مكانها وفتحت النافذة. و كان الفجر لا يزال مظلمًا، والنجوم تتلألأ بكثافةٍ في السماء.
كما في ليلة الحفل الراقص التي عادت فيها أول مرة.
“ما سبب عودتي؟ لماذا أنا، ولماذا هذا الوقت تحديدًا؟”
كانت تعلم أن هذا سؤال متأخر. فحتى لو فكرت فيه الآن، فلن يتغير شيء.
“لكن لو، فقط لو، كان لعودتي حيّةً هدفٌ ما….فماذا عليّ أن أفعل؟”
ربما لم تكن حياة فانيسا ملكًا لها بعد.
فأغمضت فانيسا عينيها بضعف. و بدا أن النوم لن يزورها هذه الليلة.
***
بعد نحو أربع ساعات، مع بزوغ الفجر، فتح فيلياس عينيه فوق سريرٍ ناعم على نحو مزعج.
“….قصر وليّ العهد؟”
وحين نهض متثاقلًا، شعر بأن عنقه وصدره يحترقان كأنهما في لهب.
“آه.”
استدار عند سماعه صوتًا غريبًا، فرأى خادمةً شابة تقف إلى جانب السرير وهي تحمل إبريقًا خزفيًا.
حين عقد فيلياس حاجبيه، احمرّ وجه الخادمة التي كانت تحدّق فيه شاردةً فجأة.
“لـ، لقد استيقظتَ….يا سيدي؟ هـ، هل تشعر بأي انزعاج؟”
لم يردّ فيلياس، بل نزل من السرير. و حاولت الخادمة منعه على عجل.
“آه، لا يجوز لكَ النهوض بعد، يا سمو الدوق. سأستدعي الطبيب حالًا….”
فتنهد فيلياس بضيق.
“ألم يقل لكِ سيدكِ ألا تخاطبيني؟”
“آه، ذلك لأن….”
وفي توقيتٍ مناسب، انفتح الباب ودخل سوريل وهو يتهلل.
“سموّ الدوق! لقد استيفظتَ بسلام!”
كاد أن تترقرق الدموع في عينيه، لكنه ما إن رأى تعابير فيلياس تزداد قسوةً حتى أنزل بصره سريعًا.
ثم أشار سوريل بيده خلف ظهره، فأخرج الخادمة من الغرفة.
“ذلك….قبل أن تغضب، سأشرح بسرعة. مرّت اثنتا عشرة ساعةٍ منذ انهياركَ، ومع كثرة الضيوف في القصر الإمبراطوري، اضطررنا لطلب تعاون سموّ وليّ العهد على عجل. ما زلنا نحقق في شأن السم، لكن في السوق السوداء-”
“دعكَ من هذا الهراء.”
أطلق فيلياس زفيرًا وهو يدير عنقه المتصلّب ببطء.
“أين فانيسا؟”
“نقلناها إلى قصر بيسينتي. أنتَ من أوصيتَ بذلك إذا حدث أمرٌ كهذا. هل آتي بها الآن؟”
“….دعوها تنام. لا بد أنها فزعت كثيرًا.”
سكب فيلياس ماءً من الإناء الموضوع على الطاولة الجانبية وشربه.
“هل طلبتَ تعاون صاحب هذا المكان؟”
هزّ سوريل رأسه إجابة.
“كما تعلم، نعاني نقصًا في الأيدي. مرؤوسوّي المباشرون يفتشون السوق السوداء….والبقية وُزّعوا في قصر بيسينتي….آه، وقد أرسلتُ هيرمان إلى الأرخبيل. ظننتُ أن ما تعرضتَ له في جزيرة الرأس قد يكون السبب….”
_____________________
اشوا قام بس خير رح لفانيسا تكفى 😔
فانيسا مفروض تتأسف وهو يتأسف كذا ولا كذا اهم شي ارجعوا زي اول تكفوووووووووون
سوريل مسكين حتى مشاعره مايقدر يعبر عنها قدامه😭
المهم وش ذا الحلم حق فانيسا كابوس ذاه
ويوم قالت الليل زي يوم رجعتها الصدق توقعتها رجعت مره ثانيه🌝
التعليقات لهذا الفصل " 96"