‘أمي تخلّت عني، وأبي حاول قتلي. كل الخيارات التي اتخذتها كانت أنانية. لأنني لم أفكّر إلا في البقاء حيةً. لكن فيلياس كان….’
أمامها، لم يكن يخشى شيئًا. مع أنها كانت قادرةً في أي لحظة على أن تسحق قلبه.
وبهذا الحال، لا بدّ أن فانيسا ستؤذيه. هذا الإنسان المسكين البائس.
“قلتَ يومها في برج المراقبة، أليس كذلك؟ طلبتَ مني….أن أشفق عليكَ. إذاً، أرجوكَ أخبرني.”
ترددت فانيسا قليلًا قبل أن تفتح فمها بصعوبة.
“كيف استطاعت السيدة إيفانجلين أن ترتكب بحقكَ فعلًا فظيعًا كهذا؟ فأنتَ….تملك قوةً وسلطانًا يفوقان الجميع.”
لا بد أن فيلياس أدرك نية فانيسا على الفور. كانت تسأله إن كان قد اختلق كل تلك الأكاذيب فقط ليستدرّ شفقَتها.
كان سؤالًا قاسيًا، ومن البديهي أن يأتيها جوابٌ قاسٍ. لكن التوقع خاب.
“….لا أشعر بسوءٍ حيال أن تُحقّقي معي هكذا. ليتنا كنّا في مكانٍ أكثر خصوصية.”
“ليس هذا وقت المزاح.”
“أتحدث بجدّية. أو هل نغيّر المكان الآن؟ إلى غرفتي مثلًا؟”
“فيلياس، أرجوكَ.”
كان ينظر إلى فانيسا بصمت، ثم أخيرًا تكلّم.
“….لقد أقنعتني.”
“أقنعتكَ.…؟”
“قالوا أن شخصًا مثلي لا يجلب للعالم سوى الأذى إن بقي حيًا. لم أكن سيئًا، بل الظروف هي السيئة. وأنا….إنسانٌ لا ينبغي أن يولد في زمنٍ كهذا. حينها بدا الكلام منطقيًا إلى حدٍّ ما….”
قال ذلك بلا اكتراث، ثم تنحنح فيلياس بخفة.
“آمل أن تكون تساؤلاتكِ قد زالت الآن. آه، وربما كان هذا للأفضل. فلا توجد قصةٌ أصلح من هذه لاستدرار شفقة شخصٍ ما.”
“أنا….آسفة. لكن….”
كان لا يزال يطلب من فانيسا شفقةً لا حبًا. فتماسكت فانيسا وسألته.
“أما كنتَ ستسألني حقًا؟ إن كنتُ….أحبكَ؟”
فابتسم فيلياس ابتسامةً واهنة.
“أنتِ لن تحبّيني.”
“لماذا تقول….كيف….كيف عرفتَ ما في قلبي؟”
“لأنني أعرف أيَّ إنسانٍ أنا، أكثر من أيّ شخصٍ آخر.”
عجزت فانيسا عن الكلام، واكتفت بالنظر إليه. فتدحّث بصوتٍ متعب.
“لا أطلب منكِ الكثير. فقط.…”
“ليست شفقة.”
أضافت فانيسا على عجل.
“ربما كانت كذلك في البداية….لكن الآن….على الأقل….”
“ليست شفقة؟”
بصوتٍ جاف. انتشرت على وجهه ابتسامةٌ يائسة كالسّم.
و كانت يداه اللتان أمسكتا كتفيها تحتضنان الآن وجنتيها.
“أتدرين بأيّ نظرةٍ تنظرين إليّ الآن؟”
‘يداه….باردتان.’
“تنظرين إليّ ككلبٍ مريض، ثم تقولين أن هذا ليس شفقة؟”
حاولت فانيسا الإمساك بيده، لكنه في تلك اللحظة تراجع فجأة.
“فيلياس؟”
اليد التي ابتعدت عنها قبضت على عنقه. و حاول أن يقول شيئًا على عجل، لكن سعالًا عنيفًا قاطعه.
تلاه سعالٌ متقطّع، ثم خانته ركبتاه.
“فيلياس!”
سقط جالسًا على الأرض بلا حول. وحين انحنت فانيسا لتفحص حالته، اندفع من فمه دمٌ غزير.
“آه….”
قبض فيلياس على معصم فانيسا التي كانت تحدّق فيه بذهول.
كان ينظر إليها. كأنه يحاول أن يحفظ صورتها في عينيه للمرة الأخيرة.
انتشر الدم الأحمر فوق وجنتيه الشاحبتين، وبدأ بريق عينيه يخبو.
“لا….”
ثم فقد فيلياس وعيه.
***
من الذي يجب أن أناديه؟
فكّرت فانيسا وهي تحتضن فيلياس المنهار بلا حيلة. و كان طرف تنورتها المبتلّ بالدماء يلتصق بساقيها بلزوجة.
‘لقد نزف كثيرًا.’
كان الوضع خطرًا. لفيلياس أعداءٌ كُثر في العاصمة، ولا يجوز أن يُكشف أمره لأحد.
إذًا، من الذي يجب أن أناديه؟ من الذي يستطيع حمايته دون أن يُستغل سياسيًا؟
التعليقات لهذا الفصل " 95"