لم يتكلم أحدٌ لبرهة. وكانت رايتشل هي من كسرت الصمت.
“صحيحٌ أن كلام السيدة براير يبدو غير متناسقٍ تمامًا. لكن…..الدوق يدعم الخطة، أليس كذلك؟ بل قال أنه سيقدّم المكان أيضًا.…”
وقد كان صوتها خاليًا من اليقين.
‘همم….كما شعرت في الميناء سابقًا..…’
بدا أن أهل هذا المكان يصدقون أي شيءٍ يُقال عن سيدهم بسهولة. سواءً كان جيدًا أو سيئًا، فهم يعتبرونه أمرًا طبيعيًا.
ربما لأن لا أحد منهم يعرفه حقًا. ولهذا فإن أمثال فرانسيسكا يجرؤون على استخدام اسمه كيفما شاءوا.
فمنذ تولّيه المنصب وهو يتسبب في الفوضى ثم يختفي عن الأنظار، لذا ربما لا يمكن لومهم أيضًا.
ثم تركت فانيسا فرانسيسكا من بين ذراعيها.
“صحيح، كان ذلك ما قلتِه. إذاً لا مجال للشك. حفلٌ في القلعة! يبدو شيئًا رائعًا حقًا. وستدعينني كذلك، أليس كذلك يا فرانسيسكا؟ أليس الذهب الذي أخذتِه منذ قليل يكفي ثمن بطاقة دعوة؟”
“ذهب.…؟”
بدت الحيرة على وجه رايتشل. فأجابت فرانسيسكا بسرعة،
“بالطبع! كنتُ أنوي تسجيله كتبرع. فلا سبب لاستخدامه في أمرٍ شخصي، فأنا أتلقى دعمًا من السيد….كما تعلمين..…”
“بالطبع. وإلا لما كان لديكِ سببٌ للبقاء في مكان كهذا، صحيح؟ فأنتِ ابنة الدوق في النهاية.”
“نـ-نعم، بالطبع. ما الذي قد يجعلني أبقى في هذا الريف…..”
و أجابت فرانسيسكا بصوتٍ مخنوق.
‘يكفي هذا…..عليّ إبلاغ شان فور العودة. أما هاتان الاثنتان فستعرفان الحقيقة وحدهما.’
عندها نهضت سارا من مقعدها، وكانت تنظر إلى فرانسيسكا بعينين مليئتين بالريبة.
“هناك شيءٌ غير مريح يا سيدة براير. لا تحاولي التهرب. هل سيُقام الحفل الخيري فعلًا؟ أم أنكِ تخدعيننا نحن الجاهلات؟”
فضحكت فرانسيسكا بسخرية، رغم أن عينيها كانتا ترتجفان بعنف.
“هل تلمّحين إلى أنني مخادعة؟ أنا ابنة دوق! يبدو أنكِ لا تدركين ما يعنيه ذلك، لكن والدي يملك سلطةً لا تقل عن سلطة العرش.”
“لكن…..كل ما سمعناه منكِ كان مجرد كلام. لقد حلّ الصيف ولم يتحدد شيء….وتطلبين منا أن نصدق فقط…..”
وحين أضافت رايتشل ذلك بتردد، لم تستطع فرانسيسكا التحمل أكثر، فنهضت بغضب شديد. و ارتدّ الكرسي وسقط.
“لا تصدقين كلام ابنة دوق؟ حسنًا! سأريكِ الدليل. ميلا، اخرجيه.”
أخرجت الخادمة، التي كانت تقف خلفها طوال الوقت، رسالةً مهترئة قليلًا من صدرها. يبدو أنها تحتفظ بها دائمًا.
“ها هي يا فانيسا. هذه رسالةٌ من الدوق فيلياس نفسه إليّ. انظري، توقيعه وختم الإمبراطورية واضحان، أليس كذلك؟”
أمسكت فانيسا الرسالة وهي تقاوم رغبتها في الضحك.
[سيدة براير، حفل لأجل أطفال المستوطنات؟ يا لها من فكرة نبيلة…..أشعر بالخجل لأنني لم أفكر بها قبلكِ…] ونحو ذلك.
كان خطًّا جميلًا للغاية، خطّ رجلٍ من أسرةٍ نبيلة نال تعليمًا ممتازًا. وهذا يعني أنه لم يكن خط فيلياس…..ولا شان.
‘ثم لماذا بحق قد يستخدم ذاك الرجل ختمًا إمبراطوريًا؟’
“حتى أنتِ، بشكّكِ الدائم، لا بد أنكِ صدّقتِ الآن، صحيح؟”
سألت فرانسيسكا وهي تطوي الرسالة وتعيدها لخادمتها. لكن فانيسا هزت رأسها ببراءة،
“لا أفهم لماذا تكررين الحديث بهذا الشكل. أنا أثق بكِ ثقةً كاملة يا فرانسيسكا.”
“أما أنا…..فلا. على الأقل ليس الآن.”
قالت سارا ذلك بحدة.
‘يبدو أن أهل الشرق فعلًا صريحون كما يُشاع.’
ثم رفعت رايتشل يدها بحماس وكأنها وجدت الحل.
“ماذا لو ذهبنا جميعًا إلى القلعة لنرى قاعة الاحتفالات؟ يجب أن نبدأ التحضيرات الجدية، ولن نستطيع فعل شيءٍ من دون معرفة حجم القاعة.”
“نعم….هذا صحيح…..لكن زيارة القلعة دون إبلاغ مسبق أمرٌ غير لائق.…”
قالت فرانسيسكا ذلك بصوتٍ منخفضٍ قليلًا.
“لكن بما أنكِ على علاقةٍ وثيقة بالسيد، فسيعذر ذلك بالتأكيد.”
و ابتسمت فانيسا وهي تقول ذلك. ثم مالت نحو فرانسيسكا وهمست بصوتٍ لا يسمعه سواها،
“اسمعي يا فرانسيسكا…..أنا لا أحب إذلال الناس أمام الجميع. فما رأيكِ أن نُنهي الأمر هنا؟ اعترفي بالحقيقة، و لنعتبر كل شيءٍ كأنه لم يكن..…”
لم تكن تقصد استفزازها، لكن كلماتها فعلت العكس تمامًا.
“حسنًا! لنذهب جميعًا إلى القلعة. إنه وقتٌ مناسب لشرب الشاي على أي حال!”
“…..هل أنتِ جادة؟”
“ولِمَ لا أكون جادة؟ ماذا بكِ؟ هل بدأ الخوف يصيبكِ؟”
“….…”
‘حقًا….لا أعلم ما الذي تفكر به بعد الآن..…’
وفي العربة المتجهة نحو القلعة، واصلت فانيسا محاولتها لإقناع فرانسيسكا بالعدول عن الفكرة.
لكن فرانسيسكا كانت عنيدة. بل إن حماسها بدا وكأنه يزداد. ربما ظنت حقًا أن فانيسا خائفةٌ وتحاول الهرب.
ثم توقفت العربة أمام بوابة القلعة الموصدة بإحكام. وعندما تقدّمت خادمة فرانسيسكا إلى الأمام، اعترضها الحراس الذين يحرسون الأسوار.
كان الدخول إلى القلعة محصورًا بأشخاصٍ معدودين، والحراس يعرفون وجوههم جميعًا.
فتحدّثت الخادمة بثقة،
“أبلغوا الدوق بأن الآنسة فرانسيسكا من دوقية براير تلتمس مقابلته.”
بدت الدهشة واضحةً على وجوه الحراس. ربما كانت هذه أول مرة يرون فيها مثل هذا الموقف. ففي أشوكا، لا أحد يقترب من بوابة القلعة بهذه الطريقة، لأن الجميع يعرف أن الأمر بلا جدوى.
“من…..قلتِ؟”
“يا للوقاحة! أسرعوا وبلّغوا الدوق!”
دَقَّت الخادمة قدمها غاضبة، فابتسم الحراس بسخرية، لكن بدا أنهم لا يجدون حاجةً لتقييد هذه الخادمة الصغيرة.
“مهما تكن هويتكم، الدوق غير موجودٍ حاليًا. عودي في وقتٍ آخر.”
وربما كان هذا بالضبط هو المشهد الذي أرادت فرانسيسكا الوصول إليه.
لكن لسوء حظها، تعرّف أحد الحراس على فانيسا التي كانت تقف بعيدًا خلفها.
“آه! يا سيدتي! نعتذر! لم ننتبه لوجودكِ! هيه، افتحوا البوابة بسرعة! سيدتنا عادت!”
أشار الحارس إلى البواب.
“سيدتنا عادت!”
وهرع البوّابون إلى فتح البوابة.
‘أرجوكم…..كفّوا عن فعل هذا…..و منذ متى أصبحتُ “سيدتي”؟’
شعرت فانيسا بحرارة تصعد إلى وجهها.
“هؤلاء مرافِقاتكِ يا سيدتي؟”
و لم تعرف فانيسا كيف تجيب.
“عادت..…؟”
تمتمت فرانسيسكا بذلك. وقد بدا أنها فهمت شيئًا ما في تلك اللحظة. أما رايتشل وسارا، فلم تدركا بعد.
فسألت سارا بحدة،
“ما الذي يحدث؟ هل الآنسة لانغ تقيم في القلعة؟ والسيدة براير لم تكن تعرف؟”
فضحكت فانيسا بتوتر،
“ههه…..هل توددن الدخول لشرب الشاي أولًا؟”
‘يا إلهي…..الوضع مزعجٌ فعلًا….’
ثم تحدّثت فرانسيسكا فجأة،
“أظن أنني سأعود الآن. أعذريني يا فانيسا. وأرجو أن تنسي ما حدث اليوم..…”
وحاولت العودة أدراجها مسرعة، لكن الاثنتين بجانبها لم تسمحا لها.
“هذا غير ممكن يا سيدة براير. لقد دُعينا لشرب الشاي. لندخل ونتحدث بهدوء…..عن حفلتكِ الخيرية تلك.”
“ليس اليوم بالضرورة….يمكننا.…”
حاولت فانيسا تهدئة الوضع. هي لا تريد افتعال شجار داخل القلعة. فهي بالنهاية ضيفةٌ هنا.
عندها…..
“يا نجمتي.”
امتدت ذراعٌ من خلفها واحتضنت كتف فانيسا بلطف.
“أاااه!”
فقفزت فانيسا ولوّحت بذراعها. ثم…..قُبِض على معصمها.
“لقد أفزعتني!”
“يبدو أنكِ تُفزعين بسهولة دائمًا.”
ابتسم فيلياس وقبّل ظاهر يد فانيسا.
و يبدو أن قول الحراس أن الدوق غير موجود لم يكن كذبًا بالكامل…..بل على الأقل ليس الآن.
ثم مرّ فيلياس بخطواتٍ واثقة، وهو ما زال ممسكًا بكتف فانيسا، متجاوزًا النساء الثلاث المذهولات، متجهًا إلى داخل القلعة.
التعليقات لهذا الفصل " 56"