مهما كانت بحاجةٍ للمال، فإن تغيّر تصرّفها بهذا الشكل كان صادمًا.
ثم وضعت فرانسيسكا يدها على فمها كأنها تحبس دموعها.
“لم أعد الآن سيدةً نبيلة ولا شيئًا من ذلك، لكن يبدو أنني لا أزال عالقةً في عادات الماضي. لا تنزعجي كثيرًا، ألن نلتقي كثيرًا ونتحدث عن العاصمة ولو خلال إقامتكِ هنا؟ لم تدركي كم افتقدتُ العاصمة طوال الفترة الماضية.”
أمسكت فرانسيسكا بذراع فانيسا وشدّتها نحوها.
“هيا. سأعرّفكِ على رفيقاتي. فحتى في أشوكا هناك ما يُسمّى مجتمعًا راقيًا. ألن يفيد هذا عملكِ مستقبلًا؟”
كانت نيكولا تقبض على مظلتها بشدة، وكأنها على وشك ضرب مؤخرة رأس فرانسيسكا.
بينما هزّت فانيسا رأسها بسرعة. ففي مثل هذه المواقف، مجاملة الآخرين ولو قليلًا تكون أسهل على الجميع.
وفوق ذلك، أصبحت تشعر بفضول تجاه ما يُسمّى “حفل الخير” الذي تكرّر ذكره. ما الذي تحاول فرانسيسكا الحصول عليه حتى لو اضطرت لانتحال اسم السيد الإقطاعي؟
قادت فرانسيسكا فانيسا إلى الطاولة التي كانت تجلس عندها قبل قليل. وكانت هناك امرأتان تجلسان جنبًا إلى جنب، تحدّقان في فانيسا بعيونٍ مليئة بالفضول. فعرّفتهما فرانسيسكا على فانيسا.
“أردت أن أقدّمها لكما، لذلك أصريت. هذه الآنسة الجميلة هي فانيسا ابنة الكونت لانغ. كنا صديقتين مقرّبتين في العاصمة.”
‘مضحك.’
فابتسمت فانيسا.
“آمل ألا أكون قد قطعت عليكن الحديث.”
“مستحيل! نحن سعيدتان جدًا بانضمامكِ. مجتمع أشوكا صغيرٌ جدًا، ولا نرى إلا الوجوه المعتادة، لذا يسعدنا وصول زائرٍ جديد.”
قالت ذلك امرأة بخدّين محمرّين وقامة صغيرة، تشبه تمامًا فتيات القرى، بابتسامةٍ خجولة.
أما المرأة النحيلة الشاحبة، فحيّت فانيسا بفتور، وملامحها تنطق بعدم الترحيب.
وبعد أن جلست فانيسا، قدّمت الاثنتان نفسيهما.
الفتاة التي تشبه فتيات القرى هي رايتشل، ابنة مالك الأرض في المستوطنة المجاورة. أما الشاحبة فهي سارا، زوجة ملازمٍ في البحرية.
كلتاهما من عائلات نبلاء صغار عاشوا أجيالًا في الشرق.
بعد سقوط عائلة البارون سوريل، تحوّلت عائلاتهم إلى مجرد قواتٍ محلية، لكنهم سلّموا أراضيهم طواعيةً بعد وصول السيد الجديد، واختاروا الاندماج في أشوكا.
لكن أياً منهما لم يُقابل السيد الجديد. فجميع الإجراءات تمت عبر مساعده، ولم يرسل السيد سوى بعض الكلمات الرسمية دون أن يظهر.
‘طبيعي. حتى تلك الكلمات الرسمية كتبها مساعده بالتأكيد.’
“لكن سيدة براير وضعها مختلفٌ عنّا. أنتِ تلتقين بالسيد كثيرًا، أليس كذلك يا سيدة براير؟”
فتنهدت فرانسيسكا لسماع كلام رايتشل.
“يمكن قول ذلك. لكن في الآونة الأخيرة أشعر بعدم الارتياح. فكلما قابلته يعود لفتح قصص الماضي. مرت سنواتٌ طويلة، لكنه يبدو ما زال متعلّقًا بي.”
“بخخ.”
الذي انفجر ضاحكًا كانت نيكولا. فتحولت عينا فرانسيسكا إلى شكل مثلث غاضب.
“فانيسا، يبدو أن خادمتكِ لديها ما تقوله؟”
و رمشت فانيسا وكأنها لا تعلم شيئًا.
“ألم تسمعي؟ لقد ضحكت للتو على كلامي.”
“أوه فعلًا؟ لا بد أنها سمعت شيئًا غير منطقي. فهي ليست معتادةً على الضحك عادة.”
انقبض وجه فرانسيسكا من ردّ فانيسا، لكنها سرعان ما ارتسمت عليه ابتسامةٌ مصطنعة.
“ربما كنتُ أتوهم. هل أحضر لك المزيد من الشاي، فانيسا؟”
“لا حاجة للشاي. لكن هلّا تشرحين لي أكثر يا فرانسيسكا؟ عن هذا الحفل الخيري؟”
سألتها فانيسا باهتمام، لكن فرانسيسكا لوّحت بيدها تواضعًا.
“إنه حفلٌ نظمته من أجل ازدهار أشوكا. ستذهب جميع الأرباح للتبرع لأطفال المستوطنات الفقيرة. وكنتُ أجمع التبرعات من سيدات المنطقة، ثم تفضّل السيد وسمح باستخدام القلعة عندما علم أن المناسبة ذات نيةٍ خيّرة.”
‘لحظة…..لا يمكن.…’
“……ومن الذي يستلم التبرعات، يا فرانسيسكا؟”
“الطبع المؤسسة، أليس هذا بديهيًا؟”
“ومن رئيس هذه المؤسسة؟”
أمالت فرانسيسكا رأسها حيرة من توالي أسئلة فانيسا.
“حسنًا….من الناحية الرسمية لم تُطلق المؤسسة بعد…..لكن لماذا تسألين، فانيسا؟”
‘ها، إذًا هذا هو كل شيء؟’
“بمعنى آخر، كل المال يدخل جيبكِ؟ من أجل حفل خيري قد لا يُقام أصلًا؟”
ربما كانت كلماتها سريعة، لكنها لم تستطع تجاهل الأمر إن كانت فرانسيسكا تخطط بالفعل لعملية احتيال باسم السيد.
فحتى دعوتها لفانيسا إلى هذا المكان كانت بالتأكيد لأنها ظنت أنها ستستفيد منها بشيء.
لكن فرانسيسكا لم تضطرب. بل ابتسمت بمرارة،
“أعرف أنكِ لا تثقين بي. وكما قلتِ، عائلتي على وشك الانهيار. وفي العاصمة، المكانة الاجتماعية هي معيار الثقة.”
“لحظة يا آنسة لانغ.”
ثم تدخلت سارا لتساند فرانسيسكا.
“نحن فتياتٌ ريفيات ولا نعرف مدى رفعة مكانة الآنسة لانغ، لكن كلامكِ الآن كان مبالغًا فيه بعض الشيء. هل هكذا تهينون الناس دائمًا في مجتمع العاصمة الراقي؟”
ومع إنهاء كلامها، لم تنسَ سارا أن تمسح فانيسا بنظرةٍ من رأسها حتى قدمها.
وحين رأت بقعة الحبر على كم فانيسا، ابتسمت بسخريةٍ واضحة.
“مجتمع العاصمة الراقي، هه…..”
فابتسمت فانيسا بمرارةٍ في داخلها.
‘صحيح…..هناك، ربما لم أكن لأدرك حتى أنني أُهان، قبل أن أصبح أضحوكةً لهم. أنتن جميعًا.’
لكن مقارنةً بما عانت منه خلال ثماني سنوات، فهذه السخرية لا تكاد تُعد تهديدًا على الإطلاق.
“يا إلهي، إهانة؟…..هلّا تشرحين لي من فضلكِ؟ أي جزءٍ بالضبط بدا وكأنه إهانة للسيدة براير؟”
حلّ صمتٌ للحظة. ثم ترددت رايتشل، التي كانت تراقب ما يجري بين الطرفين، وفتحت فمها بتردد.
“أم…..قولكِ أن كل التبرعات تدخل في جيب السيدة براير…..بدا وكأنه يعني أنها تستغل اسم التبرعات لتحقيق مكاسب شخصية..…”
يا لها من رقيقة…..أنزلت فانيسا كتفيها قليلًا، وأمالت رأسها برفق.
“إن كان هذا ما فهمتِه، فأنا أعتذر وبصدق. لكن هذا غير منطقي تمامًا، أليس كذلك يا فرانسيسكا؟ لا يمكن أن تكوني تخططين لخداع سيدات أشوكا الطيبات.”
وحين شددت على كلمة خداع تبادلت رايتشل وسارا نظراتٍ مضطربة.
قد لا تجرآن على قول شيء، لكن ملامحهما لم تكن مرتاحةً على الإطلاق.
حينها—
“هه….هه….ههه…..”
“……؟”
عندما التفتت فانيسا نحو مصدر البكاء غير الطبيعي، كانت فرانسيسكا قد دفنت وجهها بين يديها، وكتفاها يرتجفان كمن يبكي بحرقة.
“قسوتِ عليّ…..لقد قسوتِ عليّ حقًا يا فانيسا. صحيح، قد أكون أخطأتُ في بعض إجراءات التجهيز. ولم أتّبع كل إجراءات العاصمة. لكن هل كان عليكِ إهانتي أمام صديقاتي؟”
وأخرجت منديلاً وبدأت تربّت على زاوية عينيها. طبعًا، من دون دمعةٍ واحدة.
كان تمثيلًا رديئًا لدرجة تخجل لها العين، لكن رايتشل وسارا ابتلعتا الطُعم تمامًا، وبدأتا بإحضار الماء ومراوحتهما بقلق.
فشهقت فرانسيسكا بصوتٍ مسموع من شدة المفاجأة. و لم تكترث فانيسا لذلك، بل شدّت ذراعيها أكثر.
ثم تحدّثت بنبرة حزينة،
“آه يا فرانسيسكا العزيزة…..لا أصدق أنني جعلتكِ تبكين! لكن لا تظني ولو للحظة أنني أشك بك. كل ما في الأمر أنني تذكرت كلام الدوقة براير الذي كانت تردده دائمًا.”
“……؟”
“تذكرين؟ كانت تقول أن السيدة النبيلة لا يجب أبدًا أن تتحدث عن المال، فذلك من أفعال الفقراء الذين لا يستطيعون توكيل من يدير أمورهم.”
وكان هذا بالفعل من العبارات التي اعتادت دوقة براير تكرارها دائمًا. فالنبلاء، برأيها، لا يليق بهم الخوض في أمور المال.
لكن بالنظر إلى أنها ظلت ترسل الأموال لابنتها الهاربة طوال الوقت…..فقد كان كلامها مجرد مظهر فقط.
‘إلى أين يا ترى ذهبت كل تلك الأموال؟’
فارتجفت زاوية فم فرانسيسكا.
“لكن…..ظروفي الآن ليست كما كانت.…”
“أوه، فهمت…..همم؟ لكن ألم تقولي أن السيد يساعدكِ في مصاريف معيشتكِ؟”
_____________________
نيكولا زين مسكت نفسها للحين ولا دمعت من الضحك😭 وش طاه كذب بزران المشكلة انها اكبر من فانيسا!
ترا اسميها السيده براير لأن فانيسا قالت انها متزوجة؟ بس ماغيرت اسم عائلتها لأن واضح زوجها اقل وكذا
المهم فانيسا تجنن وهي تكمل تمثيليه معها😭 متى دوري بعد تنا تعالي ضميني
التعليقات لهذا الفصل " 55"