كانت فانيسا في حياتها السابقة على عداءٍ عميق مع أسرة براير.
قالت فرانسيسكا أن فانيسا كانت قريبةً من كاترينا، لكن ذلك كان في سنوات الطفولة فقط.
وحين بدأت أحوال أسرة لانغ تتدهور وبدأت الشائعات السيئة تنتشر، قطعت كاترينا علاقتها بها فورًا.
ولو أن الأمر انتهى عند مجرد قطع العلاقات، لربما تفهّمت فانيسا ذلك. فحتى إشاعة الشائعات وقيادة حملة النبذ، كان يمكن تجاوزهما باعتبارهما حماقات صِبا.
لكن التنمّر كان طفوليًا وخبيثًا. وقد كان هوان، شقيق كاترينا، يشدّ شعر فانيسا كلما سنحت له الفرصة.
أكان ذلك في التاسعة من عمرها؟ حتى في مهرجان الربيع بالقصر الإمبراطوري جرّ ضفيرتها حتى طرحها أرضًا.
وحين اعترض مايسون بدلًا عنها، قالت فرانسيسكا وهي تضحك: “ربما فعل ذلك ليجذب انتباهكِ يا فانيسا. من يولد بوجهٍ جميلٍ يتحمل أشياء كهذه، ماذا بوسعكِ أن تفعلي؟”
‘..…الآن بعد أن تذكرت هذا، أشعر بالغضب فعلًا.’
وبعد خطبتها لكونراد، تقطعت كل صلةٍ لفانيسا بأسرة براير تمامًا. فكاثرين براير كانت تتبجّح منذ طفولتها بأنها ستكون عروس كونراد يومًا ما.
أخذت فرانسيسكا تشهق وتتنحنح بلا داعٍ ثم سألَت وكأن شيئًا لم يحدث،
“فـ…..فانيسا، أنتِ قادمة من العاصمة، صحيح؟ ألم تسمعي أي خبر عن والديّ؟ أو هوان وكاترينا؟”
“…..لستُ متأكدة. لست مطّلعةً كثيرًا على الشائعات.”
“في الحقيقة…..مضى وقتٌ طويل منذ أن انقطعت رسائل أمي. لم ترسل لي مالًا منذ أشهر..…”
وكان واضحًا أن فرانسيسكا أدركت أنها قالت ما لا ينبغي، فسارعت لتغيير الموضوع،
“على كل حال…..ماذا عنكِ؟ ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟ كنتِ تتحدثين مع…..بحّار، أليس كذلك؟”
كان صوتها يحمل سخريةً خفيفة. فمن المؤكد أنها ترى الجلوس مع بحّار لشرب الشاي أمرًا مبتذلًا.
“صحيح. أنا أستعد لبدء مشروعٍ صغير.”
“مشروع؟ بنفسكِ؟”
“نعم. فقد توفي والدي هذا الربيع، وورثتُ عنه الكثير من الديون، فاضطررت للانشغال طويلًا في تدبير الأمور.”
“يا إلهي…..هذا يفسّر كل شيء. وهكذا أصبحتِ مشرّدةً بلا مأوى بين عشيةٍ وضحاها..…”
قالت ذلك بنبرة أسف، لكن ابتسامتها كانت تحمل احتقارًا واضحًا.
‘يبدو أن ديونهم رُهنت مؤخرًا…..أو ربما لم تعد تكترث لإخفائها أصلًا.’
ابتسمت فانيسا بسخريةٍ داخلية.
“بالمناسبة…..تقولين أنكِ تديرين مشروعًا. حسنًا، لا أعرف كم هو مشروعٌ (ضخم)…..”
دارت عينا فرانسيسكا ثم واصلت،
“سأقيم قريبًا حفلةً خيرية هنا في أشوكا. ألن يفيدكِ الحضور؟ إنها فرصةٌ لصنع علاقاتٍ في الشرق. نتلقى التبرعات من الضيوف طبعًا….لكن المبلغ ليس كبيرًا…..ربما.”
ضحكت فانيسا ضحكةً خفيفة. فهذا النوع من الإهانات الواضحة يجعلها تشعر أن فرانسيسكا لم تتغير قيد أنملة.
ورغم أن الأمر مزعج، كان تجاهله هو الأفضل.
“أشكركِ على الدعوة، لكن سأؤجلها لوقت آخر. لديّ موعدٌ مسبق..…”
“ألستِ فضوليةً لمعرفة من هو الراعي للحفلة؟”
قالت فرانسيسكا ذلك بابتسامة واسعة، وكأنها تحمل سرًا عظيمًا.
وكان واضحًا أنها تنتظر من يسألها، لكن فانيسا لم تكن مهتمة. فهزّت كتفيها وهمّت بالوقوف، لكن فرانسيسكا سارعت،
“في الحقيقة…..الدوق الحاكم لأشوكا هو من قرر رعاية الحفلة.”
“……؟”
شكّت فانيسا بسمعها للحظة، لكن يبدو أنها سمعت جيدًا. وكانت ردة فعلها تلك مرضيةً جدًا لفرانسيسكا.
“لقد ساعدني الدوق كثيرًا في التأقلم على الحياة في الشرق. وهذا وحده كان فضلًا…..لكن تخيّلي! فتح لنا الحصن للرعاية، بل ووعد بتبرعٍ ضخم أيضًا.”
“…..سيدة براير، هل أنتِ متأكدةٌ أنكِ تعرفين من هو حاكم أشوكا؟”
اتسعت عينا فرانسيسكا استعجابًا من السؤال.
“مم؟ آه، صحيح…..ربما لا تعرفين. كنتِ صغيرةّ جدًا آنذاك. قبل ست سنوات عُيّن الدوق فيلياس حاكمًا جديدًا هنا.”
وعلى الرغم من غرابة ما تسمعه، ابتسمت فانيسا قبل أن تجيب. فقد بدأت تتساءل الآن ما الذي ستقوله بعد.
“أعرف…..إلى حدٍّ ما. فأنا أعمل هنا أيضًا.”
“إذًا…..هل تعلمين أنه كانت هناك خطبةٌ بيني وبينه في طفولتنا؟”
‘ماذا؟’
“…..لا، لم أكن أعلم.”
لوّحت فرانسيسكا بيدها بخفة.
“بالطبع لا تعلمين. كنتِ صغيرةّ جدًا. كما أن الحديث عنه ظلّ شبه ممنوعٍ في القصر. لكن هذا طبيعي. بين فتيات جيلي، كنتُ أنا أنبلَهنّ نسبًا. صحيح أن بولينا كانت موجودة…..لكنها من فاليندوف.”
كانت التفاصيل مبالغًا فيها إلى حدّ غريب، ولم تعرف فانيسا كيف يجب أن ترد.
بينما واصلت فرانسيسكا الحديث.
“في الحقيقة، كان هناك عددٌ لا بأس به من بنات النبلاء اللواتي وقعن في حب الدوق…..آه، بل كان أميرًا حينها. كان قليل الكلام وذو طبعٍ غريب، لذلك لم يجرؤ أحدٌ على إظهار إعجابه علنًا. لكن إن تحدثنا عن الوسامة وحدها، فكان أكثر من يلفت الأنظار في العائلة الإمبراطورية بأكملها.”
وبدا أن نظرات فرانسيسكا تلمع وكأنها تسترجع ذكريات بعيدة.
“…..إذاً، لماذا لم يتم عقد الخطبة؟”
سألتها فانيسا ببرود، فهزّت فرانسيسكا رأسها نافية.
“لا يمكن اختيار زوجٍ فقط بسبب مظهره، أليس كذلك؟ رغم أنه أمير، لكنه مختلط الدم. كانت الخطبة بعناية جلالة الإمبراطورة الحالية…..لكن والدي ثار غاضبًا. قال أنه ولو مات فلن يسمح بأن يختلط دم براير بدماء أجانب قذرين.”
تجهم وجه فانيسا دون قصد، لكن فرانسيسكا لم تلاحظ، وواصلت الثرثرة.
“والآن عندما أفكر في الأمر…..والدي كان ذا بصيرة. فبعد ذلك بوقتٍ قصير انتشرت شائعات بأنه جُن—أو، أقصد، فقد صفاء ذهنه. ثم بعدها تعلمين الباقي…..صار يتجول بعباءة كأنه ناسك أو هارب من الناس.”
“…….”
“لكن…..رغم ذلك كله، فهو يساعدني الآن. لم يقلها صراحة، لكنه يبدو وكأنه يرغب في بقائي في أشوكا. وإلا فكيف سأقبل بالبقاء في هذا الريف الشرقي البائس؟”
تنهدت فرانسيسكا بضجر. بينما نظرت فانيسا جانبًا إلى وجه نيولا، و كانت تنظر إلى فرانسيسكا بذات ملامح من يشاهد شيئًا لا يُصدَّق.
‘لا داعي لسماع المزيد من هذا الهراء.’
“أعتقد أنه حان الوقت لأن أمضي. سررت بلقائكِ يا سبدة براير. أتمنى أن تنجحي في التواصل مع والدتكِ قريبًا.”
“آه، لحظة يا فانيسا. أين تقيمين؟ لا تقولي أنكِ تستأجرين غرفةً في نُزل؟ ألا يزال لقب ابنة الكونت يليق بكِ ولو قليلًا؟”
فهزّت فانيسا رأسها بلطف.
“مثل هذه الأمور لم تعد ذات معنى الآن. أنتِ وأنا…..لسنا سوى تائهتين بلا مكان.”
حدّقت فرانسيسكا فيها بذهول.
“ماذا تقصدين؟”
“أعني ما قلت، يا آنسة فرانسيسكا.”
فتشنج وجه فرانسيسكا.
“هاه، ما زلتِ كما أنتِ…..ابنة سكير، وتتصرفين بغرور معتمدةً على جمالكِ؟”
و ابتسمت فانيسا ابتسامةً هادئة.
“بل أنتِ التي لم تتغير يا فرانسيسكا. ما زلتِ تتكلمين بلسانكِ قبل أن يستأذن عقلكِ. ولستِ في موقفٍ يسمح لكِ بالحديث عن دماء الآخرين بأنها ‘ملوّثة’، أليس كذلك؟”
“…..ماذا؟”
ازدادت ابتسامة فانيسا اتساعًا.
“تقولين أن والدتكِ لم تعد ترسل المال؟ يا للأسف…..يبدو أن الدوقة باعت آخر ما تملك من حُلي. والدكِ كان على وشك أن تُصادر أرضه بعدما فرّ كالجبان في آخر معركة، ومع ذلك ما زلتِ تتصرفين كطفلةٍ مدللة. أفيقي يا فرانسيسكا. لستِ ‘سيدة الذهب’ بعد الآن.”
شحبت وجنتا فرانسيسكا. والنساء في الطاولة المجاورة أخذن ينظرن إليهن بخلسة. لم يسمعن الكلمات، لكن الجو المشحون كان واضحًا.
ثم وضعت فانيسا قطعةً ذهبية في يد فرانسيسكا المرتجفة.
“حين تضيق المعيشة يضيق القلب معها. وأنتِ….لا تزالين تحملين لقب ‘سيدة الذهب’، أليس كذلك؟ خذي هذه…..لعلها تحفظ لكِ بعضًا من المظهر، ولو قليلًا.”
كانت قيمة القطعة تعادل نفقات شهرين لأسرةٍ من عامة الناس. لكنها لم تكن شيئًا بالنسبة لفانيسا حاليًا.
ففتحت فرانسيسكا فمها لتصرخ، لكنها أطلقت شهقةً صغيرة فقط عندما رأت الذهب في يدها. فقد بدا لمعان الطمع في عينيها للحظة.
ثم استدارت فانيسا لتغادر، لكن فرانسيسكا نادتها فجأة.
_____________________
ضحكت عسا بالله اصفقيها بعد الحماره شايفه نفسها
وتقول فيلياس يدعمها؟ ما اظنه يتذكرش اصلا
ولا عاد تسبين ورعاني!
المهم وين فيلياس بالله بعد هو يقصف جبهتها وبالمره يطردها
التعليقات لهذا الفصل " 54"